السبت، 15 أغسطس 2009

ساسة وقانونيو وكتاب السلطة يلجأون للسب والتهديد والمغالطة


ساسة وقانونيو وكتاب السلطة يلجأون للسب والتهديد والمغالطة

(نزعته الرقابة الامنية)

إنهم يدفعون بالتى هي أو هى في جدل الشرعية

بقلـم: مكـي علــي بلايـل


السب والتهديد والمماحكة أسلحة أشهرها عبر التاريخ من تعوزهم الحجة سيما الطغاة في وجه دعاة الحق والإصلاح وفي مقدمتهم الأنبياء والعلماء. هذه السنة الماضية منذ إستخلاف الإنسان إلى أن يرث الله الأرض وما عليها وثقها القرآن الكريم في كثير من آياته على ألسنة جبابرة الإنس والجن وأشياعهم التابعين . ومن أمثلة ذلك :( إنه لساحر كذاب)، (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) ، (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم) ، (أنا أحى وأميت) إلخ... هذه النماذج من الآيات تشير إلى محض السب والوعيد وسذاجة الحجة كأساليب يلجأ إليها العاجزون عن الإحتجاج بالمنطق السديد في القضايا التى يثور حولها الخلاف بين الناس.ومع التأكيد على الفارق حول عظم القضايا ودرجة الخصومة حولها فإن قاعدة مقابلة الحجة بتلك الأساليب التي تنم عن الإفلاس المنطقي تظل واحدة. وتنطبق هذه القاعدة بصورة واضحة على أقوال أهل السلطة من ساسة وقانونيين وكتاب في مواجهة ما أثارته المعارضة من عدم شرعية الأجهزة الدستورية التنفيذية والتشريعية بعد التاسع من يوليو الجاري بإنتهاء آجالها في هذا التاريخ . هذا القول إن كان صحيحاً كما نرى أو زعماً باطلاً كما يرى أهل السلطة فيجب أن يكون الفيصل فيه البرهان عوضاً عن السب والتهديد الذي لجأ إليه ساسة السلطة من المؤتمر الوطني وقد يزعم في ذلك جميعاً الدكتور نافع علي نافع نائب رئيس المؤتمر الوطني للشئون السياسية والتنظيمية. فالمذكور لم يدخر شيئاً من مفردات الشتم التي جادت بها قريحته إلا ورمى بها أحزاب المعارضة واصفاً إياها بالعماله والإرتزاق والتآمر وغير ذلك. وقاد الإسترسال في سب الأحزاب د. نافع إلى التمثل غير الموفق بلسان فرعون في حق سيدنا موسى عليه السلام كما جاء في القرآن الكريم (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) . وقد أتبع ساسة المؤتمر الوطني السب والشتم بالتهديد والوعيد بتحذيراتهم المتكررة للمعارضة حسب التصريحات التي نقلتها عنهم الصحافة . فقد تم تحذير المعارضة من مغبة العمل للإطاحة بالسلطة واللجوء للأساليب غير الدستورية لإثبات عدم شرعية السلطة . وحيث أن الحديث عن اللجوء لوسائل غير دستورية لإثبات عدم شرعية السلطة يبعث على الضحك أكثر من اي شيء آخر ، فإن قصد ملأ السلطة من هذه التحذيرات هو تخويف المعارضة من إستخدام حقها المشروع في التعبير عن رأيها بكل الوسائل القانونية بما في ذلك الندوات العامة والمسيرات السلمية. وإذا كانت الحكومة قد قامت حتى الآن بالحجر على الحريات الواردة في وثيقة الحقوق المضمنة في الدستور في قضايا أقل شأناً فلا يستغرب منها التهديد في شأن خطير يتعلق بشرعيتها . ومهما يكن من شيء فإن شتائم وتهديدات ساسة السلطة لا تستحق الرد والمجاراة لكن من المهم التأكيد على أنها تعبير عن عجز المنطق وعوز الحجة وهذه حقيقة تظهر بجلاء من المغالطات المضحكة والمؤسسية معاً التي تنطوى عليها دفوعات القانونيين وكتاب الرأي الموالين للسلطة . فقد قرأنا وسمعنا عجباً في الصحف ومحطات البث التلفزيوني والإذاعي من أولئك القانونيين والكتاب في محاولاتهم للى عنق الحقيقة بما يناسب الأهواء السياسية في مفارقة مؤلمة للأمانة العلمية . وقبل إستعراض نماذج من تلك المغالطات يجدر بنا إستعراض حيثيات موقف المعارضة من شرعية مؤسسات السلطة بعد التاسع من يوليو الجارى وبإيجاز غير مخل. وفي هذا الصدد تقول المعارضة ما يلي: أولاً: إن الأحكام الإنتقالية لرئاسة الجمهورية المبينة في المادة 65 وللهيئة التشريعية القومية الواردة في المادة 117 وللولايات المبينة في المادة 84 من الدستور الإنتقالي تنتهي جميعاً بالإنتخابات التي يجب إجراؤها خلال الفترة الإنتقالية . وقد أوضحت المادة 184 (1) صراحة أن الإنتخابات المعنية هي المشار إليها في المادة 216 من الدستور الإنتقالي . ثانياً: إن المادة 216 قد نصت على :( تجرى إنتخابات عامة على كل مستويات الحكم في موعد لا يتجاوز نهاية العام الرابع من الفترة الإنتقالية). ثالثاً: إن المادة 216 ملزم تماماً مالم يتم تعديلها بالطرق المحددة في الدستور ولا تملك المفوضية القومية للإنتخابات حق تجاوز نص دستورى وبالتالي فإن تأجيلها للإنتخابات بدون تعديل الدستور باطل . رابعاً: لما كان يوم التاسع من يوليو يوافى نهاية السنة الرابعة من الفترة الإنتقالية فهو اليوم الذي تنتهى فيه آجال المؤسسات التي قامت وفق الأحكام الإنتقالية في المواد 65 ، 117 و 184 من الدستور الإنتقالي حيث كان يجب أن تتولى المؤسسات المنتخبة المسئولية بعد هذا التاريخ. خامساً: حيث لم تجر الإنتخابات بسبب تقاعس أجهزة سلطة الشراكة عن الوفاء بمطلوباتها ولم يعدل الدستور وقد كان ذلك متاحاً بسبب الإستهتار بحكم القانون فقد نشأ فراغ يتعين ملؤه بتدابير سياسية ودستورية جديدة. وإنطلاقاً من ذلك تدعو المعارضة لقيام حكومة إنتقالية لقيادة البلاد وإنفاذ ما تبقي من بنود الإتفاقية بما في ذلك الإضطلاع بمهام إجراء إنتخابات حرة ونزيهة . تلك بإيجاز حيثيات موقف المعارضة فما هي دفوعات القانونيين وكتاب الرأى الموالين للسلطة والتي نصفها بالمغالطات ؟ ولنبدأ بالقانونيين ونستعرض آراء ثلاثة من أكابرهم في الحكومة والمؤتمر الوطني ثم نعلق عليها . والثلاثة هم الأستاذ عبد الباسط سبدرات وزير العدل و الأستاذ فتحى خليل نقيب المحامين والدكتور أحمد المفتى . وسنجمل التعليق على دفوعات كل من الوزير والنقيب كما جاء في بنياينهما لأن أساس هذه الدفوعات واحد إذ تستند على المواد الخاصة بأجل رئيس الجمهورية وأجل الهيئة التشريعية في الدستور الإنتقالي لسنة 2005م. فقد قال فتحي خليل في بيانه كما أوردت صحيفة الوطن في عددها الصادر بتاريخ التاسع من يوليو الجاري ، إنه لا يقول بإنتهاء شرعية الحكومة من له أدني إلمام بالقانون والدستور لأن أجل رئيس الجمهورية والمجلس الوطني خمس سنوات حسب الدستور . هذه الحجة ذاتها هي التي كررها وزير العدل سبدرات في بيانه الذي نشرته الصحف الصادرة يوم الإثين الثالث عشر من يوليو الجارى وزاد عليها أشياء لا علاقة لها بالموضوع ونعتبرها من قبيل التعذليل. وما ساقه كل من الوزير والنقيب لشيء عجاب خاصة حين يأتي من مثيلهما لأنه يناقض مبدأ معروفاً هو أن النص التشريعى الخاص يقيد العام . فنصوص المادتين 57 الخاصة بأجل رئيس الجمهورية المنتخب و 90 الخاصة بأجل الهيئة التشريعية المنتخبة نصوص عامة لا علاقة لها بترتيبات الفترة الإنتقالية. والمادتان مقيدتان بداهةً بنص المادة 216 وإلا فما معني تضمين هذه المادة في الدستور أصلاً وتحديد الإنتخابات بموعد أقصاه نهاية العام الرابع من الفترة الإنتقالية ؟ وإذا صح ما يقوله السيدان الوزير والنقيب وهو بكل تأكيد غير صحيح لكان معني هذا أن الدستور الإنتقالي يحتوى مواد متعارضة . مواد تقضى بإستمرار آجال رئاسة الجمهورية والهيئة التشريعية لنهاية السنة الخامسة من الفترة الإنتقالية ومادة تقضى بإجراء الإنتخابات لهذه المؤسسات وغيرها في موعد أقصاه نهاية السنة الرابعة . أما المواد الخاصة بإختصاصات مفوضية الإنتخابات التي أوردها الوزير سبدرات فلا علاقة لها بتأجيل الإنتخابات المحددة بموجب المادة 216 . ولا تملك المفوضية إلا حق تأجيل إنتخاب رئيس الجمهورية ولكن بقيد زمنى لا يتجاوز ستين يوماً وفق الدستور وسنورد النص الخاص بذلك لاحقاً. أما ثالث الثلاثة فهو الدكتور أحمد الفمتى القانوني الضليع بالمؤتمر الوطني حسب وصف صحيفة الصحافة له والتي أجرت معه مقابلة نشرت في عددها الصادر في التاسع من يوليو الجاري . وبالإضافة إلى التشبث بأجل الخمس سنوات وتلك حجة واهية كما أوضحنا قال د. المفتى في دفوعاته كما أوردت الصحافة أن المادة 54 تنص على أن يستمر رئيس الجمهورية رئيساً بالوكالة لحين إجراء الإنتخابات المؤجلة. ولعل الدكتور يقصد المادة 55 وليس المادة 54 التي لا علاقة لها بأجل ؤئيس الجمهورية بل تتحدث عن أهلية وإجراءات الترشيح لمنصب الرئيس ومعيار الفوز بالمنصب . أما المادة 55 ذات الصلة بموضوعنا فهي حجة دامغة ضد الدكتور ورهطه وليست حجة له. ولمصلحة القارئ يجدر بنا إيراد نص المادة 55 بفقرتيها 1 و 2 كاملاً. وتقرأ المادة 55(ا) :(عند تعذر إنتخاب رئيس الجمهورية لأي سبب حسب ما تقرره مفوضية الإنتخابات وفقاً لقانون الإنتخابات يتعين على المفوضية تحديد موعد جديد لإجراء الإنتخابات بأعجل ما تيسر شريطة ألا يتجاوز ستين يوماً من اليوم الذي كان مقرراً فيه إجراء الإنتخابات) . وتنص المادة 55(2) على: ( يستمر رئيس الجمهورية شاغل المنصب رئيساً بالوكالة لحين إجراء الإنتخابات المؤجلة وتمتد فترته تلقائياً لحين أداء الرئيس المنتخب اليمين الدستورية). ولا شك أن نصوص هذه المادة بفقرتيها حجة دامغة ضد الوزير والنقيب والدكتور . فالمفوضية تملك حق تأجيل إنتخاب الرئيس دون غيره شريطة أن لا يتعدى التأجيل ستين يوماً. وإذا كان آخر يوم للإنتخابات وفق المادة 216 هو التاسع من يوليو 2009م فإن المفوضية من حقها تأجيل إنتخاب الرئيس لموعد أقصاه التاسع من سبتمبر 2009م. ولحين إجراء الإنتخابات المؤجلة في غضون ستين يوماً يظل الرئيس القائم رئيساً بالوكالة وهذا هو الفهم الصحيح رغم أنف كل مدع . وحاول د. المفتى كذلك الإستنجاد بالمادة 225 التي تحدثت عن تضمين كل بنود إتفاقية السلام في الدستور لتبرير موقفه. ويقول في هذا إن إتفاقية السلام جزء من الدستور ووفقاً لهذه المادة (يعنى المادة 225)) فإن الحكومة تشكل من الشريكين ولا يمكن في ظل هذا النص أن ندعو لحكومة جديدة ولابد من قراءة واقعية وليست نظرية. وهكذا ينسف الدكتور بضربة لازب كل ما جاء في الأحكام الإنتقالية لأجهزة السلطة في الدستور والإتفاقية وهذه هي قراءته الواقعية ويا لها من واقعية . هذه المغالطات المضحكة التي لجأ لها القانونيون من أشياع السلطة أرفدها كتاب الصحافة من سدنتها بأخرى أكثر سخفاً . وكنماذج لذلك قال أحدهم إن الحكومة قد تجاوزت النص الدستورى الخاص بالإحصاء السكانى ولم تحتج المعارضة فيجب أن لا تحتج على تجاوز المادة 216. وليس صحيحاً أن المعارضة لم تحتج على تجاوز نص الإحصاء السكاني . وبفرض أنها لم تفعل فإن تجاوز ذلك النص لا يمكن أن يكون تبريراً قانونياً مقبولاً لمزيد من التجاوز . وقال آخر إن المفوضية أجلت الإنتخابات بناء على طلب المعارضة وهذا بالطبع غير صحيح وإنما أجلته مرة ومرتين لفشل حكومة الشراكة في الوفاء بمطلوبات إجرائها كما أوضحت هي ذاتها . وقال ثالث إن المعارضة لم تعترف بالإتفاقية فلا يحق لها الإحتجاج بالدستور الذي إنبنى عليها . وهذا تكذب صريح على المعاضة وفوق ذلك فهو جهل بالدستور والقانون لأنه لا يحق لأي حزب وفق الدستور والقانون أن يمارس نشاطه إلا بعد الإعتراف بالإتفاقية والدستور. وقد وقعت الأحزاب المسجلة على إستمارة تتمضن هذا الإعتراف. وكما بدأنا نختم بالقول أن السب والتهديد والمغالطة والمماحكة حيل المفلسين منطقاً الذين تعوزهم الحجة وهذا شأن ملأ السلطة .

