الخميس، 2 يوليو، 2009

في سكسونيا العليا


أفق بعيد
في سكسونيا العليا
فيصل محمد صالح
ممنوع من النشر بأمر الرقيب
قالوا إن ديكتاتور اسبانيا الشهير فرانكو )1892- 1975 (عندما كان مريضا يحتضر أحس بأصوات وضجيج في الشارع، فسال أحد مرافقيه عن السبب، رد الرجل بأدب وتأثر "هذه جموع الشعب الأسباني تودعك يا سيادة الزعيم" فرد فرانكو مستعجبا: "وأين سيذهب الشعب الأسباني؟
!" .
الجنرال فرانسيسكو فرانكو هو الذي تسبب في الحرب الأهلية الاسبانية )1936-1939 ( التي راح ضحيتها مليون شخص، وحكم أسبانيا بقبضة حديدية حتى وفاته عام 1975. وهو من جيل هتلر وموسيليني، ومنح لنفسه لقب"الكوديللو" ومعناها زعيم الأمة.
جاء قرانكو من قلب الفاشية، فلم يكن يرى أسبانيا إلا في شخصه. بدأ من الإحساس بأن أسبانيا تحتاجه، وأنه الوحيد الذي يصلح لحكمها، قاد انقلابا تسبب في الحرب الأهلية التي مات فيها مليون شخص وكادت أن تقود لحرب عالمية، وقتل أنصاره شاعر أسبانيا والإنسانية العظيم لوركا الذي عاش ومات معاديا للديكتاتورية.
رأى فرانكو أن كل هذه التضحيات تهون في سبيل أن يحكم ، هو مخلص العالم وزعيم الأمة وسيد اسبانيا. ثم تضخمت ذاته حتى رأى نفسه هو أسبانيا، راحته من راحتها، سعادته من سعادتها، وبقائه في الحكم يعني أن أسبانيا باقية، وذهابه يعني فناء أسبانيا.
ومع هذا التضخم نسى فرانكو أنه بشر يمرض ويموت، وظن أنه باقي وخالد، علت تصوراته فوق مستوى البشر لتصل إلى مقامات عليا. إنه جنون العظمة الذي جعله لا يتصور أنه يمكن أن يموت ويغيب عن الوجود، لذلك فالتصور الأسهل لديه عن وداع الشعب الاسباني، أن الشعب راحل إلى مكان ما. ثم دارت الدنيا دورتها، مات فرانكو وذهب نسيا منسيا، وتفتحت أزهار الديمقراطية في أسبانيا، وعادت مدريد إلى حظيرة العالم الإنساني المتحضر.
لم يكن فرانكو استثناءا في العالم، فقد سبقته تجارب شبيهة، وتبعته تجارب سارت على خطاه، كلها سارت على نفس النهج الذي يمزج بين الفرد أو التنظيم الحاكم والوطن، بحيث يصيرا شيئا واحدا، المساس بأحدهما مساس بالآخر. إن انتقدت الحاكم أو أي من مساعديه فأنت تنتقد الوطن، وما لمنتقدي الوطن مآل غير الخيانة. وعبر هذا الطريق يكتسب الحزب والحاكم حصانة مطلقة، لا يأتيهما الباطل لا من خلفهم ولا من أمامهم.
في زمن مضى مر على بلد شقيق وزير داخلية كان يصف المعارضين بـ"قلة الأدب"، ليس لأنهم فالوا كلاما يخرج من دائرة الأدب والتهذيب أثناء انتقادهم للحزب الحاكم، وإنما لأنهم تجرأوا على النقد، أي كان نوعه أو لغته، فهو ممارسة خارجة عن الأدب. وكان الرجل كثير ما يعاير الشعب وقادة المعارضة بأنهم يعيشون وياكلون ويلبسون على حساب الحكومة، وكأنهم يعيشون في وطن الجيران، وليس في وطنهموليس غريبا أن يرى مسؤول آخر في بلد آخر من بلاد الدنيا، لعله سكسونيا السفلى أو العليا، وفي إطار الزود عن الحزب والحكومة، أن الشعب الذي يحكمه، كان يعيش كالشحادين، قبل مجئ الحزب والحكومة وتفضلهم برعاية الشعب ونقله من خانة الشحادة إلى خانة محترمة أخرى. إنه فرانكو سكسونيا الجديد.