الأحد، 26 ديسمبر، 2010



    هل نحن قوم كافرون..!؟ (حُظر عن النشر)

    فتحي الضَّـو

    إذا كنت يا عزيزي القاريء ممن يرتادون المساجد وشهد الناس لهم بالإيمان، أو من المسلمين الذين اكملوا أركان دينهم الخمسة أو حتى بعضاً منها. وحدث أثناء تلك المسيرة القاصدة أن ساقك حظك العاثر أو أقدمت بمحض ارادتك لمشاهدة الشريط الكارثة أو ما سُمي بـ (فتاة الفيديو) ثم تحركت غرائزك الإنسانية تلقائياً، وابديت أي نوع من التعاطف مع تلك الفتاة المقهورة، سواء بالتلميح أو التصريح أو حتى بالصمت وإن كان أضعف الإيمان. فاعلم - يا هداك الله - إنك خرجت من المِلة المحمدية ودخلت مِلة الكفر، ويتوجب عليك تبعاً لذلك الاغتسال والتطهر وصلاة ركعتين، ومن ثمّ دخول الإسلام مجدداً إن رغبت في ذلك. هذا بحسب الفتوى التي طيّرها في الهواء الطلق المشير عمر حسن البشير رئيس الجمهورية في مدينة القضارف يوم الجمعة الماضية الموافق 17/12/2010 وذلك في معرض تعليقه على الحدث الذي شغل الناس كافة والسودانيين على وجه الخصوص، وما يزال ينداح دوائر.. ظلت تتسع كلما أشرقت شمس يوم جديد!
    واقع الأمر لم يكن ذلك هو التعليق الأول فقد سبقه اثنان من العصبة ذوي البأس، كان أولهما الدكتور نافع علي نافع مساعد رئيس الجمهورية ومسؤول التنظيم في الحزب الحاكم، وذلك في حوار مع قناة الجزيرة يوم 9/12/2010 حين سألته إحدى المتداخلات عن ملابسات القضية؟ فأجابها وفق منهجه الحضاري المعروف في التعامل مع الأشياء وقال: (أخشى لو علمت بجُرمها أن تتمنى لو أنها قُتلت) ثم استطرد بخلاصة مفجعة (إن المرأة المحترمة لا يمكن أن يتم جلدها، وطالما تمّ جلد هذه المرأة فهذا لأنها امرأة غير محترمة) وبالطبع هذا حديث كفيل بتحويل السياط من جسم الفتاة إلى أجسام سامعيه من القراء الكرام! ثمّ أعقبه الدكتور عبد الرحمن الخضر والي ولاية الخرطوم العاصمة، فأكمل تحويل دائرة الشك إلى يقين. جاء ذلك في حوار آخر أجرته معه قناة النيل الأزرق الفضائية يوم 14/12/2010 وكان أكثر جاهزية من سابقه. إذ جاء مدججاً بمعلومات وافية بحسب زعمه، قال إنه طلبها خصيصاً لينوِّر بها السادة المشاهدين، ثم بدأ يتلو حيثيات الجريمة والعقاب كنبيّ بُعث في قوم فاسقين، وقال في فاتحة كتابه: (الشريط الذي تمّ بثه هو في الواقع إقامة لعقوبة حدية صادرة عن قاضٍ مختص) ثمّ زاد بشرحٍ فصلٍ (العقوبة الحدّية أُقيمت لتُطهر من يرتكب الجريمة، وقد رُوعي فيها أن يشهدها طائفة من المؤمنين ويسدل الستار عليها) ثمّ بدا غير عابيء لا بالقذف ولا القذائف، مؤكداً أن الفتاة بائعة هوى محترفة، وأن جميع المواد التي وُجهت لها (متعلقة بأعمال أخلاقية وفاضحة وإدارة الدعارة) وكأني بصوت ينبعث من وراء حجاب يقول لنا: فبأي براهين واليكم تكذبان؟!
    تلك نتيجة استسهلها الوالي جزاه الله عنا خير الجزاء.. بالرغم من أن الشريعة الإسلامية نفسها استصعبتها حتى كادت أن تكون كالغول والعنقاء والخل الوفي. ومع ذلك نطق صوت من وراء الحدود مؤازراً ومعضداً ومصدقاً سيدنا الخضر من قبل أن يرتد إليه زعمه. إذ استعار الدكتور خالد المبارك عيني زرقاء اليمامة، وقال لهيئة الاذاعة البريطانية يوم 14/12/2010 إن (الفتاة أدينت مرات عديدة بتهمة ممارسة الدعارة) وحتى ينزل قوله برداً وسلاماً على متلقيه، ادّعى المبارك أن عقوبة الجلد نفسها موجودة في المدارس البريطانية. وبغض النظر عن الافتراء هب أنها موجودة يا سيدي، هل يعني ذلك أنها مقبولة؟ لكن للذين لا يحسنون فك طلاسم البشر، نقول إن المبارك ليس الملحق الإعلامي لنظام العصبة في بريطانيا فحسب، بل عاش فيها مواطناً صالحاً نهل من فيض جامعاتها، ثمّ عاش فيها معارضاً لذات النظام الذي يجتهد الآن في تحسين صورته. وبالتالي فهو يعلم علم اليقين أن دستور وقوانين الإمبراطورية البريطانية وضعت ذاك الفعل الحيواني في مصاف الجرائم ضد الإنسانية. ومع ذلك نحن نعلم أنه لا هذا ولا ذاك يمكن أن يقنع من ارتضى لنفسه لعب دور محامي الشيطان كلما استطاع لذلك سبيلا، فبمثلما أذهل المبارك الإسلامويين بتلك الطاعة العمياء، فقد أذهل العلمانيين أيضاً بسرعة التطبع. ولا غروّ إن أصبح مثلاً للذين اضاعوا عمراً في الكرى ورجعوا القهقرى كما ولدتهم أمهاتهم! ولا عجب إن كان المبارك قد أراق حبراً كثيراً في نقد تلك القوانين سيئة الصيت في زمن مضى، فقد أراق ما هو أعز من الحبر بتبرئة صانيعها في زمن أتى!
    بناءً على فتوى التكفير التي طارت عصافيرها في الفضاء الواسع، نستطيع أن نقول إنه من غير صاحب الفتوى والثلاثة المذكورين الذين ساندوه، أن أكثر من عشرين مليوناً من البشر (بحسب التقديرات) وهم الذين شاهدوا شريط الفتاة في الفضائيات والمواقع الإسفيرية، أصبح المسلمون منهم بكل مللهم ونحلهم خارج إطار الديانة الإسلامية، أما غير المسلمين من يهود ونصارى وبوذيين وهندوسيين وكونفوشسيين ولادينين، سواء عليهم تعاطفوا مع الفتاة أو لم يتعاطفوا، فإن هذه الفتوى لن تزيدهم إلا خبالاً. لكن الذي حيرني وبعثرني وأطار النوم من عيني، حال بعض إخوتنا في الإنسانية من الإسلامويين الذين كانوا يدافعون عن مشروع العصبة، وإذا بالفتوى تضعهم ضربة لازب في فسطاط الكفر، وذلك بعد أن أسفروا عن مشاعر التعاطف مع الفتاة واستهجنوا فعل القرون الوسطى. من هؤلاء الكاتب النحرير الدكتور محمد وقيع الله أقال الله عثراته. فبعد أن أخذته العزة بالإثم قبل فترة، وعدّ للملأ أكثر من خمسين سبباً قال إنها كفيلة بأن تطأ العصبة فوق رؤوسنا وتجلس القرفصاء على صدورنا. فإذا بالفتاة المغلوب على أمرها تفتح بصيرته وينكص على عقبيه فيتبرأ مما فعلت عصبته، بل لم يستبشع الفعل كما فعل الكثيرون، ولكنه مضى إلى أبعد من ذلك وأنزل على عصبته سوط عذاب وطالب في مقاله المنشور بموقع سودانيل 14/12/2010 (بضرورة أن تتكاتف الأمة السودانية، وأن تهب وتقف وقفة رجل واحد، لإجبار دولة الإنقاذ على احترام حقوق الإنسان، وإرهابها عن أن تعود إلى اقتراف هذه الممارسات الشائنات، وإرغامها على إنزال اشد العقاب بمن ساموا هذه الفتاة أشد العذاب) وهل في ذلك قسم لذي حجر يا مولاي؟!
    لأن ذلك من غرائب سلوك العصبة ذوي البأس، أقول ساورني شك عظيم في صدقية موقف الوقيع الله. إذ حدثني قلبي إن وراء الأكمة ما وراءها. فهل يا ترى قضى صاحبنا وطره من عصبته ولم يعد في حاجة لها؟ أم أنها أوصدت الأبواب في وجهه دون أن ينال منها ما طمح له وتطلع إليه طويلاً؟ لكن دعونا نحسن الظن ونقول إنه داهمه ندم الكسعي بعدما تبين له الرشد من الغي، وإن كان ذلك كذلك فسنحمد الله الذي هداه سواء السبيل، وسندعو الله مخلصين أن تستمر توبته ولا يرتد عنها مرة أخرى. ولكن يظل السؤال قائماً ماذا سيفعل الرجل بعد أن أخرجه مقاله من المِلة المُحمدية بنص الفتوى العُمرية وحشره مع الكفار والزنادقة؟ هل يا ترى سيغتسل ويتطهر ويعود إلى حظيرة العصبة مرتداً؟ أم أنه سيغتسل ويتطهر ويلوذ بكهف الفئة الكافرة تائباً؟ يمثل وقيع الله بمقاله المشار إليه حالة نادرة، فثمة قوم آخرون سدروا في موالاة العصبة ذوي البأس جراء منفعة يصيبونها في دنياهم، ولكن فجأة تكشفت لهم الحُجب وانقشعت أمامهم غيوم الإفك والضلال، فرأوْا الباطل باطلاً فاجتنبوه ورأوا الحق حقاً فاتبعوه!