الأربعاء، 12 أغسطس 2009

السياط المتعامية (نزعته الرقابة الامنية)

السياط المتعامية (نزعته الرقابة الامنية)
هادية حسب الله
tamono_(at)_hotmail.com
التصقت بالعامود الحديدي البارد اصطكت أسنانها من البرد والخوف.. رأته قادماً تجاهها حاملاً سوطه .. ارتجفت قدماها.. ناداه أحدهم فوقف بهدوء يبادله الحديث.. ظل نظرها معلقاً بالسوط الذي يتأرجح بيده أثناء حديثه، تأرجحت معه عيناها وذاكرتها.. انطلقت طفله بخمسة أعوام ترتدي بنطلون زهري اللون بخطوط عريضة، بخطوات ثقيلة تقدم نحوها .. ضحكت وهى تمسك بيد صديقها ابن الجيران.. وقف قبالتها وهوى بسوطه على جسدها الغض.. تقرقرت بضحكتها والمرجيحة ترفعهما عالياً.. اندفعت الخطوط المرسومة بالبنطلون خارجة، انتصبت الخطوط أمامها واقفة.. ارتفع السوط بيده..هبط بألمه ورعبه على جسدها الرقيق..نظرتها خطوط بنطلون الطفولة بتشفى.. أكمل السوط تجواله بجسدها .. ابتعدت عن العامود الحديدي ودموعها "تشرق" روحها قبل إن تسيل بخديها..شعرت ببللل تحت قدميها نظرته ..فوجدت إنها تبولت على نفسها من الخوف....
شعرت بشيء صلب يلامس جانب صدرها.. لملمت جسدها وانزوت أكثر لتلتصق بالنافذة ، واصل الشيء الصلب التصاقه بها، لم تجرؤ على النظر لجارها لتتبين إن كان هو من يعاكسها، خافت إن نظرته يتمادى أكثر، أو أن لا يكون الفاعل فتحرج نفسها ، شغلت نفسها بقراءة اللافتات التي تمر الحافلة بها، لتشعر بالجسم الصلب وقد نمت له أصابع ،ومن ثم قبضت الأصابع على صدرها بقوة، ألجمتها دهشتها وشعرت بخوف يطوقها يلف عنقها ، حاولت أن تتحرك فوجدت إن عضلات عنقها قد تيبست، واصلت الأصابع الزحف إلى صدرها، بايدى راجفة التقطت حقيبتها لتقي بها صدرها، سكنت الأصابع الشرهة ، فكادت أن تتنفس الصعداء لولا إن الأصابع عاودت عبثها بقوة أكثر وكأنها شعرت بأن الحقيبة وضعت لحماية توغلها.. شعرت بالهواء ثقيلاً وبعيداً جاهدت لأن تتنفس.. "قرصتها" الأصابع ، فقفزت مرتعبة.. أرهفت الأصابع لشهقتها للحظة، ومن ثم انطلقت لعملها من جديد .. تخشب جسدها فلم تعد تشعر بشيء، غاصت في وحل خوفها.. وسط ضباب دموعها رأت محطتها تلوح من بعيد أشارت للكمساري ونزلت وهى تدارى دموعها وطعم مالح ملأ حلقها .. لم تنظر تجاه الأصابع ولكنها فوجئت بقدمين تسدان طريقها لتقتنصان من ما لم تطاله الأصابع.. شعرت بخوفها وعجزها يقبضان على حلقها ، ملأ القرف جسدها.. تلوت امعائها ودون ان تشعر وقفت بوسط الطريق تتقيأ .. تبلل صدرها بالقىء.. " روى جابر رضى الله عنه: أن النبى (ص) رأى امرأة فدخل على زينب فقضى حاجته وخرج. وقال رسول الله:" إن المرأة إذا أقبلت أقبلت بصورة شيطان. فإذا رأى أحدكم إمرأة فأعجبته فليأت أهله معها مثل الذى معها" سنن الترمذى، الجزء الثانى، الباب 9 ص313 . " حدثنا آدم: حدثنا شعبة.... عن أسامة بن زيد رضى الله عنهما عن النبى "ص" قال ماتركت بعدى فتنة أضر على الرجال من النساء" البخارى الجامع الصحيح المجلد السابع، كتاب النكاح،ص22. الفتنة.. الشيطان.. مترادفات للمرأة وجسدها، لقرون طوال ظل جسد المرأة تجسيداً للدمار ورمزاً للفوضى والتعذر عن الضبط ، ظل هذا الجسد المغلوب على أمره ممثلاً لقوة النشاط الجنسي المرعبة والغامضة، لذا ظل هذا الجسد يتحمل ويلات دوره البيولوجي السامي وبذات الوقت لعنة هذا الدور، ورغم إن الإسلام قد جاء بنمط تعامل مع الجنس أرقى اخلاقياً إذ ان يقول الأمام الغزالى فى كتابه إحياء علوم الدين:" إن النفس ملول وهى عن الحق نفور لأنه على خلاف طبعها، فلو كلفت المقاومة بالإكراه على ما يخالفها جمحت وثابت، وإذا روحت باللذات فى بعض الأوقات قويت ونشطت، وفى الاستئناس بالنساء من الاستراحة مايزيل الكرب ويروح القلب، وينبغى أن يكون لنفوس المتقين استراحات بالمباحات" إلا ان السلفيين والمتزمتين أفلتوا هذا الترقى الروحى الفريد ليرموا بنا فى لجة التفاسير الاسرائيلية حيث المرأة هى الخطيئة والشيطان نفسه.. لذلك ظلت الثقافة العربية تكرس لدونية المرأة عبر بوابة الدين ، لتحط بكرامة نفس كرمها الله، ولتضع أجساد النساء خارج المجال الحيوى للحياة ليكن مملوكات لإمتاع الرجل والحفاظ على نسله فقط، إذ إن وجود هذه الأجساد خارج البيت يرمى بالذكور فى شرك الشهوات "الشيطانية" التى تشغلهم عن بناء "حضارة" ظلت "مونتها معجونة" ولم ترتفع بها طوبة قط.. لقد ناقش المفكر قاسم أمين هذا الخوف الغريب من جسد المرأة بسؤاله الشهير "من يخاف من!؟" اذ يصل الى ان الرجال يخافون فتنة النساء فيقول عن ذلك:" إذا كان مايخافه الرجال هو استسلام النساء لجاذبيتهم الذكورية فلماذا لايرتدون الحجاب؟ هل فكر الرجال ان قدرتهم على محاربة الأغواء أدنى من النساء؟ ... ليصل فى الختام الى " إذا كان الرجال يشكلون الجنس الأضعف فهم الذين يحتاجون الى الحماية وبالتالى هم الذين يجب أن يتحجبوا". إن القوانين القمعية تجاه المرأة وعلى رأسها قانون "النظام العام" ، هى تجسيد واقعى للمشاريع "الحضارية" التى تعميها ظلامية موقفها من تبين انه ما من مشروع حضارى يقوم على إذلال النساء وهدر كرامتهن. ولقد أتى المشروع الحضاري الذي تحميه سياط النظام العام بعكس ما تمناه، إذ شهدت بلادنا انحطاطا وتفسخاً أخلاقياً هو الأعلى، فحسب ورقة" الجريمة عند المرأة من واقع إحصائيات الشرطة" والتى اعدها مركز الدراسات والبحوث الجنائية الاجتماعية بجامعة الرباط الوطنى فى سمنار حول اتجاهات الجريمة لدى المرأة، نوفمبر 2002 والتى اوضحت زيادة عدد بلاغات العثور على أطفال حديثى الولادة بالشوارع من 16 حالة فى يونيو 2001 الى 43 حالة فى مايو 2002م لتصل جملتها الى 405 حالة بلاغ منها253 طفل حى و152 ميت!! وهى إحصائيات قديمة نسبياً ولكنها تعكس حجم التفسخ الاخلاقى والقيمى الذى قادتنا له ثقافة السياط. لأن ما لا يفهمه المتزمتين إن الكرامة الإنسانية تنتهك بالسياط وتصان بالحرية. لقد ظل سوط النظام العام مشهراً على النساء طوال سنوات الإنقاذ وآن الأوان لرافعيه أن يوجهوا نظرهم لما هو أجدر بالنظر فالأجساد المكشوفة قد لا تلفت انتباههم، إذا نظروا للنساء اللاتي يحملن أطفالهن ويتأبطن فاتورة دواء لم يستطعن سداد كلفته ويقفن متسولات وسط العربات، وإذا نظروا للأطفال الجوعى الذين يصل بهم الجوع حد إختطاف الطعام يغلى بالزيت الحار ليغامروا بالحروق على الجسد عن الموت جوعاً. ولو إستمعوا لنساء دارفور وهن يروين بدمع مالح كيف تم إغتصاب جداتهن أمام أعينهن بالأغصان الجافة حتى تهتكت أرحامهن، و.... إن الحديث عن الزى الفاضح فى هذا القانون هو تحايل بين لمنح سلطات عالية للمهووسين اذ لاتوجد معايير واضحة" لما يخدش الحياء العام".. والسؤال هل تجد النساء الحق المماثل فى عدم خدش حيائهن وشعورهن فالرجال فى هذه المدينة لا يكلفون أنفسهم بالضغط على مثانتهم أو أمعائهم إذ يقضون حاجتهم قاطعين الطريق بعريهم الكامل أمام النسوة المارين ولم نسمع بمن جلدهم وهم يخدشون حياءنا لان المشرع يستبطن إن الشوارع ملك للرجال والنساء غريبات عنها لا يملكن حق صون الشعور.. كما انه من الطبيعى ان ينتهك حياء وأجساد النساء بالنظرات والملامسات والعبارات القبيحة دون ان يكون السوط واقفاص بالمرصاد مثلما يحدث مع النساء. إن إنتهاك حق النساء فى أبسط حقوقهن وهى ارتداء ما يجدنه مناسب لطبيعة يومهن ومزاجهن إنتهاك مجحف وظالم ويتناقض ودستور البلاد والمواثيق الدولية. وأتعجب -وأنا مجرد مواطنة- أن يثقلنى ضميرى إن ابتعت خبز ووجدت عجوز تجلس بجواره جائعة تتسول "عيشة بس". كيف لا يستشعر هؤلاء المسئولية تجاه هؤلاء النسوة، وكيف يمكنهم الاهتمام بجسد مكشوف وأجساد الأطفال تذوى لنقص الدواء وعدم وجود الرعاية الصحية.. لقد أصابنا المللل من استخدام أجسادنا فى الحملات السياسية. وطمأنة القلقين على تحقق مشروعاتهم ، وتصفية الحسابات، والثأرات النتنة، فأجسادنا كرامتنا. وجسد بلا كرامة جسد ميت فلتعلقوا سياطكم بعد اليوم فى حوائطكم داخل غرف نومكم، ولتمتعوا نظركم القصير بتأملها لأنكم لن تجدوا جسد ينصاع اليها بعد الآن.. والتحية لكل اللآتى أصابهن سوط الذل بيد هذا القانون الظالم وعلى رأسهن لبنى الشجاعة.

الثلاثاء، 11 أغسطس 2009

ايثانول كنانة.. سيارات تتعاطى الكحول !


