السبت، 10 يوليو، 2010

هل كفرت العُصبة أم أسلم أهل السودان (4)

هل كفرت العُصبة أم أسلم أهل السودان (4)


فتحي الضَّـو

faldaw@hotmail.com

يبدو لي - والله أعلم - أن التساؤل الذي تضمنه العنوان أعلاه قد اتّضحت إجابته بعض الشيء في الحلقات الثلاثة الماضية من هذه السلسلة. فالواقع أن شعب السودان لم يعرف الإسلام يوم أن تسلقت العُصبة ذوي البأس سنام السلطة في الثلاثين من يونيو عام 1989 بدعوى أنهم المبعوثون من لدن ربِّ العالمين لقوم ضالين. وهو الادعاء السمج الذي لم يراع واقعاً يقول إن المسلمين الذين ظلوا يعيشون ويتناسلون على أرض السودان، كانوا قد دخلوا دين الله أفواجاً بعد الفتوحات الإسلامية التي قادها عبد الله بن أبي السرح في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان. وكانت معركة دنقلا في العام 31 للهجرة، الموافق 651 للميلاد، أي أنه بحلول العام الحالي 1431 هجري، يكون الإسلام قد أقام نحو 1400 سنة بالتمام والكمال في التراب السوداني. وهي الإقامة التي مهدت لها الاتفاقية الشهيرة المسماة (باتفاقية البقط) المبرمة بين المسلمين الغزاة والمقيمين المسيحيين. وكلنا يعلم أنه طيلة هذه الفترة عدا العقدين الأخيرين اللذين حكمت فيهما العصبة الإسلاموية، لم يكن الإسلام مصدر جدل، ولم يقل السودانيون إنهم محتاجون أصلاً إلى من يدلهم على دين لم يعرفوه من قبل. بل حتى الشعوب والقبائل السودانية التي دانت بغير الإسلام، تعايشت في ظل تسامح فريد امتثالاً للمبدأ القرآني الذي يحض على ذلك. وهي الظاهرة التي انتجت فيما بعد (الهوية السودانوية) كما يحلو للبعض أن يسمى هجين الثقافتين الأفريقانية والعربانوية. بيد أن الذي يهمنا من هذه الفذلكة التاريخية العابرة، التأكيد بأن تعدد العقائد الدينية والطوائف الأرواحية وتعايشهما السلمي على أرض السودان، كان له الدور الكبير في إثراء تلك الهوية الثقافية المختلطة. وهو الأمر الذي اهتزّت ركائزه في العقدين الأخيرين اللذين حكمت فيهما العصبة، وتشوَّش فيهما الإسلام كعقيدة بجدل سفسطائي كاد أن يعصف به لولا أن له ربٌّ يحميه، وبعض عباده المخلصين ممن استمسك بالعروة الوثقى!

لكن هب يا مولاي أن أهل السودان المعنيين بالرسالة كانوا بالفعل كقوم هود وعاد وثمود. وهب أيضاً أن العصبة ذوي البأس هم أنبياء القرن العشرين المكلفين بهدايتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور. عليه فإن التساؤل الذي يطرح نفسه، أليس فرضاً أن يكون حامل لواء الرسالة على خلق اقتداءً بالنبي الكريم الذي وصفه ربه بقوله (وإنك لعَلىَ خُلُقٍ عظِيم) ووصف نفسه بقوله (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق) أليس واجباً أن يمتثل حامل لواء الرسالة بعدالة عمر بن الخطاب الذي ركض وراء بعير فرَّ من بيت مال المسلمين وقال فيه قولته الشهيرة (لو أن دابة تعثرت بأرض العراق لسُئلت منها يوم القيامة) أليس ضرورة أن يكون حامل لواء الرسالة في زهد أبي ذر الغفاري الذي مات وليس لديه ثوب يسع كفنه. ولكن أن ينهي حامل لواء الرسالة عن خلقٍ ويأتي بمثله، فذاك لعمري هو ما حدا بكثير من أهل السودان لأن يجهروا بقولهم: لو أن الدين الذي يحلل قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق هو الإسلام لتبرأوا منه، ولو أن الدين الذي يأخذ الناس بالشبهات هو الإسلام لفروا منه. ولو أن الدين الذي يعمل على قطع أرزاق الناس هو الإسلام لولوا الأدبار عنه. ولو أن الدين الذي يغض الطرف عن أكل اموال الناس بالباطل ويجعل للفساد سنناً وفرائض هو الإسلام لتنصلوا منه. لكن الحمد لله الذي أنعم على مسلمي أهل السودان نعمة التمييز بين الحق والباطل. فلا يغرنك يا من أنزل الله سكينته على قلبك، إنه بمثلما كان هناك في التاريخ الإسلامي عمر بن عبد العزيز الذي كانت تبكي عينه آناء الليل واطراف النهار من خشية الله، ففيه أيضاً الحجاج بن يوسف الثقفي الذي أبكى خلق الله!