    نحن كما الشريعة علينا بالظاهر، لكن يبدو والله أعلم بالسرائر أن عودة الوعي هذه ستصيب واحداً من غير العصبة ذوي البأس وإن سخّر نفسه لخدمتها باخلاص جبّ تقاعسه في فعل الخير. صاحبنا الآخر اتّخذ موقفاً مماثلاً لموقف وقيع الله، إذ كتب الدكتور محمد إبراهيم الشوش (الرأي العام 21/12/2010) مقالاً تضمن صبغة اعتذارية بعد مقدمة طويلة قال فيها إنه شعر بالإحباط جراء ما شاهده من منظر مؤلم عبّر فيه عن خيبة أمله في من توسم فيهم العكس! ثمّ استبطن السخرية من الفاعل أو كفيله – بمصطلحات لغة العمل عند أهل الخليج الذي يعمل فيه – وقال: (لكن آخرين أحبوا هذا الفعل سرعان ما خيبوا أملي. فقد توالت الاتهامات على الذين انتقدوا هذا الفعل المسيء للإسلام ولسمعة هذا البلد الطيب، واتهموهم بالرغبة في إشاعة الفاحشة وعداء التوجه الإسلامي ولو كان أثر هذا الفعل الوحيد فتح ثغرة لأعداء الإسلام لكان كافياً لدمغه وادانته) بدا الشوش مشوشاً كمن ضربت الحيرة أقطار نفسه، فتساءل وأجاب معاً: (وما الحل؟ لا أدري! ولكني أعرف شيئاً واحداً أن علينا إما معالجة هذه القوانين التي يمكن أن يساءُ فهمها وتطبيقها، أو إذا تعذر ذلك إلغاء كل المؤسسات الإعلامية وتوفير أموال طائلة يذهب جلها هباءً على أية حال. ذلك لإن ممارسة كهذه تفقد السودان كل اصدقائه. وتملك من القوة الإعلامية ما ينسف أي عمل إعلامي إيجابي يمكن أن يتفتق عنه عقل بشر) يبدو لي – والله أعلم – أن الشوش كتب مقاله هذا قبل (فتوى القضارف) وتبعاً لذلك لا داعي للخوض فيما سبق السيف العزل فيه. ومهما يكن من أمر، فوجهة نظره تبدو على نقيض ما توصل له زميله في الضراء الدكتور خالد المبارك أو جوبلز الإنقاذي، بالرغم من أن الاثنين يعملان عند كفيل واحد، وإن كانا معاً يتحريان الكذب حتى كُتبوا عند وسائل الإعلام كذابين!
    لأن النوازل لا تأتي فرادى، لم تتوقف (واقعة القضارف) في فتاوى الدين، وإنما شملت فتاوى الدنيا أيضاً. كان البشير النذير قد بشّر مواطنيه بحسم القضية التي ظلوا فيها يصطرعون منذ اعتماد الحدود الإدارية الراهنة للسودان، فقد أناب نفسه عن الأربعين مليون سوداني وحدد لهم مصيرهم بحديث لا يقبل الشك ولا التأويل، إذا قال في خطاب الوعد والوعيد (إذا اختار الجنوب الانفصال سيعدل دستور السودان، وعندها لن يكون هناك مجال للحديث "المدغمس" زي السودان بلد متعدد الديانات والأعراق واللغات، وسيكون الإسلام المصدر الرئيسي للتشريع والعربية هي اللغة الرسمية) ولولا الأسئلة التي فتحت أبواب جهنم، لقلنا الحمد لله فقد قُضي الأمر الذي فيه تستفيان. فطالما الأمر كذلك فبماذا إذن حكمت العصبة هذا البلد المنكوب منذ أن تسورت حائط السلطة بليل قبل عقدين من الزمن؟ بل بموجب أي قانون جُلدت تلك الفتاة إذا كانت الشريعة لم تُطبق بعد؟ واقع الأمر لو أن العصبة ذوي البأس ادّعت أنها حكمت بشرع الله في العقدين المنصرمين، واعترفت الآن - وفق ما جاء في كلام حادي الركب - إنها لم تطبق الشريعة، فذلك يعني أنها مارست الكذب والخداع وتلك مصيبة، أما إذا قالت إنها كانت تحكم بقوانين الشريعة ماضياً وحاضراً (وفق ما ذكره الوالي عبد الرحمن الخضر في الحديث المشار إليه والذي قال فيه: نعمل بالقانون الجنائي لعام 1991 وما يزال سارياً والمستمد من الشريعة الإسلامية) تكون المصيبة أعظم. ذلك لأنها بموجب هذه القوانين قتلت أرواحاً وسحلت نفوساً وعذبت بشراً وسجنت أناساً وقطعت أرزاق أبرياء، فهل هذا هو الإسلام الذي كرّم الله به عباده؟
    من جهة ثانية، لقد كشفت (نازلة القضارف) عن أن ثمة قوم توهموا عكس ما درجت عليه البشرية التي ترى في التعدد الإثني والعرقي والديني والتنوع الثقافي مصدر ثراء للشعوب، وأنه بقادر على إكسابهم قوة ومنعة ووحدة كما هو حال الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا وغيرهم من الدول. لكن المفارقة وفقاً حديث (طويل العمر) أن يُصبح التنوع في الحالة السودانية عبئاً ينبغي التخلص منه. وتبعاً لذلك يكون انفصال الجنوب مناسبة للإحتفاء والفرح، عوضاً عن البكاء ولطم الخدود وشق الجيوب. وبالتالي وفق نظرية النقاء العرقي التي أقرها سعادة المشير للدولة القادمة بعد الانفصال، يكون الباب مفتوحاً لشعوب وقبائل أخرى لمغادرة البيت السوداني والتخلص من هيمنة الإثنية واللغة والديانة الواحدة! تبعاً لكل هذا فإن من خطل الحديث، أن يقال إن الذين تعاطفوا مع الفتاة المجلودة هم (الذين يصطفون خلف فتاة نُفذ في حقها شرع الله يزدادون كل يوم خبلاً على إبالة) أو بــ (المعارضين من أجل الخلاعة والتفسخ) مثلما قال دكتور نافع علي نافع (آخر لحظة 19/12/2010) أو أنهم (المعارضة الإسفيرية التي تستخدم سلاح الإنترنت وأنها خائبة ولا رجاء فيها) بمثلما جاء في صحيفة الرائد لسان حال الحزب الحاكم 19/12/2010 بمثل هذه الدرر، لا نشك مطلقاً في أن سيادته شاء أن يضرنا فنفعنا من حيث لا يحتسب!
    لا يُعتقد أن الذين تعاطفوا مع قضية فتاة الفيديو ابتداءً، فعلوا ذلك من زاوية إسلامية أو عدم إسلامية القوانين، بقدر ما فعلوا ذلك من منطلق حقوق الإنسان ومعاييرها الدولية، علماً أن فيهم من يرى أنها ليست بعيدة عن المعايير الإسلامية باسقاط شريعة ما عادت حدودها صالحة لهذا الزمان. ولأن التجربة دلت على أن العصبة ذوي البأس جعلت من هذه القوانين مطية لتحقيق مآرب خاصة لا علاقة لها لا بالدين ولا الدنيا، أصبح من العسير أن يتقبلها الناس على يد جلاوزتها حتى لو جاءت مبرأة من كل عيب. والواقع نحن لهذا السبب واسباب أخر نرفضها وإن جاءت في طبق من ذهب. نقولها بقناعة كاملة إن قوانين قال الشعب فيها كلمته يوم أن أسقط صانعها مرفوضة تماماً. ومعلوم تماماً أن ما تم تطبيقه منذ العام 1983 هي قوانين سبتمبر التي استنزلها الرئيس المخلوع جعفر نميري وصاغتها السيدة بدرية سليمان والنيل أبو قرون وعوض الجيد محمد أحمد، وقد افتقر ثلاثتهم للكفاءة والتأهيل والمعايير الأخلاقية التي تجعلهم ينجزون عملاً كهذا. وعليه فقد بات بما يدع مجالاً للشك أن القانون الجنائي للعام 1991 هو قوانين سبتمبر عينها في طبعتها الإنقاذية، وبالتالي نحن نرفضهما معاً ليس لأننا نرفض شرع الله، ولكن لأننا نخاف على شرع الله من ثعالب الدين والعقائد، ونرفضهما لانعدام دولة المثال في التاريخ الإسلامي، ونرفضهما لأنهما لا يتواءمان مع مكونات القطر السوداني، ونرفضهما لعدم توفر مجتمع الكفاية والعدل، ونرفضهما للانتقائية التي جعلت من الإسلام قوانين حدية وغيبت كامل المنهج، ونرفضهما لأن من طبقها سرق فيهم القوي فتركوه وسرق فيهم الضعيف فأقاموا عليه الحد، نرفضهما لأننا لم نر من هو في مثالية الرسول الكريم ولا في عدل عمر بن الخطاب ولا زهد أبي ذر الغفاري! ثمة سؤال يجيب على هذا التشابك، فليقل لنا المتنطعون ما الذي كسبه الإسلام من هذا الشريط؟ وبمقدورنا أن نؤلف كتاباً في الخسارة التي جناها الإسلام من هذا الشريط؟