ايثانول كنانة.. سيارات تتعاطى الكحول !
بقلم: لبنى احمد حسين
رفض نشر المقال في اكثر من صحيفة




"صحى حتصنعوا أيثانول يا ناس شركة سكر كنانة ؟ " معقولة ؟ ومن الموزع ؟ فى طرمبة ام طلمبة ؟ وكيف ؟ من المستهلك ؟ هل سينتج بالتقطير ام التخمير؟ وكيف سيكال ويعبأ و يباع المنتج؟ بالجركانة ام اللتر ؟ بالكيس ام الكأس ؟ ام بالقزازة ؟ وقبل كل هذا بكم اللتر وبكم النص؟ يعنى حتشتغلوا سكّر وسكر ؟ وعلى مسئوليتك عزيزى القارئ ضم السين او فتحها .. وماذا ستسمون المنتج الحضارى ؟ اقترح " ابو عشرين" لانه يتزامن مع عشرينية الانقاذ .. وهل ...... وددت ان ارفع الهاتف لاستفسر شركة سكر كنانة عن كل تساؤلاتى أعلاه و صحة اعلانها مدفوع القيمة الذى تعج وتحتفى به العديد من الصحف اليومية المحظوظة هذه الايام وهى تعلن عن منتج جديد يجسد مفهوما جديدا للتصنيع - على ذمة الاعلان - خبطت رأسى كيف مرّ الاعلان على رئيس التحرير الزائر فلم يحجبه وكيف؟وماذا؟ .. لكن تفاصيل الاعلان أفادتنى أن السيد رئيس الجمهورية المشير عمر البشير شخصيا هو من سيدشن افتتاح المصنع الاول لانتاج الايثانول فى السودان بل فى افريقيا الاربعاء القادم الموافق العاشر من يونيو الجارى بموقع شركة كنانة وبحضور نائبية ووزرائة ولفيف من اعضاء السلك الدوبلوماسى .. فاكتفيت بالتعليق: " أجى يا بنات امى !!؟ شس !!
اذن لنزف التهنئة والتبريكات لشركة سكر كنانة ولادارتها وللشعب السودانى كافة وللحاجة بمناسبة افتتاح مصنع الايثانول عالى الجودة .. والايثانول كما يعرفه كل من جلس لامتحان الشهاده السودانية المساق الاكاديمى العلمى هو سائل لا لون له قابل للتطاير يحترق بلهب ازرق له الصيغة الكيميائية - سى اثنين اتش خمسة اوو اتش - ولا تغرنّك او تضللنّك هذه الصيغ والتسميات العلمية يا عزيزى .. فما الايثانول الا نوع من الكحول, ويسمى روح الخمر لانه المادة المسكرة فى الخمور ..ومستورة المشهورة تصنع نوعا من الايثانول فى معملها التقليدى البلدى " .. اى ان كنانة " حتشدّ وتخمّر وتقطّر و حتصفّى " و تفتنح مصنعا لصناعة الكحول المصنوع من قصب السكر ..!!
ولكن لماذا " تشد" كنانة بنت الاصول و" تصفّى " ؟ لماذا تصنع الشركة العريقة واحد اعظم انجازات الرئيس الراحل رحمه الله جعفر نميرى "كحولاً" ؟.. مهلا .. يا صديقى لا تتعجلنى.. فماكينات و سيارات آخر زمن اصبحت تتعاطى الكحول..شس !!
استخدام الإيثانول النباتى كوقود ليس جديدا، فقد كان منذ منتصف القرن التاسع عشر مصدرا للوقود والضوء لكن الضرائب المفروضة عليه باعتبارة خمر رفعت من سعره ليفقد او يكاد الاهتمام به كأحد بدائل الطاقة، وبدأ العالم يعتمد كليا على النفط ، قبل ان يتجه ذات العالم للبحث عن بديل للنفط ووجد ضالته فى الوقود الاخضر الذى له مميزات عديدة أهمها أنه يسبب دخانا اقل من عوادم السيارات مقارنة بالبنزين كما أنه يمتص ثاني أكسيد الكربون من الجو في أثناء عملية تصنيعه،وهو لا ينضب كما النفط،ويمكن انتاجه محليا , ضف الى ذلك انه يحمى الدول من تقلبات اسعار النفط والمؤثرات السياسية بجانب رخص سعره .. رغم ان هناك تحذيرات ومخاوف من تاثير انتاجه على غذاء البشر خاصة وان العالم يشهد شح و ارتفاع فى اسعار الغذاء ..
من المؤكد ان كنانة انما تصنع الايثانول لاغراض اخرى غير " الجقم " ..فمثلما ان البنزين هو البنزين ولكن هناك من الصبية واولاد الشوارع من يشممه للسطل .. سيكون حظ الايثانول أوفر من البنزين خاصة فى بلد كالسودان.. فخرطوم المشروع الحضارى تعلن فقط مشروبات معبأة فى قراطيس معدنية خالية من الكحول.. والان الكحول تصنعه كنانه .. هأ قد اكتملت القصة بعد أن انتجت مصانع اخرى مكعبات الثلج !! ولعل هذا الفصل غير التعسفى يهزأ بمكر على فصل الدين عن الدولة ..!! وقد سبقت كنانة فى انتاج االكحول منظمة الشهيد التى آل لها مصنعا سابقا للكحول فى الخرطوم بحرى كما آل لها اى منظمة الشهيد مصنعا للزيوت .. فتجاهلت المنظمة المجاهدة انتاج الزيوت لنستورد زيت الاولين من ماليزيا , فيما واصلت انتاج الكحول لتعرف أزقة امدرمان وحواريها الاسبرت والاصابات بالعمى الفجائى بعد ان اضافت _ المنظمة_ لكحولها الميثانول السام والذى يسبب العمى و الجنون والفشل الكلوى و الموت عند استهلاكه البشرى ..رغم ان عقوبة شرب الخمر فى الاسلام كما درسنا الجلد لا السم .. وللامانة العلمية نقول ان اضافة الميثانول للايثانول ليس أمرا استحدثته الدول الاسلامية ..
لا علينا .. بشرى لاصحاب السيارات وهنيئا مريئا للسيارات التى اخشى ان تسير فى الشوارع وهى تترنح سكرى بعد ان ترتوى من " الطرمبة " فى وضح النهار ..واظن ان البعض سيشارك ويذاحم الدواب الحديدية فيما تشرب و يصبحوا لها ندماء اذا كان ايثانول كنانة " نقياً / نضيف " وغير مضاف له الميثانول أو البيريدين " زيت العظام " ذو الرائحة الكريهة .. واذا اضيفا فان ذلك يحول دون استخام الايثانول لاغراض طبية و صناعية الاخرى ..
ما اردت التهكم انما لاستدراج القارئ لهضم معلومات جافة ، وعلى وجه العموم يشاد بتجربة كنانة الرائدة التى استعانت بالخبرة البرازيلية الاولى فى العالم ولان الايثانول المنتج من القصب هو من اجود انواع الوقود الحيوى واكثره كفاءة وارخصه سعرا .. ومعلوم فوائد الوقود الحيوى التى تقلل من الاحتباس الحرارى وتحدّ من تغيّر المناخ .. كما ان الشركة تستخدم مخلفات صناعة السكر لذا لا يتأثر انتاج السكر بذاته وهو الامر الذى تشجعه جمعيات حق الغذاء عالميا خلافا للتجربة الامريكية التى تنتج الايثانول من حبوب الذرة- عيش ربغان – لا مخلفات الحصاد او التصنيع ، رغم تزايد اعداد الجوعى والموتى بسوء ونقص الغذاء من بنى البشر ..
ونسأل ايضا : هل ستحتكر كنانة هذه الصناعة فى السودان ؟ ام ستسمح الحكومة لآخرين افراد او شركات لا تمتلك الحكومة اسهما فيها بصناعة وتقطير الايثانول ؟ حيث بالبرازيل قرابة الاربعمائة مصنع للايثانول , و الادهى ان تصيب سكرة الايثانول السوق بادمان بعد نجاح تجربة كنانة فتسعى مثل امريكا لانتاج وقود السيارات من حبوب الغذاء كالذرة وهو المحصول الأكثر انتاجا والأرخص سعرا والأوسع انتشارا فى السودان الامر الذى يؤثر حتما على وفرة الغذاء وسعره وقد تسامعنا بعزم وزير الزراعة الجديد وتخطيطه لذلك.واخيرا.. هل الايثانول للتصدير ام الاستهلاك المحلى ؟ واذا كان للاستهلاك المحلى هل توجد فى السودان حقا سيارات واليات تدور ماكيناتها بالايثانول بعد " كسره"؟ اقصد بالبنزين ؟.. ام ستنتج كنانة اولا الوقود الصديق للبيئة ثم بعد ذلك نستورد او نعدّل ماكينات تلك السيارات والاليات ؟.. وحتى لا يسأل الخبثاء: هل الايثانول للحديده ؟ ام لى سيدها؟ ..

الأحد، 9 أغسطس 2009

عن الشرعية والشفافية و (الكلام المَغتْغت)!


عن الشرعية والشفافية و (الكلام المَغتْغت)!