استناداً إلى الجزء الأول من التساؤل.. هل كفرت العصبة؟ نحن في الواقع لا نحذو حذوها في منهج التكفير، لأنه لم يتثن لنا شق قلوبهم لنرى ما إذا كانوا قوماً ضالين أم مؤمنين. ولكن الذي نعنيه تؤكده وقائع الأحوال في أنهم تنكروا وتنصلوا لما ادعوا أنه مشروع حضاري إسلامي وشغلوا به الناس حيناً من الدهر. ولنضرب في ذلك مثلاً جلياً. كلنا يعلم أنهم عند مجيئهم للسلطة استهدفوا – قولاً وفعلاً - شريحيتن هامتين من شرائح المجتمع السوداني، والتي قلنا إنها ظلت على مدى أربعة عشر قرناً تتعايش في وئام وسلام وأُلفة. كانت الفئة الأولى هم الجنوبيون الذين اسقطت مواطنيتهم وخاضت ضدهم حرباً جهادية كلفت الكثير من الأنفس والثمرات. ثمَّ عندما ضاقت واستحكمت الحلقات على طموحاتها وبدا أن إغراء السلطة للبقاء في سدتها يحتاج لتنازل، قامت على الفور بنحر القداسة على أعتاب السياسة، إذ وقعت في العام 1997 على اتفاقية الايغاد (العلمانية) والتي شيَّعت المشروع إلى مثواه الأخير، وبموجب الاتفاقية وقعت سلام نيفاشا الذي أعاد الجنوبيين إلى حياض دولة المواطنة ونزع عنهم الكفر والإلحاد. الشريحة الثانية التي استهدفها المشروع المزعوم هم الطائفة القبطية الذين فروا بدينهم واحتوتهم منافي ومهاجر وراء الحدود.. في مصر وكندا واستراليا واوروبا. ومع هذا وامتداداً لمناخ التزوير الذي دشنت به الانتخابات يمكنك أن تسمع بعد عقدين كلاماً عجباً، وتقرأ لحادي القوم في لقائه بالطائفة القبطية بدار المحبة بأمدرمان يوم 28/2/2010 نفياً مغلظاً عن (تعرض المسيحيين إلى الاضطهاد الديني بالبلاد. ومشدداً على أن المسيحيين الأقباط لقنوا أعداء التعايش السلمي والمتربصين بالسودان درساً عبر إظهارهم التسامح الديني السوداني بأفضل صورة) ولهذا لا غروَّ بعدئذِ أن تسمعه يقول أيضاً بعد عقدين أغبرين (نحن يا جماعة جينا لرد المظالم) ممن يا هداك الله؟ لا أحد يعلم. ولكن الذي عزَّ علي فهمه حقيقة وأرهقني من أمري عسراً. هو إنه بالرغم من أن العصبة قبرت المشروع بما اعتوره من علل، فما زال هناك ناعق يقول هي لله، وما زال هناك زاعق يقول إنهم جاءوا لتثبيت شرع الله، تماماً مثل الوالي كرم الله عباس، كرَّم الله وجهه!