    آخر الكلام: لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!!

    حظر الاستاذ عادل الباز رئيس تحرير صحيفة (الأحداث) نشر هذا المقال اليوم الأحد 26/12/2010

    فتحي الضَّـو


      رؤساء آخر زمن ... بقلم: فتحي الضَّـو
      الأحد, 12 كانون1/ديسمبر 2010 18:26

      ينطوي العنوان أعلاه على معنيين باطنيين، ينبغي الإشارة إليهما قبل الإبحار في الموضوع الأساسي. فتعبير (آخر زمن) يعدُ من تجليات الثقافة السودانية وما جاورها. إذ يجمع المرء فيه بين شتيتين يظنان ألا تلاقيا. تماماً مثل قولنا في اللغة الدارجة (كلام ساكت) فالسكوت هو الصمت بما لا يستقيم وأمر الكلام. وبهذا المعنى ما أكثر الكلام الساكت الذي ظلت العصبة أولي البأس تتحفنا به لنحو عقدين من الزمن. وبما أن النقائض بالنقائض تذكر، نعود لتعبير (آخر زمن) فهو يرمي إلى السخرية من شيء ما بالإيماء إلى أن الشيء المعنِي في الزمن الذي سبقه كان أفضل حالاً. مع العلم أن الزمن المشار إليه بالأفضلية لا يعني مِيقاتاً مُعيناً. والمفارقة أنه بحسب قانون الطبيعة ينبغي أن يكون (آخر زمن) أي زماننا الراهن هو الأفضل من حيث التراكم المعرفي، وافتراض أن الشخص يكون فيه مسلحاً بالعلم ومزوداً بثقافة موسوعية وأكثر إلماماً بالتقنية كإحدى آليات العصر. وبالضرورة سيكون منحازاً لقيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، باعتبارها (نهاية التاريخ) فيما ظلّ الإنسان يناضل من أجله في معركته ضد قوى الشر من بني جنسه. وعليه فإن إنسان (الزمن الأول) ينبغي أن يكون على النقيض أو أقل درجة في التطور والرُقي. لكن يبدو لنا – والله أعلم - أن استخدامنا المعكوس يجييء من باب إسرافنا في الحنين للماضي (النوستالجيا) ومن عجب فقد استمرأنا هذا حتى بات البعض يخلط حابل السياسة بنابل القضايا الوطنية، واصبحوا لا يجدون حرجاً في المفاضلة بين الاستعمار والحكومات الوطنية، بحسبهم أن الأنظمة الديكتاتورية والشمولية تفوقت على الأجنبي في الذُلّ والهوان، وأذاقت شعبها ما لا عين رأت ولم يخطر على قلب مستعمر!
      أما المعنى الثاني في العنوان فقد يتوارد لذهن البعض أن الرؤساء الذين نعنيهم هم الرؤساء الذين جاءوا على ظهر دبابة وظلّ أمر الشرعية يؤرقهم، حتى ظنوا أنهم نالوها خجاً ورجاً وتزويراً. أو الرؤساء الذين يقولون ما لايفعلون ويفعلون ما يتوهمون. أو الرؤساء الذين يقسمون ولا يبرون بقسمهم. أو الرؤساء الذين يتبجحون باشتهاء الموت وهم أجبن من نعامة. أو الرؤساء الذين يدعون الطهر والأمانة، ويتظاهرون بالورع والتقوى وهم أفسد من (قارون) وعُصبته. أو الرؤساء الذين صدّقوا أنهم المبعوثون من لدن مالك الملك مثل نموذجهم علي بابير رئيس الجماعة الإسلامية بكردستان الذي قال (سنشتكي من لا يُصوت لنا عند ربّ العالمين ليحاسبه حساباً عسيراً في الدنيا والآخرة) أو الرؤساء الذي أدمنوا الجلوس على صدور شعوبهم، كمثل العقيد معمر القذافي الذي شطح ونطح وابتكر معنىً عصرياً لمفردة الديمقراطية ففسرها على أنها ديمو-كراسي أو (ديمومة الجلوس على الكراسي) ولعله قال ذلك حتى يبرر جلوسه المستدام على صدر الشعب الليبي الشقيق، وهو بهذا المعنى يعد أحد الديمقراطيين القلائل الذين قضوا 41 سنةً في السلطة، ويزحف حالياً نحو القمة التي تركها فيدل كاسترو شاغرة. عموماً ليس أولئك هم الرؤساء الذين نعنيهم في العنوان أعلاه، فهؤلاء كفى بهم المحاكم الدولية كفيلاً. بيد أننا نعني رؤساء يصنعون الطُغاة ويتفانون في الإخلاص للأنظمة الشمولية والديكتاتورية. الرؤساء الذين نعنيهم هم الرؤساء الذين يكتبون ببطونهم ويفكرون بأفواهم. إنهم يا سادتي رهط من رؤساء تحرير الصحف السودانية (وكان في المدينة تسعةُ رهطٍ يُفْسدون في الأرْض ولا يُصْلحون) وإن كان التحرير يعني الانفكاك من ربقة العبودية أو المُستعمر أو المُتسلط، نسأل الله أن يفك أسر هذه الصحف من قبضتهم.
      منذ فترة بدأت التأمل في حال الصحافة المائل بغية الوصول لمكامن الداء. وأقر أنني كثيراً ما تحاشيت الحديث عن نقائصها، وبالذات القائمين عليها من رؤساء تحرير وناشرين. وكنت أظن بالفعل أن العِلّة تكمن في النظام الذي علمهم السحر، فإذا بي (أكتشف) أنهم من علم ذات النظام الفهلوة، يسبحون بحمده ويثنون على نعمائه. ففي الساحة الآن أكثر من خمسين صحيفة سياسية ورياضية واجتماعية (بالمناسبة هذه زيادة خير أُريد بها باطل) وطبقاً لهذ العدد هناك نحو خمسين رئيس تحرير أو يزيد (نظراً للفاقد الصحفي فالبعض ابتكر مواقع جديدة في هيكل التحرير) وبناءاً على هذه الطفرة الصحافية تسنم موقع رؤساء التحرير أناس لا قِبل لهم بالمهنة، بل أن بعضهم اختبأ وراء مؤهلات مضروبة (ألم يقل وزير العدل السابق محمد علي المرضي إن معظم الكوادر التي تحتل مراكز مهمة بالدولة التحقوا بالجامعات بشهادات مزورة) في حين أن العرف الصحافي إفترض في من يتولى رئاسة التحرير، أن يكون قد بلغ من التجربة عتياً، وأن يكون من المشهود لهم بالدفاع عن الحريات الصحافية. لكنك إن شئت أن ترى عصر المعجزات فانظر لرؤساء تحرير (آخر زمن) في صحافة أمرها عجب، يُمكنك أن تبدأ بكتابة عمود وفجأة تجد نفسك رئيس تحرير، وقد زاد البعض على الحسنين واصبح بقدرة رافع من كبار ملاك الصحف. لكن أصدقك القول - يا قارئي الكريم - إن ذلك ليس بمقصدي صحيح أننا مبتلون بصحف تنفث علينا سمومها كل صباح، لكن الذين نقصدهم تحديداً هم التسعة رهط في المدينة، الذين رضعوا من ثدى الديكتاتوريات فتورمت جسومهم، ونهلوا من ضرع الشموليات فتبلدت عقولهم!
      هؤلاء غاية همهم أن ينالوا كل يوم منافع لهم، ضربوا فجاج المهن المختلفة فاغترفوا من ينابيعها ما لذّ وطاب. تزداد الصحافة فقراً ويزدادوا غنىً، أصبحوا ملاك عقارات وأراضٍ وأسهم وأشياء أُخر ما أنزل الله بها من سلطان، وهم يعلمون أنهم يقتاتون من حقوق هذا الشعب الصابر. وإذا كان تقصي الفساد واحداً من المهام النبيلة لأي صحفي حر، فهؤلاء لا يستطيعون أن يسألوا عن أشياء تُبد لهم تسؤوهم، فهم يخشون إن سألوا سيجدوا من يقول لهم: ومن أين لكم هذا؟ هؤلاء لا يستطيعون أن يتحدثوا عن غياب الحريات، فهم إن سألوا سيجدوا من يقول لهم أنظروا إلى جيوبكم وبطونكم ستجدونها أكثر اتساعاً للنفاق وأضيق مكاناً للمثل والقيم. هؤلاء لا تهمهم قضايا هذا الشعب إلا من باب التناول الترفي. يجتهدون كل يوم لإرضاء الحاكم حتى يضمنوا استمراريتهم. لا يعنيهم إن عاش الناس أو أموات عند ربهم يرزقون. ولا يقلقهم إن نالوا حقهم من الديمقراطية أو ظلوا في قيد الديكتاتورية يرسفون. إذ رأوا عذابات البشر قالوا هذه أجمل لوحة سوريالية في الوجود، وإذا سمعوا أنينهم أصروا على أنه أرق قطعة موسيقية في الكون. فإن كنت تظن مثلي أنهم ممن تأذى بالرقابة، فأعلم يا هداك الله هم والرقابة صنوان، فالتسعة رهط ممن نعنيهم لا يهمهم إن كانت الرقابة قائمة أو مرفوعة، ولا يزعجهم إن كانت قبلية أو بعدية (التسميات هذه أيضاً من عبقرياتهم) هؤلاء ظلوا يغيرون مبادئهم مع كل نظام مثلما تغير الثعابين جلودها. تربوا في كنف الديكتاتوريات فإزدادوا طمعاً ورتعوا في أودية الشموليات فتوسعوا طموحاً. أقزام ظلوا يتطاولون في الأوهام بغية أن تُكتب أسماءهم في سجل الخالدين!
      أقول قولي هذا وقد دفعني الفضول مرغماً لمشاهدة مؤتمرين صحافيين نقلتهما الفضائية التي نظن أن رئيسها الحاتمي هو رئيس حكومة الظل في هذا البلد جراء إطلالته الدائمة على الشاشة. مع أن هذا ليس بموضوعنا، فالذي فجّر الغضب براكين في صدري، هو ذاك المستوى الضحل في طرح الأسئلة. المؤتمر الأول كان في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا، عُقد لمنشق جديد من الحركات الدارفورية والتي باتت تتكاثر كما الأرانب. ولأنهم اعتادوا أن يُحملوا كما تُحمل الحقائب، كانت تلك مناسبة رأى فيها دهاقنة العُصبة أنها تستدعي حمل رؤساء تحرير صحف بطائرة خاصة. نظرت في الوجوه التي تعجبك أجسامهم، فرأيت بينهم التسعة رهط، فهم بحمد لله لا تفوتهم فائتة من جنس تلك المؤتمرات، ما علينا المهم إنني (فوجئت) بذاك المستوى الركيك، أحدهم ظل يزحف في هذه المهنة زهاء الأربعة عقود، صحيح أنه أكثر وفاءً لأنظمة السوء هذه، لكن ما بال هذه الأنظمة لا تحسن اختيار منسوبيها. فعلى الأقل من الناحية المهنية ينبغي أن يسأل سؤالاً تنتفع به العصبة، وبالطبع ليس ذلك من شاكلة.. لماذا لا تذهب مباشرة للخرطوم للتفاوض مع الحكومة؟ وحتى هذا يكون قد اجتهد في طرحه بعد أن تحوقل وتبسمل وأشاد بأجواء السلام التي تعبق في كل السودان. بربكم هل هذا يساوي ثمن مشوار ضربت له أكباد الطائرات؟ المشهد الثاني كان مؤتمراً صحافياً أُقيم في الكويت بمناسبة مؤتمر وقف على رأسه مصطفي عثمان من أجل (شحادة العالم) لإعمار الشرق الذي لم يدمره العالم. رفع الصحافي الجهبذ يده يطلب سؤالاً، وعدّل من جلسته وأصلح عمامته، ثم أخذ يجتر الكلمات كما يجتر الجمل طعامه، ولأن السؤال لغير الله مذلة، قال صاحبنا أنه يود أن يتلو قصيدة (أظنها لشاعر جاهلي) وقال إنه يهديها لدولة الكويت، فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله بحسب تأكيده. وما أن ألقى ما بجوفه حتى بادر زملاء المهنة بضرب الكفوف، ولكن ليس عجباً وإنما تصفيقاً وانبهاراًـ، كان ذلك منظراً عجائبياً يندر أن يخرج من صلب صحافة عمرها أكثر من مائة عام!
      من بين التسعة رهط في المدينة، رئيس تحرير جعل للنفاق قاموساً وللتزلف مرجعية. ظلّ يجتهد كل يوم في كتابة هرطقات لا تغني ولا تسمن أولياء نعمته بشيء، فهم كلهم بحمد الله أصحابه وأصدقاؤه كأننا نود أن نستخرج لهم شهادات براءة. يكتب عن الدولة التي ترفل في نعيم الحريات، وتنعم في الرخاء حتى لم تجد فقيراً أو مسكيناً يتلقى حصته من الزكاة. فإن شئت أن ترى قبساً من ترهاته فانظر يا هداك الله إلى ما خطّه بنانه يوم 1/12/2010 بمناسبة اعتذار ليبيا عن استقبال المشير عمر البشير قال سيادته ناصحاً العقيد القذافي الذي لم يستبن النصح (لو تحدث في هذا الأمر وطالب الدول الأوروبية المتحفظة.. لبدلت موقفها تماماً. لان الجماهيرية تتمتع باقتصاد قومي وبموارد اقتصادية معظم الدول الاوروبية في حاجة لها، وتستطيع الجماهيرية ان تلحق الأذى باية دولة اوروبية ترفض الاستجابة لطلبها) نحن نقتبس حديثه بأخطائه ولكن هل لاحظتم يا قرائي الكرام رئيس التحرير الذي يدعو ليبيا لفضيلة إلحاق الأذى بمن لا يذعن لرغباتها! اللهم اصرف مقتك وغضبك عنّا يا رب العالمين. وثمة نصيحة أخرى لا يعلم القذافي أن الله اختص بعض عباده بعبقرية زائدة (كان يمكن تفادي الحرج ويطلب سيادة العقيد القذافي نقل القمة الى أية دولة أخرى) وإذا وقعت الواقعة فانظر وقعتها يا عزيزي القاريء (واضح جداً.. ان العديد من الدول العربية كانت متربصة بالرئيس البشير.. بمعنى أنها كانت تنوي شراً) هذه معلومة أمنية لا نعرفها، هل صحيح أن العديد من الدول العربية متربصة بالسودان؟ ثم انظر لواقعة أخرى (كان موقف السودان بمقاطعة السيد رئيس الجمهورية القمة الافريقية الاوروبية.. موقفاً سليماً.. وكما يسميه العامة في السودان (ضربة معلم) اصابت المتربصين بالسودان وبرئيسه في مقتل) إذن يا عموم أهل السودان ممن تخترعون الصفات وتنجرون النعوت اعلموا أن السيد المشير رئيس الجمهورية، هو من بادر بإباء وشمم عُرفتم به رفض الدعوة، وإن ما جاء في الأخبار بأن ليبيا اعتذرت عن استقباله هو محض هراء. ولكن حتى أكون أنا بريء أمامك أيها القاريء الكريم أرجو ان تحسن بنا الظن، فأنا لا أتابع هذه الموشحات كل يوم، وإنما اخترتها خبط عشواء، ولأن الصدق بيننا وافر، أدعوك لأن تفعل مثلي في أي يوم تختار فيه مقالاً له، فهو لن يخذلك في العكاكة والركاكة وبؤس الحال!
      ألا ينظرون إلى الصحف كيف سُيرت؟ ثمة مثل لايكف شرفاء المهنة من الاهتداء به. ألم يسمعوا بقصة الصحافيين بوب وودوارد وكارل برنشتاين اللذين دخلا عش الدبابير واضطر بسببهما الرئيس ريتشارد نيكسون إلى مغادرة البيت الأبيض؟ ألم يقرأوا ما قاله توماس جيفرسون (لو أنني خُيرت بين أن تكون لدينا حكومة بلا صحافة أو صحافة بلا حكومة، لما ترددت لحظة في اختيار الثانية) لابد أنك تساءلت بمثلما أتساءل حينما أتأمل قضايا هذا البلد المرهق أهله وهى تبحث عن مغيث. هل سأل أولئك الأباطرة أنفسهم إن كانوا قد سجلوا موقفاً واحداً طيلة عمرهم الصحفي المديد؟ بل حتى بأضعف الإيمان هل يدلون القاريء على موضوع فساد واحد تتبعوه حتى أوصلوه لنهايته المنطقية، بحيث وقف فيه المدان بين يدي السلطان، من قبل أن يقفوا هم بين يدي الديان! هل رأيتهم ذات يوم في واحدة من المناطق المنكوبة يجوبون الأرض بحثاً عن مأساة، وهل ثمة مأساة أكثر من دارفور التي جاءها الناس من كل فج عميق. زارها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ورأيناه يجلس مع المنكوبين على الأرض حتى طاطأنا رؤوسنا خجلاً، وأعقبه خلفه بان كي مون، ولما لم يجدِ هذا ولا ذاك فتيلا، جاء أعضاء مجلس الأمن بقضهم وقضيضهم في سابقة نادرة وعقدوا جلسة تاريخية على ظهر الأرض المغلوب على أمرها. ثم توالى عليها وزراء خارجية الدولة العظمى، بدءاً من كولين باول مروراً بكوندليزا رايس وانتهاءاً بهيلاري كلينتون التي تنوي التوجه نحوها. ثم قس على ذلك من شتى الملل والنحل. ولكن هل قيض الله لك أن ترى أصحاب الياقات البيضاء كالوشم في ظاهر اليد؟ لقد ثبت أن تلك امكنة لا يزورونها حتى في المنام!
      لكن ما ضرهم يا مولاي إن كانوا يعلمون إن قاموس أهل السودان في النفاق الاجتماعي سيدرأ عنهم الشبهات في الأفراح والأتراح. فغيرهم قد قَتل ونكّل وسَحل وعذّب، ولكن ما أن تنتاشه نائحة من نوائح الدهر أو يقضي حاجة من حوائج الدنيا للأنجال الذي تفوقوا في دراستهم أو رغبوا في إكمال نصف دينهم بزوج يسكنون إليه، حتى ترى الضحايا يهرعون نحوهم رافعين راية ما يسمى بـ (التسامح السياسي) فيظهر الجلاد كمن لا ذنب له. وينال الضحية أجر العفو عند المقدرة، لأنه ببساطة طمع في جنة إبليس وزهد في جنة شعبه. فيا أيها الوالغون في موائد الشيطان، يا من زينتم الباطل وزهقتم الحق.. غداً سيفتح هذا الشعب المكلوم صحائف من أؤتي كتابه بشماله!

      آخر الكلام: لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!