(مقال منعته الرقابة الأمنية عن النشر)

فتحي الضَّـو



أراق البعض حبراً كثيراً واستهلكوا وقتاً طويلاً في الحديث عن ما سُمي بالشرعية الدستورية، ويعنون بها شرعية الحكومة القائمة، والتي تُسمى زُوراً بحكومة الوحدة الوطنية، وبُهتاناً بحكومة الشريكين، وإفتراءً بحكومة الإنقاذ الوطني، وكذِباً بحكومة الجبهة القومية الاسلامية، وإزدراءً بحكومة المؤتمر الوطني، وصدقاً بحكومة العصبة ذوي البأس. وكأني بالمتجادلين لا يعلمون أن الشرعية المُفترى عليها داستها جنازير دبابات المُنقذين أنفسهم صبيحة الثلاثين من يونيو عام 1989 أي قبل أكثر من عشرين عاماً حسوماً. ولو أن الجدل البيزنطي الدائر الآن أُثير يومذاك وبذات الهِمة والروح لكانت البلاد قد استفادت من امكانات هائلة ضاعت هدراً، وحافظت على أرواح عزيزة أُزهقت غدراً، ووفرت وقتاً ثميناً راح خلسةً. هل يعقل أن يكون الحُكام والمحكُومين قد صحوا فجأة من بعد ثبات عميق، واكتشفوا أن في هذا الكون ثمة تسميات حضارية للحكم والسلطة...ولا ينبغي لمن أراد احترام إرادة شعبه - في إطار المنظومة الدولية التي تواصت على تعريف الشرعية الدستورية - تجاوزها بأية حال؟ هل يُعقل أن تختلط المفاهيم بحيث يتسول (المنتخب) شرعيته ويتوسل (الانقلابي) مشروعيته؟ ولأننا بالفعل نعيش في زمنٍ بائسٍ تغبَّشت فيه المصطلحات وتداخلت معانيها، لم يكن غريباً أن نقرأ لأحد المتنطعين الذين يتضاءل المرء خجلاً من اقتباس كتاباتهم واسمه راشد عبد الرحيم. فقد أراد في مقاله اليومي (الرأي العام 12/7/2009) تبخيس مواقف الذين رفعوا لواء تلك الدعوة، فقال كلاماً مسجوعاً وهو لا يعلم بأنه إرتد عليه «سيطول انتظارهم وهم في سكرة إنتظار الشارع السوداني لدعوتهم له للخروج، وتسليمهم حكماً ما نالوه إنتخاباً ولم يحافظوا عليه عندما نالوه إغتصاباً ويرعبهم أن يقره الشعب السوداني إقتراعاً» فتأمل يا من تزمل بالصبر على الأذى، حال من أراد مدح عصبته فذمها من حيث لا يدري!لسنا قانونيين ولا ندعي كثير معرفة في هذا الحقل، ولهذا لا نريد أن نجاري المتبارين في الجدل القائم حول الشرعية. وليت الأمر توقف على عدم إلمامنا بالمسائل القانونية التي نعلم أنها تفتح ما استغلق على الناس فهمه، ولكن الذي زاد الأمور ضغثاً على إبالة في القضية موضع الجدل، هي أن الحكومة والمعارضة (مع تحفظي الشخصي على هذه التسمية) إرتكنا لدستور نيفاشا المجاز في العام 2005 وطفق طرف يستل من مواده ما يدعم بها وجهة نظره ويعضدها ضد الطرف الآخر، ثم يجيء الثاني ويستشهد بدوره بذات المواد أو اخري شبيهة ليؤكد صحة موقفه. ولهذا لم نجد بداً من أن نعتبر الدستور المشار إليه (حَمَال أوجه) بالرغم من أن الدساتير المحترمة لا تقبل التغيير أو التأويل ولا تأتيها شبهات التفاسير من بين نصوصها ولا من خلفها. ودعونا نتساءل ببراءة عن اسباب حدوث هذه الظاهرة الشاذة والغريبة؟ ولكن قبل الاجابة عليها لابد من الاقرار أنها غريبة وشاذة بالنسبة للدول التي لا تضع اعتباراً لدساتيرها ونحن بحمد الله منهم. ويكفي برهاناً أن عدد دساتيرنا منذ الاستقلال وحتى نيفاشا المشار إليها بلغت نحو عشرة دساتير، هذا بغير ما أُصطلح على تسميتها بالمراسيم الدستورية، وهي (الآيات الشيطانية) التي توطد بها الأنظمة العسكرية سلطاتها الديكتاتورية، بعد أن توحى لمواطنيها أنها دساتير محترمة وواجبة التنفيذ. ومن المفارقات أن جميع الدساتير - بما فيها التي تمت إجازتها في ظل الأنظمة البرلمانية - لم تكن سوى وريقات صفراء في يد الحاكمين أو الطامحين في وراثتهم (مذبحة الحزب الشيوعي في العام 1965 نموذجاً) أي كانت على الدوام قابلة للتعديل والتحوير والتمزيق إن شئت. ورغم الانتهاكات المتكررة بما فيها التي حدثت في رابعة النهار، فمن عجب أن هذا البلد المغرر بشعبه لم يشهد خروجاً جماعياً ذات يوم بغرض حماية دستور ما من أيدٍ عابثةٍ!بيد أننا لن نذهب بعيداً وسنحصر الأمر في إطار دستور نيفاشا 2005 ويبقى التساؤل قائماً، لماذا غدا هذا الدستور حمال أوجه كما ذكرنا؟ الاجابة ببساطة تؤكد أن ذلك جاء من ثنايا الواقع الذي أنتجه، ولعل التمحيص في هذا الواقع يمكن أن يضفي عدم الشرعية على هذا الدستور نفسه، أي بدعوى أنه لم يكن ثمرة إرادة شعبية غالبة، وهي كما يعلم الجميع الرافعة التي تستند عليها الدساتير لتكسب شرعيتها واحترامها وديمومتها. فالمعروف أن هذا الدستور جاء من رحم اتفاقية السلام وهي ما كانت حكراً على طرفيها، المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان، ولا يستطيع أحدهما أو كلاهما معاً إدعاء تمثيل كل الشعب السوداني، لا جغرافياً ولا ديمغرافياً، رغم الايحاءات اللفظية والنصية في الاتفاقية والتي توحي لكأنما المؤتمر الوطني نصَّب نفسه نيابة عن أهل الشمال، بينما الحركة الشعبية إعتبرت كيانها ممثلاً لأهل الجنوب. ومن ناحية أخري يمكن القول أن القاسم المشترك الأعظم بين الطرفين إنهما فرضا (شرعيتهما) من خلال البندقية، فالانقاذ أو المؤتمر الوطني إكتسبها من خلال الانقلاب والحركة الشعبية عن طريق (الشرعية) الثورية، علماً بأن مصطلح (الشرعية) لا يحتمل أي مترادفات لا تمت للشعب مانح الشرعية بِصِلةٍ. المهم أنهما بتلك الصفة أعدا وناقشا وأجازا دستور نيفاشا لوحدهما، وعليه لا يستطيع طرف منهما أن يدعي ارادة شعبية كاسحة تقف من وراء هذا الدستور. وإمتثالاً للقاعدة الذهبية التي تقول أن فاقد الشيء لا يعطيه يستطيع أي مجادل أن يقول أن (شرعية) هذا الدستور منقوصة طالما أن الذين اقروه لا يمثلون كل أهل السودان أو على الأقل أغلبيته الساحقة. بل أن تلك الأيام شهدت قولاً لا يمت للحرية وإخواتها بِصِلة، إذ قال ياسر عرمان في مؤتمر صحفي (15/5/2005) أقامته مفوضية الدستور «إن أي جهة لا تعترف بالدستور وبإتفاقية السلام يصعُب عليها ممارسة نشاطها السياسي» بناءاً على كل ذلك فنحن نرى أن رفض عصبة المؤتمر الوطني أي دعاوٍ تهدف إلى التشكيك في (شرعية) الحكومة يتسق تماماً مع طبيعتها، وبنفس القدر عندما تقف الحركة الشعبية موقفاً متردداً في البداية ثم منحازاً للمؤتمر الوطني في الرفض فهي تنسجم أيضاً مع واقعها. في حين تأتي دعوة الذين أثاروا القضية وهم المعارضون الذين ينضوون تحت راية التجمع الوطني الديمقراطي أقرب إلى الواقع، لأنهم لم يكونوا طرفاً أصيلاً في الاتفاقية، وبالتالي لم يشاركوا في وضع ومناقشة وإجازة الدستور مثار الجدل!إذاً ففي مثل هذه المواقف الضبابية يبقى اللجوء إلى الشعب مانح الشرعية أمر طبيعياً ولا غبار عليه، وهي الدعوة التي حمل لواءها السيد فاروق أبوعيسى وهو القانوني الضليع الذي لا يشق له غبار، وله خبرة سياسية ثرة في المقترح المذكور من خلال تجربة اكتوبر 1964 وهي تجربة مماثلة إلى حد ما، وقد وضعت بصماتها في الحياة السياسية السودانية. ويبدو أن الذى قلل من فاعليتها أو لم يمض به إلى نهايتها المنطقية بعد إنتهاء الأجل المضروب للحكومة (9 يوليو2009) هو عدم الاتفاق على ذات الدعوة وسط القوى التي يفترض أنها حليفته. وكان أبوعيسى قد اقترح ايضاً انسحاب كتلته من المجلس الوطني، ويبدو المقترح منسجماً مع الدعوة بالرغم من أن البعض يراها متأخرة، ومع ذلك لا يستقيم عقلاً أن لا يبدأ المرء بنفسه، ولكن من سوء حظه أن ذلك ما استنكفه الحزب الاتحادي لشيء في نفس زعيمه السيد محمد عثمان الميرغني، الأمر الذي جعل من مقترح ابوعيسى ريشةً في مهب الريح. المفارقة أنه بالرغم من أن المقترح لم يتعد الاطار النظري، ناهيك عن محاولة مقاربة إعادة سيناريوهاته مثلما حدث في اكتوبر 1964 إلا أنه كان مصدر قلق للعصبة ذوي البأس، التي استكثرت لجوء خصومها للشارع في حين أنها عندما جاءت للسلطة لم تستشر من هذا الشارع لا إنساً ولا جان. ثم منحت بعض أزلامها ضوءاً أخضراً، فإنبرى كتاب (العرضحالات) إلى شن حملة شعواء على أبوعيسى، استخدموا فيها الفاظاً جارحة أقل ما يقال عنها أنها غير محترمة، وإن كانت تتوافق مع كاتيبها وطبيعة نفوسهم المريضة! كلنا يعلم أن للشرعية قصصاً لا تخلو من محن في الواقع السوداني. ففي سياق التوثيق أو الكتابة عن تاريخ السودان السياسي بعد الاستقلال 1956 وحتى الآن يُجمع كثير