لم يكن عصياً لكل ذي بصر وبصيرة أن يدركوا ما أدركه البعض بعد عقدين، في أن العصبة لبست رداء الدين لتحقيق أغراض لا علاقة لها بالدين ورسالته السامية. لم يكن سراة القوم في حاجة لأن يثبتوا أن التغيير نفسه الذي حدث وأجهض حكماً ديمقراطياً، كان يمثل خرقاً فاضحاً للمرجعية الدينية التي لم يشر قرآنها ولا سننها إلى الانقلاب كآلية من آليات الاستيلاء على السلطة. ولو أنها كانت كذلك لما جرت دماء المسلمين أنهاراً في واقعة الجمل وصفين وكربلاء وحتى قادسية صدام حسين. ولو أنها كانت كذلك لما وجَّه الخالق رسوله بقوله (وشاورهم في الأمر) ولما ألزم خلقه بضرورة أن يكون (أمرهم شورى بينهم) وبالقدر نفسه لسنا في حاجة للتأكيد على أن فقه الضرورة الذي اتكأت عليه العصبة وجعلته مرجعية كل أفعالها وأعمالها، وهو الذي خوَّل لهم استخدام كل الوسائل بما في ذلك غير الاخلاقية من أجل البقاء في السلطة. ومن أجل هذا نفسه كان التخبط والافتراء حتى في تبرير الفشل، والذي وجد ملاذاً حصيناً في دعاوى الاستهداف. إذ طفقوا يروجون بأنهم مستهدفون في ملتهم وعقيدتهم من فسطاط الكفر، ولا يدري المرء لماذا لا يستهدف أولئك النصارى المملكة العربية السعودية جارتنا في الشمال الشرقي، ومهد الرسالة المحمدية والتي تحكم بالشريعة الإسلامية – اتفق معها الناس أم اختلفوا – ولم تقل إنها مستضعفة في دينها ولا أرضها، ولم تدع يوماً أن الغرب الصليبي حشد جنوده لدك الكعبة المشرفة أو غزو المدينة المنورة. غير أن الذي يصعب هضمه مرة أخرى في أن يستمروا في ترديد ذات النشيد، في الوقت الذي فتحوا فيه أبواب الدولة لاستخبارات دول البغي والاستكبار، وبسطوا أمامها أسرار الذين استجاروا بهم وظنوا واهمين ألا ظل إلا ظلهم!

لأن الكذب مآلاته واضحة للعيان، كان لابد أن تقود العصبة البلاد والعباد إلى موارد التهلكة بشيء لم يألفوه من قبل. فقد فوجيء المجتمع السوداني الذي قلنا عنه أنه تدثر بالتسامح وتزمل بالسلام، بظهور التطرف البغيض الذي تجلى في أحداث درامية فزع منها الناس. ذلك ما حدث في مسجد الحارة 18 بمدينة الثورة، وأدى إلى مطاردات (جيمس بوندية) في شوارع العاصمة المثلثة بين حرس المتطرف الأكبر أسامة بن لادن والمتطرف الأصغر الحليفي. وحدث في مسجد الجرافة وفي كمبو بمدينة ود مدني وضاحية الكلاكلة ومقتل الفنان خوجلي عثمان، ونقلوا الجرثومة إلى خارج الحدود بالعملية التي دفع السودانيون جميعاً ثمنها، ثم أخيراً مقتل غرانفيل موظف هيئة المساعدات الأمريكية. ويبدو أن الناس ألفوا النوم مع الشيطان لدرجة بات خبراً انفردت به صحيفة الصحافة 30/5/2010 لا يجد عيناً تدمع ولا قلباً يخشع على وطنٍ سيحصد زرع العصبة البئيس (اجتمعت مجموعات سلفية تحت مظلة الشيخ السوري الزائر محمد سرور بن نايف زين العابدين، تواثقت فيه على التخلي عن التكفير والغلو في الدين والابتعاد عن التطرف) وبعد هذا، هل في ذلك قسم لذي حجر يثبت إلى أين نحن منقادون؟!

أيها الناس الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما وطن يتأرجح، فمن شاء منكم الإبقاء على هذا الوطن موحداً آمناً مستقراً دار سلام وعدل مثل رسالة الإسلام نفسه، فليقل جهراً إنه لا يمكن فرض عقيدة واحدة على شعوبه المتعددة دينياً وثقافياً، وليقل جهراً إن الدولة المدنية الديمقراطية هي الكفيلة بهذا التنوع، وليقل جهراً إن الدولة الدينية مرفوضة لسودان فسيسفائي حتى لو جاءت شريعتها مبرأة من كل عيب. وليقل جهراً إن تجار الدين هم الذين جلبوا له الكوارث والإسلام منهم براء. نقول هذا ونحمد الله الذي هيأ لنا من أمرنا رشداً ومكَّنا أن نكون من زمرة عباده الشاهدين بوحدانيته، المقيمون لصلاته، الصائمون لفريضته، المزكون لماله، والحاجون لبيتٍ استطاعوا إليه سبيلاً. ولو أن المولى تبارك وتعالى أرانا آياته في أنفسنا وفي الافاق بركن سادس وسابع وعاشر لما توانينا برهة في تلبيته! أقول قولي هذا من قبل أن يسارع مدعٍ أثيم ويرمينا بما ليس فينا من تهم ثقيلة على اللسان غليظة في القلب، مثل تلك التي وصموا بها شهيد الفكر الإنساني الحر!!

ملحوظة: هذا المقال منعته الرقابة الأمنية من النشر في صحيفة (الأحداث) السودانية.