      اعتذر الأستاذ عادل الباز رئيس تحرير صحيفة الأحداث عن نشر هذا المقال اليوم الأحد 12/12/2010

الثلاثاء، 14 ديسمبر، 2010

جهاز أمن الحزب الحاكم في السودان يعتدي بالضرب على متظاهرات وناشطات تظاهرن إحتجاجا على قانون النظام العام وإمتهانه لكرامة المراة

http://www.youtube.com/watch?v=hllhVGt-cwg&feature=player_embedded

المعتقلات يرددن أهازيج الحرية داخل المعتقل..
أسماء المعتقلات :

    1. احسان فقيري
    2. احلام عبد الرحمن
    3. اديبة عوض
    4. اماني ادريس
    5. اماني جعفر
    6. امل هباني
    7. اميمة احمد المصطفى
    8. حبيب العبيد
    9. حنان على
    10. خديجة آدم
    11. رباح الصادق
    12. رشا عوض
    13. زينب الصاوي
    14. زينب بد الدين
    15. سارة حمد النيل
    16. سارة عبد الرحمن
    17. سارة محمد خالد
    18. سلمى النور
    19. شادية عبد المنعم
    20. شادية على
    21. صديق عبد الجبار
    22. عفاف التجاني
    23. علياء عبد الحليم
    24. عمر عشري
    25. عواطف عبد القادر
    26. غادة مكي
    27. فاتن محمد فضل
    28. فتحية عبد المحمود
    29. لدن محمد
    30. ماجدة عثمان
    31. ماجدة ميرغني
    32. محمد عادل
    33. مريم عوض
    34. منال عوض
    35. مناهل ابراهيم
    36. ناهد محمد الحسن
    37. نجاة بشرى
    38. نجلاء سيد احمد
    39. النقية الوسيلة
    40. هادية حسب الله
    41. ولاء صلاح

الأحد، 12 ديسمبر، 2010

رؤساء آخر زمن (حُظر من النشر)

رؤساء آخر زمن (حُظر من النشر)

فتحي الضَّـو

faldaw@hotmail.com

ينطوي العنوان أعلاه على معنيين باطنيين، ينبغي الإشارة إليهما قبل الإبحار في الموضوع الأساسي. فتعبير (آخر زمن) يعدُ من تجليات الثقافة السودانية وما جاورها. إذ يجمع المرء فيه بين شتيتين يظنان ألا تلاقيا. تماماً مثل قولنا في اللغة الدارجة (كلام ساكت) فالسكوت هو الصمت بما لا يستقيم وأمر الكلام. وبهذا المعنى ما أكثر الكلام الساكت الذي ظلت العصبة أولي البأس تتحفنا به لنحو عقدين من الزمن. وبما أن النقائض بالنقائض تذكر، نعود لتعبير (آخر زمن) فهو يرمي إلى السخرية من شيء ما بالإيماء إلى أن الشيء المعنِي في الزمن الذي سبقه كان أفضل حالاً. مع العلم أن الزمن المشار إليه بالأفضلية لا يعني مِيقاتاً مُعيناً. والمفارقة أنه بحسب قانون الطبيعة ينبغي أن يكون (آخر زمن) أي زماننا الراهن هو الأفضل من حيث التراكم المعرفي، وافتراض أن الشخص يكون فيه مسلحاً بالعلم ومزوداً بثقافة موسوعية وأكثر إلماماً بالتقنية كإحدى آليات العصر. وبالضرورة سيكون منحازاً لقيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، باعتبارها (نهاية التاريخ) فيما ظلّ الإنسان يناضل من أجله في معركته ضد قوى الشر من بني جنسه. وعليه فإن إنسان (الزمن الأول) ينبغي أن يكون على النقيض أو أقل درجة في التطور والرُقي. لكن يبدو لنا – والله أعلم - أن استخدامنا المعكوس يجييء من باب إسرافنا في الحنين للماضي (النوستالجيا) ومن عجب فقد استمرأنا هذا حتى بات البعض يخلط حابل السياسة بنابل القضايا الوطنية، واصبحوا لا يجدون حرجاً في المفاضلة بين الاستعمار والحكومات الوطنية، بحسبهم أن الأنظمة الديكتاتورية والشمولية تفوقت على الأجنبي في الذُلّ والهوان، وأذاقت شعبها ما لا عين رأت ولم يخطر على قلب مستعمر!

أما المعنى الثاني في العنوان فقد يتوارد لذهن البعض أن الرؤساء الذين نعنيهم هم الرؤساء الذين جاءوا على ظهر دبابة وظلّ أمر الشرعية يؤرقهم، حتى ظنوا أنهم نالوها خجاً ورجاً وتزويراً. أو الرؤساء الذين يقولون ما لايفعلون ويفعلون ما يتوهمون. أو الرؤساء الذين يقسمون ولا يبرون بقسمهم. أو الرؤساء الذين يتبجحون باشتهاء الموت وهم أجبن من نعامة. أو الرؤساء الذين يدعون الطهر والأمانة، ويتظاهرون بالورع والتقوى وهم أفسد من (قارون) وعُصبته. أو الرؤساء الذين صدّقوا أنهم المبعوثون من لدن مالك الملك مثل نموذجهم علي بابير رئيس الجماعة الإسلامية بكردستان الذي قال (سنشتكي من لا يُصوت لنا عند ربّ العالمين ليحاسبه حساباً عسيراً في الدنيا والآخرة) أو الرؤساء الذي أدمنوا الجلوس على صدور شعوبهم، كمثل العقيد معمر القذافي الذي شطح ونطح وابتكر معنىً عصرياً لمفردة الديمقراطية ففسرها على أنها ديمو-كراسي أو (ديمومة الجلوس على الكراسي) ولعله قال ذلك حتى يبرر جلوسه المستدام على صدر الشعب الليبي الشقيق، وهو بهذا المعنى يعد أحد الديمقراطيين القلائل الذين قضوا 41 سنةً في السلطة، ويزحف حالياً نحو القمة التي تركها فيدل كاسترو شاغرة. عموماً ليس أولئك هم الرؤساء الذين نعنيهم في العنوان أعلاه، فهؤلاء كفى بهم المحاكم الدولية كفيلاً. بيد أننا نعني رؤساء يصنعون الطُغاة ويتفانون في الإخلاص للأنظمة الشمولية والديكتاتورية. الرؤساء الذين نعنيهم هم الرؤساء الذين يكتبون ببطونهم ويفكرون بأفواهم. إنهم يا سادتي رهط من رؤساء تحرير الصحف السودانية (وكان في المدينة تسعةُ رهطٍ يُفْسدون في الأرْض ولا يُصْلحون) وإن كان التحرير يعني الانفاك من ربقة العبودية أو المُستعمر أو المُتسلط، نسأل الله أن يفك أسر هذه الصحف من قبضتهم.

منذ فترة بدأت التأمل في حال الصحافة المائل بغية الوصول لمكامن الداء. وأقر أنني كثيراً ما تحاشيت الحديث عن نقائصها، وبالذات القائمين عليها من رؤساء تحرير وناشرين. وكنت أظن بالفعل أن العِلّة تكمن في النظام الذي علمهم السحر، فإذا بي (أكتشف) أنهم من علم ذات النظام الفهلوة، يسبحون بحمده ويثنون على نعمائه. ففي الساحة الآن أكثر من خمسين صحيفة سياسية ورياضية واجتماعية (بالمناسبة هذه زيادة خير أُريد بها باطل) وطبقاً لهذ العدد هناك نحو خمسين رئيس تحرير أو يزيد (نظراً للفاقد الصحفي فالبعض ابتكر مواقع جديدة في هيكل التحرير) وبناءاً على هذه الطفرة الصحافية تسنم موقع رؤساء التحرير أناس لا قِبل لهم بالمهنة، بل أن بعضهم اختبأ وراء مؤهلات مضروبة (ألم يقل وزير العدل السابق محمد علي المرضي إن معظم الكوادر التي تحتل مراكز مهمة بالدولة التحقوا بالجامعات بشهادات مزورة) في حين أن العرف الصحافي إفترض في من يتولى رئاسة التحرير، أن يكون قد بلغ من التجربة عتياً، وأن يكون من المشهود لهم بالدفاع عن الحريات الصحافية. لكنك إن شئت أن ترى عصر المعجزات فانظر لرؤساء تحرير (آخر زمن) في صحافة أمرها عجب، يُمكنك أن تبدأ بكتابة عمود وفجأة تجد نفسك رئيس تحرير، وقد زاد البعض على الحسنين واصبح بقدرة رافع من كبار ملاك الصحف. لكن أصدقك القول - يا قارئي الكريم - إن ذلك ليس بمقصدي صحيح أننا مبتلون بصحف تنفث علينا سمومها كل صباح، لكن الذين نقصدهم تحديداً هم التسعة رهط في المدينة، الذين رضعوا من ثدى الديكتاتوريات فتورمت جسومهم، ونهلوا من ضرع الشموليات فتبلدت عقولهم!

هؤلاء غاية همهم أن ينالوا كل يوم منافع لهم، ضربوا فجاج المهن المختلفة فاغترفوا من ينابيعها ما لذّ وطاب. تزداد الصحافة فقراً ويزدادوا غنىً، أصبحوا ملاك عقارات وأراضٍ وأسهم وأشياء أُخر ما أنزل الله بها من سلطان، وهم يعلمون أنهم يقتاتون من حقوق هذا الشعب الصابر. وإذا كان تقصي الفساد واحداً من المهام النبيلة لأي صحفي حر، فهؤلاء لا يستطيعون أن يسألوا عن أشياء تُبد لهم تسؤوهم، فهم يخشون إن سألوا سيجدوا من يقول لهم: ومن أين لكم هذا؟ هؤلاء لا يستطيعون أن يتحدثوا عن غياب الحريات، فهم إن سألوا سيجدوا من يقول لهم أنظروا إلى جيوبكم وبطونكم ستجدونها أكثر اتساعاً للنفاق وأضيق مكاناً للمثل والقيم. هؤلاء لا تهمهم قضايا هذا الشعب إلا من باب التناول الترفي. يجتهدون كل يوم لإرضاء الحاكم حتى يضمنوا استمراريتهم. لا يعنيهم إن عاش الناس أو أموات عند ربهم يرزقون. ولا يقلقهم إن نالوا حقهم من الديمقراطية أو ظلوا في قيد الديكتاتورية يرسفون. إذ رأوا عذابات البشر قالوا هذه أجمل لوحة سوريالية في الوجود، وإذا سمعوا أنينهم أصروا على أنه أرق قطعة موسيقية في الكون. فإن كنت تظن مثلي أنهم ممن تأذى بالرقابة، فأعلم يا هداك الله هم والرقابة صنوان، فالتسعة رهط ممن نعنيهم لا يهمهم إن كانت الرقابة قائمة أو مرفوعة، ولا يزعجهم إن كانت قبلية أو بعدية (التسميات هذه أيضاً من عبقرياتهم) هؤلاء ظلوا يغيرون مبادئهم مع كل نظام مثلما تغير الثعابين جلودها. تربوا في كنف الديكتاتوريات فإزدادوا طمعاً ورتعوا في أودية الشموليات فتوسعوا طموحاً. أقزام ظلوا يتطاولون في الأوهام بغية أن تُكتب أسماءهم في سجل الخالدين!

أقول قولي هذا وقد دفعني الفضول مرغماً لمشاهدة مؤتمرين صحافيين نقلتهما الفضائية التي نظن أن رئيسها الحاتمي هو رئيس حكومة الظل في هذا البلد جراء إطلالته الدائمة على الشاشة. مع أن هذا ليس بموضوعنا، فالذي فجّر الغضب براكين في صدري، هو ذاك المستوى الضحل في طرح الأسئلة. المؤتمر الأول كان في العاصمة الأثيوبية أديس أبابا، عُقد لمنشق جديد من الحركات الدارفورية والتي باتت تتكاثر كما الأرانب. ولأنهم اعتادوا أن يُحملوا كما تُحمل الحقائب، كانت تلك مناسبة رأى فيها دهاقنة العُصبة أنها تستدعي حمل رؤساء تحرير صحف بطائرة خاصة. نظرت في الوجوه التي تعجبك أجسامهم، فرأيت بينهم التسعة رهط، فهم بحمد لله لا تفوتهم فائتة من جنس تلك المؤتمرات، ما علينا المهم إنني (فوجئت) بذاك المستوى الركيك، أحدهم ظل يزحف في هذه المهنة زهاء الأربعة عقود، صحيح أنه أكثر وفاءً لأنظمة السوء هذه، لكن ما بال هذه الأنظمة لا تحسن اختيار منسوبيها. فعلى الأقل من الناحية المهنية ينبغي أن يسأل سؤالاً تنتفع به العصبة، وبالطبع ليس ذلك من شاكلة.. لماذا لا تذهب مباشرة للخرطوم للتفاوض مع الحكومة؟ وحتى هذا يكون قد اجتهد في طرحه بعد أن تحوقل وتبسمل وأشاد بأجواء السلام التي تعبق في كل السودان. بربكم هل هذا يساوي ثمن مشوار ضربت له أكباد الطائرات؟ المشهد الثاني كان مؤتمراً صحافياً أُقيم في الكويت بمناسبة مؤتمر وقف على رأسه مصطفي عثمان من أجل (شحادة العالم) لإعمار الشرق الذي لم يدمره العالم. رفع الصحافي الجهبذ يده يطلب سؤالاً، وعدّل من جلسته وأصلح عمامته، ثم أخذ يجتر الكلمات كما يجتر الجمل طعامه، ولأن السؤال لغير الله مذلة، قال صاحبنا أنه يود أن يتلو قصيدة (أظنها لشاعر جاهلي) وقال إنه يهديها لدولة الكويت، فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله بحسب تأكيده. وما أن ألقى ما بجوفه حتى بادر زملاء المهنة بضرب الكفوف، ولكن ليس عجباً وإنما تصفيقاً وانبهاراًـ، كان ذلك منظراً عجائبياً يندر أن يخرج من صلب صحافة عمرها أكثر من مائة عام!