من الكُتاب على أن حظنا في هذا الدنيا أوقعنا بين سندان ثلاث حكومات برلمانية عاجزة، ومطرقة ثلاث أنظمة عسكرية قاهرة، وهي ما يسميها البعض حياناً بالديكتاتورية وأحياناً أخر بالشمولية، وبينهما فترتان إنتقاليتان كسيحتان. ومن منطلق أن الشعب هو مانح الشرعية - كما ذكرنا - يبقى أمر إضفاء تلك الشرعية على الحكومات البرلمانية أمراً جائزاً ومقبولاً، لأنها على الأقل نتاج انتخابات حرة ونزيهة وعادلة وفقاً للمعايير الدولية المتعارف عليها. بمثلما أن نزعها عن الأنظمة العسكرية أو الديكتاتورية لا غبار عليه أيضاً، لأنها أنظمة تسلطية وليدة ظروف انقلابية تتقاطع تماماً مع الارادة الشعبية الانتخابية الحرة. والمعروف إنه حال ما يستتب لها الوضع تعمل على التحايل بطرق عدة من أجل إكتساب الشرعية المفقودة. ولعل لنا في الوضع القائم أسوة سيئة فالانقاذ رغم أنها هدمت الشرعية الدستورية من قبل أن تجلس القرفصاء على سدة السلطة، كان السيد الصادق المهدي قد مهَّد لها الطريق وفرشه ورداً. جاء ذلك في المذكرة التي وجدت بحوزته أثناء محاولته الهروب بعد الانقلاب وقال إنه كان بصدد تسليمها للانقلابيين والذين خاطبهم قائلاً «معكم سلاح القوة ومعنا الحق» واضاف ما هو أنكى، إذ قال إنه إختفي ليتبين طبيعة الانقلاب «إن كان أجنبياً قاومناه وإن كان وطنياً فاوضناه» علماً بأن ذلك حديث لا ينبغي أن يتفوه به من أدى القسم لحماية (شرعية) النظام من أي اخطار تتهدده بغض النظر عن هويتها!بناءاً عليه يبدو لنا أن وصف الحكومة القائمة الآن بحكومة الأمر الواقع، سيكفل لنا مخرج صدق من مأزق الشرعية المفقودة، ويمكن حينئذ التصدى لها بأي وسيلة من الوسائل التي تتواءم مع شرعيتها المنقوصة. والمفارقة أن مصطلح حكومة الأمر الواقع استمددناه من الشريك الحالي (الحركة الشعبية) وقد وصمت به آنذاك الذين رفعوا لواء عدم الشرعية الآن، علماً بأنهم يومذاك كانوا الأجدر بوصف الشرعية لأنهم جاءوا للسلطة عبر الصندوق الانتخابي. ومن خلال هذه (اللوغريثمات السياسية) يبدو لنا أن العصبة ذوي البأس يفترض أن تكون أكثر الأطراف سعادة حينما تجد خصوماً يخاطبونها بلغة حضارية، وينظرون للخلافات بمعايير القانون والشرعية الدستورية، وهي مصطلحات لا تنسجم مع طبيعتها بل كثيراً ما أعلنت على الملأ عدم احترامها لها، ولعل خصومها جرَّبوا معها طريقة ناجعة من قبل، جاءت على سنة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، تلك التي قصد بها جيرانه المحتلين الذين استباحوا أرض وعرض الأمة العربية، وكلنا يتذكر الهلع والجزع الذي انتاب العصبة يومذاك، أي يوم أن رفع خصومها معارضتهم لها على أسنة البنادق! موازاة مع وصف الشرعية الذي راج وهماً، لعل البعض لاحظ أن سلطة الأمر الواقع اكثرت في الآونة الأخيرة من استخدام مصطلح الشفافية، بل أقامت لها مؤتمراً منتصف يونيو الماضي، وأسمته (منتدى شفافية الأداء المالي والحكومي) وكان بإشراف الأمانة العامة لمجلس الوزراء بالتنسيق مع وزارة العدل والمالية والاقتصاد الوطني وديوان المراجع العام. وقد إختاروا له شعاراً جذاباً لن تجد له مثيلاً إلا في دهاليز الأنظمة الراسخة في الديمقراطية (الشفافية ترسم معالم الحكم الراشد) وقد تزامن ذلك المنتدى مع التقرير الذي دأبت منظمة الشفافية الدولية على اصداره سنوياً، وبموجبه إحتلت الدولة السودانية ذيل القائمة مع دول أخري. وبالرغم من أن ذلك لم يكن امراً جديداً فقد ألفه الناس على مدى العقدين الماضيين، إلا أنه كان مدعاة للسيد كمال عبد اللطيف وزير الدولة بمجلس الوزراء أن لا يكتفي بنفيه فقط (الأحداث 15/6/2009) وإنما بالتأكيد على أن «ديوان المراجع العام له سلطة مراقبة الدولة وإطلاع البرلمان على التقارير مباشرة» ثم اضاف بشيء من الزهو والفخر «أتحدى أي دولة في العالم لها جهاز مراجع عام مثل السودان» ولا ادري إن كان يدري أن هذا التحدي سيوقعه في براثن مأزق كبير، ولكني على يقين بأن السيد عبد اللطيف يدري أنه حتى راعي الضأن في الفلوات يمكن أن يحصي له من الدول ذات الشفافية ما لايستطيع معه صبرا!فيسمح لي السيد عبد اللطيف أن أزجى له التهنئة من على البعد ابتداءً، فقد ترسخت لدي قناعة بأنه صانع المعجزات بين قومه، بدليل أنه خلق من (فسيخ) مؤتمر الاعلاميين بالخارج (شرباتاً) وذلك على حد زعم بعض الحضور الذين تباروا في ذكر محاسن عبد اللطيف حتى نسوا المناسبة التي ضربوا من أجلها أكباد الأبل، وما علينا فذاك منهل آخر. ولكن في تحديه هذا يا ليت سيادته ألحق به من باب (الواقعية السحرية) التي عجت بها روايات غبريال جارسيا ماركيز كلمة (بدون فاعلية) لكان قد كافانا مغبة هذا التعليق، ولِكُنا قد انحنينا له تبجيلاً وتوقيراً واحتراماً. ذلك لأنه يعلم أن ديوان المراجع العام - مصدر فخره ومنبع زهوه - ظلَّ يُصدر تقاريره بانتظام العام تلو العام، ولكن ما أن تخرج من مخبئه لتعانق الهواء الطلق حتى تصبح لا حول لها ولا قوة، وفي ذلك اكتفي بمثالين عن قصص العالم الباطني الذي اصبح يسميه المغرضون في المدينة بالفساد والافساد. هذان المثالان أحدهما كتاب لمؤلفه دكتور حيدر إبراهيم بعنوان (سقوط المشروع الحضاري) وثانيهما كتاب للعبد الضعيف إلى ربه وكان بعنوان (السودان/سقوط الأقنعة) وفيهما قصص عن ذاك العالم المثير بما يكفي لدحض أي شفافية مزعومة، وينفي أي صفة أسبغها سيادته على ديوان المراجع العام بكرم حاتمي. وبغض النظر عن النماذج المذكورة هل يمكن للسيد عبد اللطيف أن يحدثنا عن حالة واحدة نجح الديوان في توصيلها لنهايتها الطبيعية؟ وعوضاً عن اطلاق التسميات على عواهنها، فليدعم لنا قوله بمحاكم عُقدت أو مشانق نُصبت لمفسدين مشوا بخيلاء بين الناس كما تمشى الطواويس؟ ومع ذلك وطالما رمى بقفاز التحدي نستطيع أن نحصى له دولاً من فسطاط الكفر – على حد تعبير – ساكن كهوف تورا بورا، بلغت فيها الشفافية مرقىً لدرجة يمكن ان يستقيل فيها المسؤول لمجرد أن بغلة تعثرت بحرم وزارته. ونستطيع أن نعد له دولاً صارت الشفافية فيها راتباً يقرأه مواطنوها صباح مساء. ونستطيع أن نذكر له دولاً قدم فيها وزراء رؤوسهم قرباناً عن ذنب إقترفه موظف بسيط تحملوا مغبة خطئه. فما جدوى تقارير يا سيدي لم يحاكم بسببها مسؤول واحد طيلة عشرين عاماً، ما جدوى أن يجتهد الديوان في تقارير تزلزلت لها الأفئدة، وكادت أن تخرج جراءها العيون من محاجرها...ومع ذلك كان مصيرها أقرب سلة مهملات؟ نعم...لكل دولة ثقافتها، ونزعم في هذا الصدد أننا اهدينا البشرية شيئاً في هذا الخصوص، إذ يعلم السيد عبد اللطيف أن قاموسهم استعاض عن الشفافية بكلمة نقيضة من صميم أمثالنا الشعبية، بل من كثرة تردادها كادت أن تصبح نفسها مثلاً يُضرب بين الناس. تلك العبارة المأثورة نطق بها الدكتور على الحاج يوم أن اختلف الجمعان بين قصر ومنشية، وبدأت الفضائح تترى من الأفواه التي أوهمت مواطنيها بأن ربها ما خلقها إلا لذكره والتسبيح بحمده. فإذا بها تخرج قصصاً مثيرة أعادت للأذهان روايات، مسليمة الكذاب وأبو رغال وأبو لهب وبني النضير وبنو قينقاع. يومذاك كان ابناء يعقوب يبحثون عن ذئب يسلخون جلده ويحشونه اكاذيبهم، فلاح لهم دكتور على الحاج في الأفق وهو مثقل أصلاً بماض لا يقل جدلاً. ومن جانبه لاذ بثقافتنا الشعبية تلك فوجد ضالته في العبارة الشهيرة (خلوها مستورة) وهي ذات ما عناه الشاعر محمد طه القدال بـ (الكلام المغتغت) ولكننا حتى الآن لا نعلم على وجه الدقة من المخاطب؟ هل نحن أم هم؟ لكن فيما بدا لنا أن ذلك ليس بذي بال، بدليل أن الحاج قال قولته تلك واستبقى نفسه بين ظهراني عصبته ردحاً من الزمن، ومع ذلك لم يقل له أحداً يا أخانا في الله...لقد نطقت كفراً أو جزاك الله عنا خير الجزاء. ولكنه بعد أن ادبر عن البلاد التي تتستر على القوي وتقيم الحد على الضعيف. سمعنا رأس الهرم المشير عمر البشير يقول له في لقاء جماهيري يوم 20/7/2002 وهو من شاكلة تلك اللقاءات التي أدمنا مشاهدتها، وكانت بمناسبة افتتاح المرحلة الأولي من ذات الطريق المنهوب..إذ قال: «الذين نهبوا أموال اليتامى والمساكين خليناهم لي الله» وبدورنا نقول نحن أيضاً...نعم (خليناهم لي الله)...إنه سميع مجيب!!

مديح الظل العالي


أفق بعيد
مديح الظل العالي
فيصل محمد صالح

منع من النشر


يتجه كثير من الناس لقراءة ومعرفة ردود الفعل على حدث ما، ومساءلة هذه الردود ومحاسبتها وتجريمها أحيانا، دون أن يراجعوا الأفعال نفسها ويقيسوها بمقاييس العالم ليعرفوا حقيقة حجمها وما إذا كانت تستحق ردود الفعل هذه أم لا؟
وفي قضية الزميلة الصحفية لبنى أحمد حسين فعل البعض هذا، ورغما أن فيهم من لا يعجبه العجب، وهو لا يتخذ مواقف أصلا إلا مع اتجاه الريح، ولا تهمه الإجابات بقدر ما يهمه إثارة الغبار والأسئلة، إلا أن بعض من كتب وتساءل يستحق الرد. وكان مجمل تساؤلهم هو لماذا الاهتمام بهذه القضية؟
بدأت الحادثة بفعل رجال جهة شرطية معينة، يتصرفون على أساس أنهم ينفذون فانون ساري في البلد، وكان ضحية هذا التصرف 13 امرأة شابة من بينهن الصحفية لبنى أحمد حسين. قبلت بعض الفتيات بالحكم الإيجازي الصادر بجلدهن، لأسباب متعددة لكنها معروفة، بينما رفضت لبنى هذا الحكم وقبلت بالاحتكام للقضاء للفصل في القضية.
دفوعات لبنى تقوم على أساسين قويين، الأول إنها حقيقة كانت ترتدي ملابس عادية بكل المقاييس، وتشابه ملابس ترتديها نساء كثيرات في بلادنا وفي بلاد الدنيا الأخرى، ولا يمكن وصفها بالزي الفاضح، الشئ الثاني أنها تعتقد، ويشاركها في ذلك كثيرون، إن المادة 152 من القانون الجنائي السوداني تتناقض مع الدستور في كثير من مواده.
مجرد وجود امرأة أو فتاة سودانية في قضية مثل هذه إشكالية كبيرة، خاصة ونحن ما زلنا في مرحلة المجتمع التقليدي بكل صفاته. وليس غريبا أن بعض الفتيات قبلن بالجلد المصاحب للصمت والسكوت عن التشهير الاجتماعي، لأنه بالنسبة لهن اخف من مواجهة أسرة ومجتمع قد لا تقبل ارتباط الفتاة بمثل هذه القضايا. وغالبا لا يتسع صدر وفهم هذه الأسر ومجتمعها لتفاصيل ما حدث، بل سيتم اختصار الموضوع اجتماعيا في عبارة بغيضة سيئة السمعة "كشة". تشتري البنت صمت المجتمع عنها بأربعين جلدة على جسدها، تبتلع المهانة والشعور بالذل وقلة الحيلة، ثم تذهب لمنزلها كسيرة ومشوهة الدواخل.
ولان لكل زمان ناسه ورجاله ونساؤه، يقيض الله كل مرة شخص ما يقرران يتحمل أعباء العمل العام على كاهله، أن يدفع ضريبة ما يؤمن به أو بحتمية تغييره، مهما كان هذا الثمن. وقد كانت لبنى احمد حسين هي من قبل ان يتحمل تبعات هذتا الدور، صحيح أنها صحفية معروفة ومشهورة، ولكن هل في هذا ما يعيبها ..أم أنه يحمد لها. ثم أنها تجاوزت شخصها وما لحق به، وقد كان من الممكن أن تقبل الحلول الوسط، وحولتها لقضية رأي عام وللدفاع عن حق المرأة وكرامتها وإنسانيتها التي تهدرها بعض الممارسات والقوانين، فأين العيب في هذا.
أما اغرب الأشياء فهو التساؤل :لم هذه الضجة؟ والغرابة، كما قلت لصحفي نابه من الزميلة "الأحداث" استطلعني في الأمر قبل يومين " إنهم بعد أن صادروا أشياء كثيرة يريدون مصادرة حق الدهشة"! هل المطلوب أن نرى كل هذا يحدث أمامنا ولا نندهش حتى؟!