من بين التسعة رهط في المدينة، رئيس تحرير جعل للنفاق قاموساً وللتزلف مرجعية. ظلّ يجتهد كل يوم في كتابة هرطقات لا تغني ولا تسمن أولياء نعمته بشيء، فهم كلهم بحمد الله أصحابه وأصدقاؤه كأننا نود أن نستخرج لهم شهادات براءة. يكتب عن الدولة التي ترفل في نعيم الحريات، وتنعم في الرخاء حتى لم تجد فقيراً أو مسكيناً يتلقى حصته من الزكاة. فإن شئت أن ترى قبساً من ترهاته فانظر يا هداك الله إلى ما خطّه بنانه يوم 1/12/2010 بمناسبة اعتذار ليبيا عن استقبال المشير عمر البشير قال سيادته ناصحاً العقيد القذافي الذي لم يستبن النصح (لو تحدث في هذا الأمر وطالب الدول الأوروبية المتحفظة.. لبدلت موقفها تماماً. لان الجماهيرية تتمتع باقتصاد قومي وبموارد اقتصادية معظم الدول الاوروبية في حاجة لها، وتستطيع الجماهيرية ان تلحق الأذى باية دولة اوروبية ترفض الاستجابة لطلبها) نحن نقتبس حديثه بأخطائه ولكن هل لاحظتم يا قرائي الكرام رئيس التحرير الذي يدعو ليبيا لفضيلة إلحاق الأذى بمن لا يذعن لرغباتها! اللهم اصرف مقتك وغضبك عنّا يا رب العالمين. وثمة نصيحة أخرى لا يعلم القذافي أن الله اختص بعض عباده بعبقرية زائدة (كان يمكن تفادي الحرج ويطلب سيادة العقيد القذافي نقل القمة الى أية دولة أخرى) وإذا وقعت الواقعة فانظر وقعتها يا عزيزي القاريء (واضح جداً.. ان العديد من الدول العربية كانت متربصة بالرئيس البشير.. بمعنى أنها كانت تنوي شراً) هذه معلومة أمنية لا نعرفها، هل صحيح أن العديد من الدول العربية متربصة بالسودان؟ ثم انظر لواقعة أخرى (كان موقف السودان بمقاطعة السيد رئيس الجمهورية القمة الافريقية الاوروبية.. موقفاً سليماً.. وكما يسميه العامة في السودان (ضربة معلم) اصابت المتربصين بالسودان وبرئيسه في مقتل) إذن يا عموم أهل السودان ممن تخترعون الصفات وتنجرون النعوت اعلموا أن السيد المشير رئيس الجمهورية، هو من بادر بإباء وشمم عُرفتم به رفض الدعوة، وإن ما جاء في الأخبار بأن ليبيا اعتذرت عن استقباله هو محض هراء. ولكن حتى أكون أنا بريء أمامك أيها القاريء الكريم أرجو ان تحسن بنا الظن، فأنا لا أتابع هذه الموشحات كل يوم، وإنما اخترتها خبط عشواء، ولأن الصدق بيننا وافر، أدعوك لأن تفعل مثلي في أي يوم تختار فيه مقالاً له، فهو لن يخذلك في العكاكة والركاكة وبؤس الحال!

ألا ينظرون إلى الصحف كيف سُيرت؟ ثمة مثل لايكف شرفاء المهنة من الاهتداء به. ألم يسمعوا بقصة الصحافيين بوب وودوارد وكارل برنشتاين اللذين دخلا عش الدبابير واضطر بسببهما الرئيس ريتشارد نيكسون إلى مغادرة البيت الأبيض؟ ألم يقرأوا ما قاله توماس جيفرسون (لو أنني خُيرت بين أن تكون لدينا حكومة بلا صحافة أو صحافة بلا حكومة، لما ترددت لحظة في اختيار الثانية) لابد أنك تساءلت بمثلما أتساءل حينما أتأمل قضايا هذا البلد المرهق أهله وهى تبحث عن مغيث. هل سأل أولئك الأباطرة أنفسهم إن كانوا قد سجلوا موقفاً واحداً طيلة عمرهم الصحفي المديد؟ بل حتى بأضعف الإيمان هل يدلون القاريء على موضوع فساد واحد تتبعوه حتى أوصلوه لنهايته المنطقية، بحيث وقف فيه المدان بين يدي السلطان، من قبل أن يقفوا هم بين يدي الديان! هل رأيتهم ذات يوم في واحدة من المناطق المنكوبة يجوبون الأرض بحثاً عن مأساة، وهل ثمة مأساة أكثر من دارفور التي جاءها الناس من كل فج عميق. زارها الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان ورأيناه يجلس مع المنكوبين على الأرض حتى طاطأنا رؤوسنا خجلاً، وأعقبه خلفه بان كي مون، ولما لم يجدِ هذا ولا ذاك فتيلا، جاء أعضاء مجلس الأمن بقضهم وقضيضهم في سابقة نادرة وعقدوا جلسة تاريخية على ظهر الأرض المغلوب على أمرها. ثم توالى عليها وزراء خارجية الدولة العظمى، بدءاً من كولين باول مروراً بكوندليزا رايس وانتهاءاً بهيلاري كلينتون التي تنوي التوجه نحوها. ثم قس على ذلك من شتى الملل والنحل. ولكن هل قيض الله لك أن ترى أصحاب الياقات البيضاء كالوشم في ظاهر اليد؟ لقد ثبت أن تلك امكنة لا يزورونها حتى في المنام!

لكن ما ضرهم يا مولاي إن كانوا يعلمون إن قاموس أهل السودان في النفاق الاجتماعي سيدرأ عنهم الشبهات في الأفراح والأتراح. فغيرهم قد قَتل ونكّل وسَحل وعذّب، ولكن ما أن تنتاشه نائحة من نوائح الدهر أو يقضي حاجة من حوائج الدنيا للأنجال الذي تفوقوا في دراستهم أو رغبوا في إكمال نصف دينهم بزوج يسكنون إليه، حتى ترى الضحايا يهرعون نحوهم رافعين راية ما يسمى بـ (التسامح السياسي) فيظهر الجلاد كمن لا ذنب له. وينال الضحية أجر العفو عند المقدرة، لأنه ببساطة طمع في جنة إبليس وزهد في جنة شعبه. فيا أيها الوالغون في موائد الشيطان، يا من زينتم الباطل وزهقتم الحق.. غداً سيفتح هذا الشعب المكلوم صحائف من أؤتي كتابه بشماله!

آخر الكلام: لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!

اعتذر الأستاذ عادل الباز رئيس تحرير صحيفة الأحداث عن نشر هذا المقال اليوم الأحد 12/12/2010

النظام العام.. أوقفوا هذا العبث (مُنع عن النشر)