أحزاب التحول الديمقراطي تشتري الترام


أحزاب التحول الديمقراطي تشتري الترام
نبيل أديب عبدالله
منع من النشر

تمت إجازة قانون الصحافة والمطبوعات لعام 2009 بإجماع الكتل البرلمانية وفق صفقة وُصِفت بأنها تاريخية تم بموجبها إدخال عدد من التعديلات على مشروع القانون الذي كان مجلس الوزراء قد أجازه في وقت سابق . تقديم مشروع قانون جديد للصحافة والمطبوعات في هذه المرحلة يعني أمرين الأول أن أحزاب حكومة الوحدة الوطنية ترى أن قانون 2004م يحمل أحكاماً مخالفة للدستور والأمر الثاني هو أن تلك الأحكام المخالفة للدستور من الكثرة بحيث يستلزم الأمر إصدار قانون جديد بدلاً عن تعديل القانون.
بدأ الأمر بإجازة مشروع قانون جديد من مجلس الوزراء لم يحمل من حيث الكم من التعديلات ما يبرر إعادة إصدار القانون وبعض تلك التعديلات كان بغير جدوى حقيقي ولكن الأسوء من ذلك أن الأحكام التى تم تغييرها كانت تنزع إلى التضييق على الصحافة. ثار الصحفيون وماجت أحزاب التغيير الديمقراطي وتجمع الجميع حول مشروع قانون أعدته مجموعة القانونيين في التجمع الديمقراطي والذى عمدت كتلته البرلمانية لإدراجه على منضدة المجلس. في مبادرة غير مسبوقة وافق المؤتمر الوطني على عدم إستخدام أغلبيته الميكانيكية فى إجازة مشروع تقابله معارضة واسعة ووافق على إعادة النظر فى المشروع في إجتماع حضره ممثلون للكتل البرلمانية للمؤتمر الوطني والحركة الشعبية والتجمع الوطني الديمقراطي حيث قيل أنه تم إدخال 80% من التعديلات التي حملها مشروع أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي على مشروع 2009م وبالتالي فقد رؤى إجازة المشروع من قِبل الجميع وفق تنازلات متبادلة ليعبر ذلك القانون الهام عن توافق الأحزاب المختلفة على حرية الصحافة .
كل هذا إنتهى إلى أحداث الإثنين 8 يونيو حين تمت إجازة قانون 2009م بالإجماع وهو يوم سيظل ينظر إليه في تاريخ التطور الدستوري لهذه الأمة بإعتباره اليوم الأكثر سوءاً وذلك لأنه اليوم الذي تم فيه الإجماع على خرق الدستور. التوصل لذلك لا يحتاج لكبير عناء فإذا كانت الأحزاب مجمعة على أن قانون 2004م يحتوي على أحكام مخالفة للدستور تحتم إلغاءه وإصدار قانون جديد ،فإن إصدار قانون يحوي نفس الأحكام التي حملها القانون الملغي لا يكشف فقط عن ممارسة عديمة الجدوى في أعلى المستويات بل أيضاً عن قبول لإصدار قانون يرى واضعيه مسبقاً أنه مخالف للدستور. ليس هنالك فرق يمكن أن يُرى بالعين المجردة بين أحكام قانون 2004م الملغي وقانون 2009م الذي تم إصداره وإذا كان هنالك من إكتشف فرقاً بين الإثنين بإستخدام مكبرات الصورة فليبرزه لنا .
فمن حيث خضوع المجلس للسلطة التنفيذية كان قانون 2004م يضع المجلس تحت إشراف وزير الإعلام ورعاية رئيس الجمهورية ووضع قانون 2009م المجلس تحت إشراف رئاسة الجمهورية وجعل الوزير صلة بين الإثنين ومنحه نفس السلطات التي كان قانون 2004م يمنحها له . بالنسبة لإختصاصات المجلس وسلطاته والتي تتمثل في منح الترخيص وتحديد الرسوم والإشراف الإداري على الصحافة وتوقيع العقوبات لا فرق بين الإثنين سوى أن قانون 2009م خفض سلطة المجلس في إيقاف الصحيفة من سبعة أيام إلى ثلاث .أما بالنسبة لحقوق الصحفي وحصانته فهي مأخوذه( بضبانتا) من قانون 2004م وكذلك الأمر بالنسبة لواجبات الصحفي . تم إلغاء عقوبة مصادرة المطابع وإلغاء ترخيص الصحيفة و الإبقاء على عقوبة الإيقاف للصحفي والصحيفة لأي فترة من الزمن بدون حد أقصى وكذلك الشطب من من السجل بالنسبة للصحفي (( أبدلت كلمة الشطب بكلمة السحب فحاول أيها القارئ أن تجد فرقاً بين الإثنين )) .
أما الغرامة فما زالت كما هي . هل تستدعي هذه التعديلات كل هذه الضجة؟ بصفتي أحد الذين قاموا بصياغة مشروع القانون الذي قدمه التجمع لا أرى أي أثر لذلك المشروع في هذا القانون سوى حكم المادة 8 (هـ) وهي مادة توجيهيه معزولة لا تقدم ولا تؤخر .
كيف تم بيع الترام لأحزاب التحول الديمقراطي؟ تم تقديم مشروع أكثر تضييقاً على الحريات الصحفية من قانون 2004م وفي المفاوضات تم إلغاء تلك الأحكام لصالح العودة لقانون 2004م وهكذا هنأ المفاوضون أنفسهم على أنهم أبعدوا الأحكام الأسوء لصالح الأحكام الأقل سوءاً دون أن يدروا أنهم لم يفعلوا شئياً سوى أنهم أعادوا إصدار القانون الذي إجتمعوا لإلغائه . فإذا كانت هنالك صفقة ما حول ذلك القانون فهي صفقة لشراء الترام .
*التعبير مأخوذ من طرفة يتندر بها القاهريون على أهل الصعيد
نبيل أديب عبدالله
المحامي



تصريح غير موفق

تصريح غير موفق
نبيل أديب عبدالله
منع من النشر

أدلى السيد/ رئيس المجلس الوطني بتصريحات مثيرة للدهشة تتلخص فى أن حزبه (حزب المؤتمر الوطني) سيعمل على عرقلة إصدار أى قانون للإستفتاء من شأنه أن يسهل الإنفصال وأن ذلك واجبه كحزب وحدوي .هذا التصريح مخالف للأصول من عدة أوجه فمن جهة فإن واجب أي عضو في البرلمان أن لا يعرقل إصدار أي قانون بغض النظر عن رأيه فى الأحكام التى تضمنها القانون . فمن حقه أن يبدي رأيه فى تلك الأحكام وفقاً للنظم المعمول بها و أن يصوت ضد القانون بغرض إسقاطه أو إسقاط بعض أحكامه ولكن ليس من حقه أن يعرقل إصداره . والقواعد البرلمانية تعرف إجازة مشاريع القوانين أو رفضها ولكن ليست عرقلتها لأن"عرقل" فى لغة العرب تعنى "حاد عن القصد". إذا كان من واجب أعضاء البرلمان العاديين الإمتناع عن عرقلة مشاريع القوانين فإن الأمر يأخذ منحي أكثر خطورة بالنسبة لرئيس المجلس والذي يحتم عليه منصبه منع أي عضو من إستغلال القواعد لعرقلة عمل المجلس فما بالك إذا كان هو الذي ينوي أن يفعل ذلك ويقولها بملء فيه على رؤوس الاشهاد .
من الجهة الثانية فإن الغرض الرئيسي من إصدار قانون الإستفتاء هو أن يتيح للجنوبيين تصويتاً حراً تعبر نتيجته عن إرادتهم الحقيقية سواء أكانت بالإنفصال أو الوحدة ، فمعلوم أن الإستفتاء هو وسيلة لإستجلاء رأي الشعب أو جزء منه فيما يطرح عليه من مسائل ودور القانون في هذا الصدد هو وضع القواعد التي تؤدي لأن تعبر النتائج عن رأي القطاع الذي يتم إستفتاءه بدقة أما الحديث عن تشريع قانون للإستفتاء يضمن نتيجة بعينها فهذا يهزم الهدف من الإستفتاء نفسه. مرة أخرى فإننا نتوقع من رئيس المجلس الوطني قبل غيره إحترام الإرادة الشعبية والعمل عن أن تكون القوانين الإنتخابية باسطة لسبل التعبير عن الإرادة الشعبية بغض النظر عن إرادة أى شخص أو حزب .
ولعل آخر ما يؤخذ على هذا التصريح أن السيد رئيس المجلس الوطني تحدث بلغة حزبية صارخة ،والمفترض أن يفرض عليه منصبه الحياد بين الأحزاب فرغم أن التقاليد البرلمانية لا تمنع إختيار شخص حزبي للمنصب إلا أنه بمجرد إختياره يتعين عليه أن يقوم بخلع عباءته الحزبية لصالح مطرقة الرئاسة وهى مطرقة بالضرورة محايدة بين الأحزاب تفرض ترفع رئيس البرلمان عن الأهواء الحزبية. وقد تمت مؤخراً الإطاحة بالسيد مارتن رئيس مجلس العموم البريطاني أعرق المجالس البرلمانية فقد إضطر على الإستقالة بشكل أساسى لأنه لم يستطع طوال السنين التسعة التي قضاها على المنصة أن يقنع الرأي العام بأنه متجرد من الأهواء الحزبية ،ولعل هذا ما دفع الأغلبية العمالية فى مجلس العموم لأن تنتخب للمنصب عضواً من حزب المحافظين لرئاسة المجلس.
بقى أن نقول إننا مع الوحدة قلباً وقالباً ولكننا مع الوحدة الطوعية والتي تُؤسس على إقتناع جميع مكونات الأمة بالوحدة في التنوع والتى تقتضى قبول الآخر ورفض الإستعلاء الديني والعنصري فإذا لم يتحقق ذلك الإقتناع فإن أي نصوص في قانون الإستفتاء لن تمنع الإنفصال.

نبيل أديب عبدالله
المحامي