بسم الله الرحمن الرحيم
النظام العام.. أوقفوا هذا العبث
رباح الصادق

كنا نظن أنه مثلما يذهل يوم القيامة المرضعات عما يرضعن فإن الاستفتاء أذهلنا عن كل ما سواه، وباخ في نظرنا حديث النسويات وكتبنا مرة نستهجن غرقهن هكذا في القضية ولا يهمهن أن سفينة البلاد تغرق ثم محونا ما كتبنا وقلنا نتركهن وشأنهن ولكنا سنغادر منصتهن ولن نقرأ لهن أو نستمع لتلك السمفونية حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، فإذا بسفينة النساء السودانيات تغرق ويصيبنا بلل البحر اللجي من الظلمات. شريط الفيديو المنشور بعنوان "الرئيس عمر البشير يجلد الفتيات في السودان" كان دفقة أو موجة كبيرة اخترقت استغراقنا الاستفتائي لتغرقنا "في صمة خشمنا" فيما تعانيه النساء تحت سنابك النظام العام.
يحكي الشريط كيف بدأ الجلد (والحكم المنشور أنه لخمسين جلدة أي حكم تعزيري) ولكن الشريط يصور 21 جلدة، وجدنا أنفسنا نعدها لأنها كأنما كانت تجلد قلوبنا.. انتهى التصوير ولم ينته الجلد. في البداية كان قائل يستعجل الفتاة لتجلس، أو قل تحثو على ركبتيها، (لتخلصه) أي خوفا من ضياع زمنه! ترددت الفتاة قليلا وجثت على ركبتيها ثم بدأت سياط مجنونة. صوت الضرب كان أعلى شيء في الشريط أم لعل إحساسنا به هو الذي جعله هكذا ولو لم يكن التصوير للصورة والصوت معا لقلنا إن "المايكرفون" كان معلقا في سوط "العنج" الذي ألهب ظهر الفتاة وركبتيها وبطنها ورأسها وأحيانا صفعها في وجهها. فهل هذا هو الضرب الشرعي؟
إن أشد مناظر الجلد إيلاما كان حينما تمسكت الفتاة بسوط جلادها واحتضنته في وضع هو أقرب للسجود كأنما تسترحم جلادها أو تقبل سوطه حتى لا يذيقها مزيدا، فإذا بشرطي آخر يحمل سوطا شبيها يأتي ليكمل المهمة فكانت الفتاة في لحظة منكفئة على سوط، ويلهب ظهرها سوط آخر..
الحضور الواقف في قسم شرطة الكبجاب مسرح الضرب كما قال بعض المداخلين في موقع سودانيز أون لاين هم بوصف الشرطي (صاحب السوط الثاني): طائفة من المؤمنين يشهدون عذابها، وكان يتحدث وهو يضحك ويسائل مصور المشهد لماذا يصوره، وغطى وجهه منه وهو ضاحك ما يشي بأنه شرطي آخر مثله، ونحن لن نذهب مع من ذهب كثيرا في تفسير أسباب التصوير، فمن رأى أن ذلك لأن الطائفة التي شهدت العذاب لم تكن كافية لذلك صورت ليشهدها آخرون، ومن اعتبر أن المصور له نية بخلق "شوشرة". ومن تساءل عن جرم الفتاة وعن سلوكها، ومن تشكك في توقيت نشر الشريط، وهذه كلها مواقف برأينا انصرافية، هذا الشريط أسقط ورقة التوت عن سوأة النظام العام، ومهما قيل أو سيق من مبررات لبقائه بعد الآن فإنها تبدو غير ممكنة، غير محتملة على أقل تقدير، وبأهدأ العبارات في موضوع ملتهب وألهب ظهور وصدور وبطون ووجوه ورؤوس الفتيات السودانيات على نحو ما حدث للفتاة في التصوير الشهير.. فالجلد المذكور يحدث يوميا، والإحصائيات عن عشرات الآلاف من المجلودات كل عام، سمعنا بهن واستئنا ورفضنا لكننا حينما رأينا رأي العين كانت (الواقعة) أكبر مما تخيلنا!
منظومة (النظام العام) منظومة مركبة تقوم على تشريعات للنظام العام تتخذ ولائيا، وعلى شرطة ومحاكم النظام العام. بالإضافة لسياسات تعليمية وإعلامية مصاحبة. قانون النظام العام لولاية الخرطوم مثلا استن في 1996م. ضمن منظومة المشروع الحضاري ولكنه قانون مختلف عليه حتى داخل الحاكمين أنفسهم، فوزير العدل في 2001م السيد محمد عثمان ياسين قال إن وزارته هي أول من انتقد قانون النظام العام، وبالرغم من ذلك ظل يعمل حتى يومنا هذا وصار المشروع الحضاري بعد التراجع الكبير أمام القوى الدولية والغرب صار مختزلا في قوانين النظام العام والأحوال الشخصية أي في قهر النساء. لم يتبق من (شرع الله) إذن خلاف الشعارات أي عمل ملموس بخلاف جلد النساء وإهانتهن! ولعلنا نذكر في بداية هذا الشهر كيف أجيز قرض تركي يحسبه الإنقاذيون ربا وقد عبرت عن ذلك الدكتورة عائشة الغبشاوي بقولها إن رائحة الربا تفوح منه ولكن البرلمان الذي يرى رؤاها الدينية ذاتها (بدليل فكرة النظامين الاقتصاديين في الشمال والجنوب وتحريم التعامل بالنظام المصرفي التقليدي في الشمال)، أقول يحسبه لأننا نعلم يقينا أن رؤاهم الإسلامية غير متفق عليها داخل السودان نفسه، سواء أكانت حول الاقتصاد أم حول النساء أم حول الزكاة، وأخيرا طالت خزعبلات النظام حتى الحج! نعم كل خزعبلات الإنقاذ الفكرية وصلت إلى أن تكون مجرد شعارات أمثال (هي لله لا للسلطة ولا للجاه) ويضحك منها حتى أصحابها في دواخلهم، ولا تجد طريقا لأرض الواقع.. اللهم إلا فيما يتعلق بالنساء!
صارت منظومة النظام العام هي الدليل الوحيد الذي يشهره النظام في وجه العالم ليقول إنه إسلامي، وليجد لنفسه عذرا جاهزا يبرر به انعزاليته العالمية التي هي من نسج يديه بالتدخل في شئون الآخرين، وانتهاك حقوق الإنسان داخل أرضه. فصار الالتزام بزي محدد للنساء، والتقييد عليهن وإذلالهن إذن جندا وطنيا من الدرجة الأولى!
محاكم النظام العام هي نوع من المحاكم الخاصة درجت السلطة منذ البداية على تكوين أشكال مختلفة منها بتجاوز القضاء الطبيعي، وبالتالي انتهاك الإجراءات الجنائية المتعارف عليها والمنصوص عليها قانونا من اجراءات القبض على المتهمين ومحاكمتهم وإعطاءهم حقوقهم القانونية. وهي أشبه بالمحاكم الإيجازية ومحاكم العدالة الناجزة سيئة الصيت في العهد المايوي. المحاكمة فيها تجري حال القبض على المتهم ثم تنفذ العقوبة فلو استأنفت المتهمة بعدها لن تستفيد في حالة الجلد إلا النفي المعنوي لأنها تكون قد أخذت العلقة. وهذا بالطبع يخالف منظومة العدالة المتعارف عليها والمنفذة عبر القضاء الطبيعي.
تختص محاكم "النظام العام" بالقضايا المتعلقة بنصوص قانون النظام العام مثل شرب الخمر ولعب الميسر وارتداء الزي غير الإسلامي والرقص المختلط وإقامة الحفلات الصاخبة...الخ وكذلك بمواد أخرى موزعة في القوانين، وليس فقط بنصوص قانون النظام العام، مثال المادة 152-1 من القانون الجنائي (الأفعال الفاضحة والمخلة بالآداب العامة) أو المادة 153 المواد والعروض المخلة بالآداب العامة. ويترأس تلك المحاكم "قضاة" لم تسبق لبعضهم الخبرة بالعمل القضائي وتنقص الكثير منهم حتى المؤهلات القانونية. كما أكد من قبل القانوني الضليع الدكتور أمين مكي مدني.
تختص بحفظ "النظام العام" شرطة خاصة هي شرطة النظام العام تتعاون معها فرق الشرطة الشعبية وشرطة أمن المجتمع وجماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد منحت صلاحيات واسعة في تعقب حركة ونشاط المواطنين وتفتيش مساكنهم واعتقالهم وتقديمهم لمحاكم النظام العام.انتهاكا لخصوصياتهم وحقوقهم. وتهتم هذه المنظومة بالأساس بتعقب النساء!
يتكامل مع هذه المنظومة العدلية المجحفة نظام تعليمي بمناهج تملأ رأس التلاميذ ريبة في النساء وتشغلهم بالزي وبالجسد وبالمظهر أكثر ما تشغلهم بقضايا كرامة الإنسان ورقيه وصلاحه وابتعاده عن الزيف ونقاء وجدانه ودفاعه عن المستضعفين ونبذه للظلم والعسف. ويتكامل معها إعلام غالبه مسخر للسخرية من النساء وأقلام موتورة والغة في القذف بدون تثبت. حتى وصل إعلامنا لدرك صرنا فيها نخاف من اطلاع الناشئة على ما يكتب بعض الكاتبين من لغو وخوض في الأعراض، إشاعة للفاحشة وغمزا ولمزا في أشراف المجتمع وشريفاته إذا كن في غير خط السلطة السياسي، ويغض الطرف عما يقوم به المحاسيب من تجاوزات.
هذه هي منظومة النظام العام التي كانت نتيجتها الطبيعية تدني الأخلاق العامة مجملا لأن الزيف لا يصنع عفة. ومشكلتها الأساسية أنها تضع المرأة في مكان محقور وكرسي اتهام مستمر.
ومن أعجب المفارقات أنه انطلقت الأخبار قبل فترة حول مداهمة نفر من الشبان في حفل عرس للمثليين، وكانت تلك الكارثة بالمقياس الأخلاقي والديني مثار (رحمة) أهل شعار (هي لله) وطالب أحد الخطباء –لا فض فوه- بنصحهم بالحسنى، وطارت الأقاويل تتحدث عن شوكة بعض المقبوضين أو أهلهم.
إن فكرة الآداب العامة والنظام العام ليست فكرة قانونية في المقام الأول بل تربوية، وإذا أنت لم تفلح في إشاعة قيم العفة والاستقامة عبر التربية والقدوة في الأسر والأحياء والمدارس، فأنت أعجز عن أن تفرضها بسوط القانون، ناهيك عن استخدامه بشكل يفرق بين المواطنين.
أما ما يحدث من تطبيق أو المحاكمات المحمولة TAKEAWAY بحسب تسمية القانوني الأستاذ نبيل أديب، والتي فيها تتم المداهمة وتعقد المحكمة وينطق بالحكم ويتم تنفيذه في بحر دقائق ويستعجل القاضي التنفيذ ليشهد (شواء) جديدا، مثلما يصنع طاهي البيرجر في مطاعم الماكدونالدز، فلا يمكن أن تكون عدلا ولا يمكن إرجاعها لشرع الله. والجلد غير المنضبط إذ مهما سمعنا صوت السوط المجلجل لم نسمع أحدهم يعد الجلدات، ولا وضع المجلودة كان منضبطا، ولا موضع الجلد.. هل كان بإمكاننا أن نتخيل ونحن نسمع بالجلد في النظام العام أن الجلد يمكن أن يصل الرأس أو الوجه؟ هل كان بإمكاننا التخيل أن الجلد يتم بتلك القسوة؟
كثيرون قالوا إن الجلد أصلا عقوبة مهينة وقاسية. وبالفعل هو كذلك ففي الشريعة الجلد هو بمثابة آخر الدواء الكي لأن متعدي الحدود بالأوصاف الإسلامية لا يمكن أن يكون بشرا بل هو وحش تجاوز العدل والتربية السوية والرأي العام القوي وانتهك حدود الله بدون أدنى شبهة تدرأ عنه الحد، ولذلك لا يمكن أن يعمم الجلد الحدي في كل جريمة بل فقط في الجرائم الحدية المعلومة وبتمام أركان الحد بدون أية شبهات. هذه الشبهات التي تدرأ الحد كثيرة منها ما يتعلق بالمجرم وما يتعلق بالمجتمع نفسه. ففي مجتمع تنتفي فيه الحاجات المادية وتشبع فيه الحاجات الروحية والأخلاقية بالتربية السليمة وبالقدوة والرأي العام وتهيأ للشباب فيه ظروف العمل وفرصه، وعقد الزواج وإقامة عشه، يكون مرتكب الجريمة معتديا أثيما.. أما الآن في السودان فالحال وصل وضعا مزريا من الناحية الاقتصادية فسواد الناس على حافة العوز وقلة متخمة جاء معظم أصحابها من صفوف (المعدومين) بحسب تعبير السيد عمر البشير في لقاء معه أول أيام "الإنقاذ" (قاصدا المعدمين)، صارت تتحكم في تسعة أعشار الثروة وتملأ أسماعنا بشعارات (هي لله)! مع هذا الزيف، وهذا الظلم، وهذا الاحتياج لا يمكن أن تتحدث عن حدود، والجلد عقوبة حدية، وإذا كان سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه قد رفع الحدود في عام الرمادة، فنحن في أعوام (الجراد) الذي قضى على الأخضر واليابس لا يمكن أن نقول بتطبيق الحدود، ثم نطبقها على السواد، بينما لا نطبقها على ذلك (الجراد) مهما ارتكب من فواحش وأتى من آثام يشيب لها الولدان!
ومجمل قولنا إن ما يتم تطبيقه الآن على النساء والفتيات السودانيات هو ظلم محض وتشف في النساء ماذا فعلن لا ندري؟
تساءل كثيرون من أين أتى هؤلاء واتضح أنهم أتوا من بيننا، وتساءلوا: ألم يرضعوا من لبن الأمهات والخالات؟ وأنا أقول: اسألوا السيدة هدية والدة السيد عمر البشير التي جيئ بها في لقاء تبشيري أيام الحملة الانتخابية، وقالت إن ابنها المرشح كان يضربها أحيانا، ولها روايات عديدة في هذا الصدد ترويها بروح فكاهية. وحينما تشاهد شريط الفيديو الذي تجلد فيه الفتاة وهي تولول، تجد التعليقات ضاحكة.. إنها مسألة مربكة، لأن ما نعلمه عن الأمهات والخالات والفتيات وضرورة الرفق بهن في ثقافتنا السائدة يتناقض مع ما صرنا نسمع ونرى.. صار المشهد عبثيا، متناقضا مع قيم ديننا ووطننا ومع الحس الإنساني السليم.. أي شيء أثمر ثقافة النظام العام؟ أي شيء صير جلد النساء طرفا من الفكاهة؟ لا ندري؟ ولكنه قطعا عبث، ويجب أن توقفوا هذا العبث!
وليبق ما بيننا

الجمعة، 10 ديسمبر، 2010

فيديو جلد فتاة سودانية من قبل شرطة النظام العام يثير الصدمة ومشاعر الغضب في السودان

شاهد فيديو الجلد الوحشي لفتاة سودانية من قبل شرطة نظام الإنقاذ المتأسلم :

http://www.youtube.com/watch?v=SyAUNwtmF7Q&feature=player_embedded




الجبهة الوطنية العريضة تدعو أحرار السودان للخروج والثورة في وجه النظام الذى يتفنن فى إذلال وإمتهان كرامة الإنسان السوداني .

تعمُ الصدمة بلاد السودان وكل الأحرار ومُحبي العدالة وحقوق الإنسان في العالم ، وتمتلئ المآقي بالدمع الحار والغزير ، وتتفطر القلوب الرحيمة في كل لحظة ، بعد أن خرج إلى العلن تسجيل مصور " فيديو " لفتاة سودانية تتلقى السياط العمياء الغادرة في ظهرها وعلى أقدامها وأيديها وفي كل موضع من جسدها بأيدي شرطيين يتبعان لما يُسمى بشرطة النظام العام ، وهو الجهازُ الشرطيُ العابثُ على الدوام والمهين لكرامة السودانيات والسودانيين من البسطاء والفقراء وضحايا سياسات الإنقاذ الفاسدة والمشبوهة ، بتشريعٍ من أئمة الهوس المُتلبسين بالدين نفاقاً وبحثاً عن مصالح خاصة ، وأئمة الفساد الأخلاقي والمالي والقيَمي من العسكريين والمدنيين ، ومايطلق عليهم رجال الأمن والرجولة منهم براء .
حيال ماحدث ويحدث تود الجبهة الوطنية العريضة التنبيه ولفت النظر إلى أن ممارسة الجلد والحط من كرامة بنات وأبناء السودان يعدُ فعلا يوميا ، وتحدث مثل هذه الممارسات البئيسة عشرات المرات في اليوم الواحد في محاكم النظام العام العابث وغيرها من المواقع الامنية المشبوهة والتابعة لجهاز أمن الإنقاذيين الفاسد والمُفسد.
عليه فإننا في الجبهة الوطنية العريضة ندعو الجميع سيما شباب وشابات السودان للتجمع والإجتماع والتراص في صفوف واحدة في مواجهة هذا الصلف المتعدي على الأجساد والأقداس والمتجاوز لكافة الخطوط الحمراء .
من هنا، الدعوة مقدمة لكافة أهل السودان للحاق بكتائب الثوريين في الجبهة الوطنية العريضة إنتظارا لساعة الصفر وإنطلاقة العمل الموازي لإزالة النظام الفاسد وإستعادة وجه السودان الحقيقي وكنس كل أثار الطغمة الباغية وجر قادتها إلى سوح المحاكم الوطنية والدولية العادلة ليلقوا الجزاء العادل الذي يستحقونه والإنتهاء من حكمهم القميء ومن ثم إعلان بداية الإنطلاقة نحو سودان ديمقراطي مستقر مُرفه حيث تحترم فيه قيمة الإنسان وحيث العدالة والإنصاف والمساواة وحكم القانون .
وموعدنا الصبح ألا ان الصبح قريب.

أمانة الإعلام
الجبهة الوطنية العريضة

الثلاثاء، 23 نوفمبر، 2010

الشيخ والحواريون و"الثأرفوبيا"! (مُنع من النشر)


الشيخ والحواريون و"الثأرفوبيا"!

فتحي الضَّـو
faldaw@hotmail.com
تختلف المسميات والأصل واحد. من منّا لم يتذكر ذاك اليوم الذي انقسم فيه الإسلامويون بين القصر والمنشية. القصر حيث استبقى المشير عمر حسن البشير نفسه حاكماً بعد أن ظلّ لنحو عقد من الزمن أسير الكواليس، أو بالأحرى وفق اعترافه في أول مؤتمر صحافي بعد الحدث، قال فيه: إن القرارات كانت تعبر عن يمينه وعن يساره وهو آخر من يعلم. أما المنشية فيوجد الدكتور حسن عبد الله الترابي أو الحاكم الفعلي من وراء حجاب في الفترة ذاتها. ولهذا تغلغل في العقل حتى وقر في ذهن الكثيرين أن المشكل هو صراع بين الترابي والبشير، ولم تكن مذكرة العشرة الكرام سوى رياح هبت، وكشفت ما اجتهد الطرفان في تغطيته بالأحابيل حيناً وبفقه الضرورة أحياناً أُخر. لكن هناك من لم يرق له حصر النزاع بين المذكورين، ولأسباب لا تخفى على أحد رأوا فيه تطفيفاً في الكيل، وتفاوتاً في القامات لايستقيم عوده، ولهذا وجهوا أنظارهم في معركة هابيل وقابيل إلى أبعد من ذلك لئلا يأثمون!
نعم وجهوا أنظارهم نحو السيد علي عثمان طه في محاولة لمعرفة موقعه في الخارطة الجديدة التي بدأت تتشكل، وبالرغم من أنه لم يجعلهم يجتهدون كثيراً أو ينتظرون طويلاً، لم يشغل كثيراً من المراقبين أنفسهم بهذا الأمر بدعوى أن كل شيء واضح كالشمس في رابعة النهار. لهذا قالوا بثقة من لا يأتيه الشك من بين يديه ولا من خلفه، إنه صراع بين الشيخ وتلميذه، أو بين الشيخ وحواره وفق مصطلحات صوفية أهل السودان. على أن ذلك لم يكن بذي بال، بنفس القدر الذي صوّب فيه البعض العيون نحو آخرين في حظيرة العصبة، وقفوا يومذاك كحمار الشيخ في العقبة – بحسب الوصف القرآني – ليس لأن مشاعرهم توزعت بين القصر والمنشية، ولكن لأنهم يودون أن يروا أين ستكون السلطة حتى يحطوا رِحالهم عندها. هؤلاء ظلوا لأيام معدودات يصلون خلف علي ويأكلون مع معاوية، ومن عجب أيضاً تحركت قنوات استشعارهم أضعاف ما كانت عليها طاقتها القصوى في الأيام العادية، وذلك في محاولة لمعرفة أين ستستقر البوصلة ليعلنوا لها ولاءهم المطلق!
كلنا يعلم أن للإسلامويين ولعٌ غير طبيعي بالسلطة وملذاتها. لهذا لم يكن الانقسام الذي حدث في العاشر من رمضان الموافق للعام الميلادي 1999 صراعاً فكرياً، وإنما كان صراعاً سياسياً حول السلطة، لم يكن صراعاً في الدين وإنما كان صراعاً على الدنيا. ونستدل على ذلك بما سبق وأشرنا له في مقال سابق نقلاً عن أحد كوادر العصبة، وهو عبد الرحيم عمر محي الدين، الذي اصدر كتاباً قبل سنوات قليلة وصدّره بعنوان (الترابي: صراع الهوى والهوية) قال فيه إنه سأل أحد الكوادر القيادية عن وجهته بين الفريقين، فقال المُسائل للسائل: إنه مع القصر حتى لو كان ساكنه غردون!
أثناء تمايز الصفوف وفي أعقاب الانقسام. كان الفريقان قد تحفزا لتجاوز الخطوط الحمراء، وبدأوا كالمسعورين ينهشون في لحوم بعضهم البعض، تراشقوا بالألقاب وتنابذوا بالاسم الفسوق. حينئذٍ تناثرت الفضائح السياسية والفكرية والأخلاقية حتى أصبح الدين الذي قالوا إنهم منه ينهلون، كمن يبحث عن مغيثٍ. ثمّ بدأ البعض متأهبين لإخراج سيوفهم من أغمادها، بل أكثر تأهباً لإعادة سيناريو الدماء التي أريقت في كربلاء ومعركة صفين وواقعة الجمل. ثم انبرى آخرون وأصدروا نشرة طفحت بالغث والمسموم، لدرجة زكمت رائحتها الأنوف، والمفارقة أنهم أطلقوا عليها اسم (الزيتونة) ودأبوا على تعليقها على حيطان مسجد جامعة الخرطوم مثلما كان يفعل بعض عرب الجاهلية الأولى حين يعلقون فضائحهم على أستار الكعبة. يومذاك تعرَّت الحركة الإسلاموية حتى لم يبق من دثارها ورقة توت تغطي عورة ناشطيها، يومذاك سقطت دعاوى هي لله، واتضح بما لا يدع مجالاً للشك هي للدنيا وللذات الجشعة، حتى ولو كان الشيطان حاميها!
مضى الشيخ يلملم جراحه. لكنهم كانوا يعلمون إنه رجل عنيد تمحورهم حوله أورثه ديكتاتورية مقيتة، كان يمارسها بهمة من يؤدي واجباً قومياً في رهط من قومه! ولهذا كان من الصعب عليه أن يستسلم وهو يرى المشروع الذي نذر له عمره – اتّفق الناس حوله أم اختلفوا – أصبح كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء. وكما يفعل حواة السياسة بات يخرج بين الفينة والأخرى من جرابه شيئاً يجعل تلاميذته يتجادلون ويتناطحون ويتلاومون ولا ينتهي الأمر إلا بحبسه وراء جدران السجن، ثم يقبلوا على ما تبقى من أنصاره ترغيباً وترهيباً، فيستجيب البعض عندما تلوح أمام ناظريهم السلطة بصولجانها الذي يخلب الألباب، فيقبلون العروض بدعاوى أوهى من بيوت العنكبوت. هكذا زعم محمد الحسن الأمين، وهكذا أومأ بدر الدين طه، وهذا ما نطق به أخيراً الحاج آدم، بيد أن الأوسط انقلب على عقبيه حين لم يجد ما طمح له، فغادر وكر العصبة مرة أخرى، ولا يعلم أحد أيان وجهته بعدئذٍ. أما الشيخ الذي لا يغفر ولا ينسى، فعندما يعيل صبر سجانيه يقومون باطلاق سراحه، فيبدأ مرة أخرى في الشروع في جولة ثانية، إنها الثأرفوبيا لو تعلمون!
ولكن قل لي يا صاحٍ لماذا استنهاض هذا التاريخ الكالح السواد الآن. سأقول لك اختصاراً إنه الشيخ نفسه الذي دأب على زيارة باريس من حين لآخر، بدعوى الاستشفاء أو إجراء فحوصات طبية، ولسبب لا ندري كنهه فهو يحلو له زيارة العاصمة القطرية الدوحة في الغدو والرواح. هذا الضبط ما حدث قبل نحو أسبوعين تقريباً. وأثناء إقامته قام بتسجيل عشر حلقات لبرنامج (شاهد على العصر) لمقدمه أحمد منصور. وتردد أن الترابي أفشى فيها أسراراً تهتز لها أفئدة الثقلان، مما اضطر مدير قناة الجزيرة وضّاح خنفر (وهو بالمناسبة ابن سرحتهم، أي الحركة الإسلاموية السودانية) أن يطير للخرطوم في زيارة خاطفة لمدة يوم واحد أثناء وجود الترابي في الدوحة، وقابل مسؤولاً كبيراً في القصر الجمهوري، وذلك بحسب رئيس تحرير هذه الصحيفة (الأحداث 11/11/2010) الذي كتب مقالاً بعنوان (البشير في الدوحة ووضاح خنفر في القصر الجمهوري) وحاول استنكاه ما وراء الخبر بثلاثة احتمالات شاركناه واحدة منها، وهي القائلة إن الترابي أفرج عن أسرار يشيب لها الوالدان!
ذلك ما فتح شهية من ألقى السمع وهو شهيد في المدينة التي لا تعرف الأسرار مطلقاً. ثم حاول الكثيرون ونحن منهم سبر غور الحدث لعله يكشف ما يطفيء الظمأ ويروي حب الاستطلاع. بيد أنني سألت نفسي سؤالاً مشروعاً واحسب أن الكثيرين سألوه لأنفسهم بقدر سواء. هل ما يزال في الكأس باقٍ؟ بمعنى أن الكثيرين يعتقدون أن الطرفين أفرغا كل الهواء الساخن من صدورهم، وذلك على مدى عقد كامل من الزمن، وبالتالي لم يبق شيئاً يستحق الذكر أو الاهتمام. لكني وجدت نفسي على خلاف ما زعموا، وهو أنه ما زال ثمة شيء في جعبة الترابي يبدو أنه ادّخره لليوم الأسود! ليس من المنطق في شيء ابتسار الأشياء والتسليم بالقليل الذي نضح عنه، وهو من وقف على رأس تنظيم ما يناهز نصف قرن، وحكم الدولة كلها لنحو عشر سنوات بالتمام والكمال. وطالما هو يظن أنه يملك ما يمكن أن يخلخل به الأرضية التي تقف عليها عصبته القديمة، فلنحاول إذن استشفاف ماهية السر المكنون الذي رمى به في حلبة قناة الجزيرة. وهي بحسب ظننا تكمن فيما أسميناه بالعشر الموبقات:
أولاً: كلنا يعلم أن ثمة رؤوس تطايرت في بواكير عهد العصبة الحاكمة في العام 1990. ومنذاك الوقت أريق حبر كثير بمثلما أريق دم الضباط الثمانية وعشرين، واضعافهم من ضباط الصف والجنود. والذين حوكموا صورياً بما يشبه محاكمات عصر التفتيش، وذلك بدعوى الشروع في عمل انقلابي من جنس ما فعلته العصبة نفسها. ولم يستغرق الحدث سوى ساعتين شاملة وقائع التنفيذ الدراماتيكية والتي يقشعر منها البدن، ثمّ دفنوا في مقبرة جماعية بمكان غفر لم يستدل أحد حتى الآن عليها. ولأن تلك من الجرائم التي تظل شاخصة أبصارها مدى الدهر، فهل يا ترى كشف الترابي عن ملابسات ما حدث، بمعنى من الذي أصدر القرار؟ ومن شارك في تنفيذه؟ ومن دعمه؟ ومن صمت ولو من باب أضعف الايمان؟
ثانياً: من الجرائم التي ما زالت تلقي بظلالها الكئيبة على الواقع السوداني، هي جريمة قطع الأرزاق أو ما سُمي بالفصل للصالح العام. إذ يعتقد البعض مخطئين أنه مجرد قرار قذف بأكثر من مائة ألف عامل من جهاز الدولة إلى الشارع. ولكن الحقيقة إنه القرار الذي يتجرع الناس كؤوسه المُرة حتى اليوم. فهو القرار الذي أورث السواد الأعظم من أهل السودان الفقر المقيم، لا سيّما، وأن الترابي نفسه هو القائل إن نسبة الفقر أكثر من 90% وهو القرار الذي أنتج فيما بعد ظاهرة أطفال المايقوما وأكثر من 800 طفل باتوا يدخلونها كل عام، وهو القرار الذي جعل الناس يطالعون يومياً في الصحف إعلانات الخزي والعار التي تصدر من المحاكم ضد أناس هجروا عائلاتهم إما بسبب الإعسار أو بسبب الغيبة أو خوف الفتنة. وهو القرار الذي جعل البعض يقطع بحوراً ومحيطات طلباً للعيش الكريم والذي عزّ عليهم في بلادهم. فهل يا ترى أفصح الترابي في اللقاء المذكور عن الذين ارتكبوا هذه المجزرة البشعة، واستنوا سنة الإبادة الجماعية من قبل أن يُعرِّفها موريس أوكامبو؟
ثالثاً: من الإنجازات الشامخات في سجل العصبة المخزي، تلك البيوت سيئة السمعة، والتي أطلق عليها اسماً مرعباً (بيوت الأشباح) نسبة لما كان يجري بداخلها من ممارسات أرسلت الكثيرين للعالم الآخر، ومن كان محظوظاً خرج بعاهة مستديمة ستلازمه ما بقي حياً. على سبيل المثال ما ورد في المذكرة التي رفعها دكتور فاروق محمد إبراهيم لرأس الدولة واتّهم فيها مسؤولان يقفان الآن على قمة جهاز الدولة بالاشراف على تعذيبه، وهما دكتور نافع علي نافع واللواء بكري حسن صالح، وذكر فيها حالة مأساوية تخص أحد المواطنين (الواجب يقتضي أن أدرج حالة موظف وزارة الإسكان السابق المهندس بدر الدين إدريس التي كنت شاهداً عليها، فقد تعرض لتعذيب لا أخلاقي شديد البشاعة، ولم يطلق سراحه إلا بعد أن فقد عقله وقام بذبح زوجته ووالدها وآخرين من أسرته. كان في ثبات وصمود ذلك الشاب الهاش الباش الوسيم الأسمر الفارع الطول تجسيداً لكرامة وفحولة وعزة أهل السودان. وكان أحد الجنود الأشد قسوة – لا أدري إن كان اسم حماد الذي أطلق عليه حقيقياً – يدير كرباجه على رقبتينا وجسدينا نحن الاثنين في شبق. وفي إحدى المرات أُخرج بدر الدين من بيننا ثمّ أعيد لنا بعد ساعات مذهولاً أبكم مكتئباً محطماً كسير القلب. ولم تتأكد لي المأساة التي حلت ببدر الدين منذ أن رأيته ليلة مغادرتنا لبيت الأشباح منتصف ليلة 12 ديسمبر 1989 إلا عند اطّلاعي على إحدى نشرات المجموعة السودانية لضحايا التعذيب هذا الأسبوع) فهل يا ترى كشف الترابي اسماء من وقفوا وراء تلك الفكرة الجهنمية، وأشرفوا بشخوصهم على المعتقلين تعذيباً وقتلاً وتنكيلاً؟
رابعاً: ما دام دكتور الترابي نطق بكل شيء، فلابد أنه كشف اللغز حول أرواح أزهقت بذنوب نهت عنها العصبة وجاءت بمثلها. فهل يا ترى أفصح الترابي عن ملابسات قتل شاب برئ اسمه مجدي محجوب محمد أحمد وآخرين بنفس تهمته، هما جرجس القس يسطس وابن الجنوب أركنجلو. وبالقدر نفسه هل يا ترى كشف الترابي عن الذين أُعدموا غدراً وغيلة دون أن يعرفوا هم أو من يحبونهم أي ذنب ارتكبوه، مثل الطبيب علي فضل الذي خرج من أسرة كادحة كانت تنتظر تخرجه حتى يرتقي بحالها. وفيهم المعلم عبد المنعم سليمان، وفيهم المهندس أبوبكر راسخ. ليس هذا فحسب ففي قطاع الطلاب ثمة عشرات راحوا في رحلة اللاعودة، بدءً بالطالبة التاية أبو عاقلة ومروراً بالطالب محمد عبد السلام، وانتهاءً بسبحة كرت حباتها ولم تتوقف. أولئك ضحايا لهم بواكٍ وثواكل فهل يا ترى برّد الترابي حشا أمهاتهم بما انتظروه زمناً!
خامساً: كلنا يعلم أن الترابي كثيراً ما لوّح ببطاقة يعتبرها من أثمن ما يملك ضد عصبته القديمة. فقد سبق وان قال لقناة العربية (أبريل 2006) إنه على استعداد للشهادة أمام أي محكمة دولية إذا ما طلبت منه الإدلاء بشهادته في قضية محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا في يونيو 1995 ويقول الترابي دائماً إنه كرجل قانون يعلم أن مثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم. وقد حاول مراراً الإيحاء بين وقائع ذلك الحدث وبين ما استجد فيما يعرف بقضية المحكمة الجنائية، والتي وجهت اتّهامها إلى ثلاثة مسؤولين على رأسهم رأس الدولة المشير عمر البشير. فهل يا ترى ذهب الترابي إلى أبعد مما قال من قبل وأورد تفصيلات أذهلت كل مرضعة عما أرضعت!
سادساً: ما لله لله وما لقيصر لقيصر، واقعة أديس أبابا - بتعبيرات من قسّم العالم إلى فسطاطين - تبعتها أحداث درامية، أودت بحياة ثُلة ممن يُظن أنهم يعرفون أكثر مما ينبغي من أهل العصبة نفسها، فقد ذكر دكتور منصور خالد في كتابه الموسوم بـ (أهوال الحرب وطموحات السلام) بعض تفاصيل الحادث وأشار تحديداً في قوله (التصفية فيما يتجلى، أصبحت منهجاً يستسهله نائب الرئيس وثمانية رهط في المدينة. فعقب فشل المحاولة، تمت تصفية أحد موظفي الإغاثة ويدعى محمد الفاتح أمام زوجته في أديس أبابا حتى يزال أي أثر للجريمة، وكان الفاتح واحداً من العناصر التي كانت على علم بتدبير الجريمة، وما زال قاتله يعمل في ديوان الزكاة) تلك صحيفة اتّهام واضحة وضوحا لا لبث فيه ولا غموض، والمنصور نفسه يجلس إلى جوارهم الآن. وكنا نحن أيضاً قد أوردنا بعض تفاصيل عن هذه العملية بذات المستوى نسبة لذياع صيتها، وذلك في كتابنا المسمى (سقوط الأقنعة) بأريحية في الأسماء المتورطة، مع اختلاف في التفاصيل،. فهل يا تُرى كشف الترابي طلاسمها؟
سابعاً: بصورة أخرى، هل قال الترابي شيئاً جديداً حول الفترة التي قضاها ساكن تورا بورا أثناء وجوده في السودان ضيفاً عزيزاً على عصبته، وهو الإجراء الذي دفع السودانيون ضريبته، وقوفاً وصلباً على بوابات مطارات العالم وموانئه بتهمة الإرهاب، وهم الذين عرفوا من قبل بأنهم قوم وديعون. وإن كان لا يُعتقد أن الترابي سيكون عنده في هذه المسألة أقيم وأثمن مما حمله أحد أفراد العصبة الذين وصفتهم السيدة جنيداي فريرز بأنه (رجل أمريكا في السودان) وقطع المحيط مرتين متوجهاً نحو منطقة لانغلي بولاية فرجينيا حيث يقبع مبنى الوكالة التي دوخت العالم بعملياتها السرية والعلنية، ومتأبطاً ملفات جعلت العيون تخرج من محاجرها، فقد كان الرجل سخياً كريماً معطاءً، حتى قال الممنوح للمانح (يا للعنة لقد أعطونا أكثر مما كنا نتوقع) ومع ذلك هل لدى الترابي أكثر مما همى به غيث حِواره السابق في دهاليز الوكالة المشار إليها؟
ثامناً: تلك الفترة مهما قيل فيها فإنها تعتبر من أكثر الفترات ثراءً في الموبقات. فعلى هامش وجود من أصبح يحمل المتهم رقم واحد في العالم ضيفاً عزيزاً على العصبة آنذاك، ثمة ملحقات حدثت ولا يعرف السودانيون لها مستقراً أكثر مما جادت به قريحة الإعلام الكذوب. على سبيل المثال، يذكر الناس يومذاك شخصاً يحمل الجنسية الليبية اسمه الخليفي، وهو الرأس المدبر لحادث مسجد أنصار السنة الكائن في الحارة الأولى، والذي فتح رشاشه على مصلين خاشعين ساجدين، فأودى بحياة أكثر من عشرين، ومثلما يحدث في أفلام رعاة البقر حدثت مطاردات بينه وبين آخرين في شوارع البلد الذي كان دار سلام وأمن واستقرار، إلى أن انتهى به التطواف في منزل حامل لواء التطرف العالمي، ودارت معركة بينه وبين حراسه، المهم تلك من القضايا التي لا يعرف الناس عنها شيئاً وتكررت بذات السيناريو في مسجد الجرافة، وأحد (الكنابي) بمدينة ود مدني. فهل يمكن أن نتوقع الترابي وقد روى ظمأ المتعطشين لمعرفة ما وراء الأكمة؟
تاسعاً: للأعياد في السودان دائما طعم الحنظل ذلك لأن عشية عيد فطر نُحر أولئك الضابط المذكورين أعلاه، وفي عيد أضحية جاءت العصبة بما هو أشر وأضل، ففي يوم الجمعة 2/4/1998 فتح جلاوزة الدفاع الشعبي النيران على ظهور أكثر من مائة شاب يافع في معسكر السليت بمدينة العليفون. كانت تلك جريمة نكراء أكدت في النهاية أن أُولئك الطلاب ماتوا سمبلة (أي دون أن يحقق في موتهم أحد) فهل يا ترى نطق الترابي بالذي ازاح الغموض عن تلك القضية حتى يزيح أهلهم ثوب الحداد الذي تدثروا به لأكثر من عقد من الزمن؟
عاشراً: ثمة موبقات حدثت في العشرية الثانية، وهي العشرية التي لم يكن الترابي فيها حاكماً، ولكن بحكم أنه ناشط سياسي ما تزال بينه وبين بعض كوادر العصبة وشائج وعلاقات عامرة، فلابد إنه تناهى إلى سمعه شيئاً من أسرار هذه الموبقات الجدد. فهل يا ترى ذروا على سمعه بعضاً من أسرار (موقعة) كجبار التي أودت بحياة شباب من أهل المنطقة بلا ذنب جنوه أو جريرة اقترفوها؟ هل يا ترى ملّكوا الترابي بعض ألغاز (معركة) مدينة بورتسودان التي تطايرت فيها جثث أبرياء في الهواء، بسبب ما ظنوه ممارسة مشروعة لحق إنساني من حقوقهم؟ وبالمثل أيضاً هل قالوا له ما حدث في جبال النوبة أو في مدينة كسلا بعد هجوم قوات التجمع الوطني؟ هل يا ترى علم الترابي بما حدث في دارفور وأسموه بجرائم حرب وإبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية؟ وبما أن الشيء بالشيء يذكر، كان الترابي قد أذاع قبل فترة زمنية قصيرة على الهواء الطلق رواية قيلت له ونالت من كرامة حرائر الإقليم المنكوب أصلاً بمحنته، ونسب الترابي الرواية لمصدر خاص وإن أومأ بصفة القائل في تأكيده (إنه ممن يُؤدى القسم أمامه وتعلمون من يُؤدى القسم أمامه) ثم أفصح عنها، فكانت قولاً ثقيلاً على القلب واللسان، بل كان يمكن أن تشعل فتنة لا تبقي ولا تذر، لكنها مضت كما تمضي السابلة في الطرقات المظلمة، فحمدنا الله الذي حبانا يومئذٍ بقلوب أصابها الملال والكلال والموات!
صفوة القول، تلك هي الموبقات العشر، فلو أن الشيخ قال لقناة الجزيرة شيئاً إدّاً، فلن يكون سوى فضه عذرية هذه الأحداث التي قلنا وقال هو نفسه عنها إنها ستظل تذكر القوم بشرورهم المستدامة. وبالطبع ثمة قضايا سياسية لا يعتقد بأنها دخلت ضمن كرم وأريحية الترابي لأنه يشارك العصبة ذنوبها، وتلك من شاكلة من ذا الذي قوّض الدستور ونفّذ الانقلاب الكارثة؟ من هم الذين عاثوا في ثروات السودان فساداً وحولوا بيوتهم الآن لبنوك صغيرة وأودعوها مال مختلف عملاته؟ ومن الذي حوّل الحرب في الجنوب لحرب جهادية أودت بحياة أكثر من عشرين ألف طالب ماتوا (فطيس) كما قال هو. ومن هم الذين تستروا على الظلم وكتموا شهادة الحق؟ وبالرغم من مسؤوليته الضمنية أو الظاهرية في كثير من القضايا، إلا أن الترابي يبدو في كثير من الأحيان غير مكترث للعاقبة التي يمكن أن تلحق به، بقدر ما هو متلهف للمآل الذي ينتظر غيره. وتلك ما جسده حديث قاله لي صديق تربطه به علاقة خاصة، وذلك في معرض قوله له: لكن يا دكتور المسؤولية ستطالك أيضاً. فقال له الترابي: نعم أعلم ذلك، وكرجل قانون ربما أنال سنة أو سنتين ولكن ثق وقتها لن تستطيع المشانق أن تسع ضيوفها!
آخر الكلام:
لابد من الديمقراطية وإن طال السفر!

هذا المقال حُجب عن النشر في صحيفة الأحداث الأحد 21/11/2010