السبت، 15 أغسطس، 2009

ساسة وقانونيو وكتاب السلطة يلجأون للسب والتهديد والمغالطة


ساسة وقانونيو وكتاب السلطة يلجأون للسب والتهديد والمغالطة

(نزعته الرقابة الامنية)

إنهم يدفعون بالتى هي أو هى في جدل الشرعية

بقلـم: مكـي علــي بلايـل


السب والتهديد والمماحكة أسلحة أشهرها عبر التاريخ من تعوزهم الحجة سيما الطغاة في وجه دعاة الحق والإصلاح وفي مقدمتهم الأنبياء والعلماء. هذه السنة الماضية منذ إستخلاف الإنسان إلى أن يرث الله الأرض وما عليها وثقها القرآن الكريم في كثير من آياته على ألسنة جبابرة الإنس والجن وأشياعهم التابعين . ومن أمثلة ذلك :( إنه لساحر كذاب)، (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) ، (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم) ، (أنا أحى وأميت) إلخ... هذه النماذج من الآيات تشير إلى محض السب والوعيد وسذاجة الحجة كأساليب يلجأ إليها العاجزون عن الإحتجاج بالمنطق السديد في القضايا التى يثور حولها الخلاف بين الناس.ومع التأكيد على الفارق حول عظم القضايا ودرجة الخصومة حولها فإن قاعدة مقابلة الحجة بتلك الأساليب التي تنم عن الإفلاس المنطقي تظل واحدة. وتنطبق هذه القاعدة بصورة واضحة على أقوال أهل السلطة من ساسة وقانونيين وكتاب في مواجهة ما أثارته المعارضة من عدم شرعية الأجهزة الدستورية التنفيذية والتشريعية بعد التاسع من يوليو الجاري بإنتهاء آجالها في هذا التاريخ . هذا القول إن كان صحيحاً كما نرى أو زعماً باطلاً كما يرى أهل السلطة فيجب أن يكون الفيصل فيه البرهان عوضاً عن السب والتهديد الذي لجأ إليه ساسة السلطة من المؤتمر الوطني وقد يزعم في ذلك جميعاً الدكتور نافع علي نافع نائب رئيس المؤتمر الوطني للشئون السياسية والتنظيمية. فالمذكور لم يدخر شيئاً من مفردات الشتم التي جادت بها قريحته إلا ورمى بها أحزاب المعارضة واصفاً إياها بالعماله والإرتزاق والتآمر وغير ذلك. وقاد الإسترسال في سب الأحزاب د. نافع إلى التمثل غير الموفق بلسان فرعون في حق سيدنا موسى عليه السلام كما جاء في القرآن الكريم (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر) . وقد أتبع ساسة المؤتمر الوطني السب والشتم بالتهديد والوعيد بتحذيراتهم المتكررة للمعارضة حسب التصريحات التي نقلتها عنهم الصحافة . فقد تم تحذير المعارضة من مغبة العمل للإطاحة بالسلطة واللجوء للأساليب غير الدستورية لإثبات عدم شرعية السلطة . وحيث أن الحديث عن اللجوء لوسائل غير دستورية لإثبات عدم شرعية السلطة يبعث على الضحك أكثر من اي شيء آخر ، فإن قصد ملأ السلطة من هذه التحذيرات هو تخويف المعارضة من إستخدام حقها المشروع في التعبير عن رأيها بكل الوسائل القانونية بما في ذلك الندوات العامة والمسيرات السلمية. وإذا كانت الحكومة قد قامت حتى الآن بالحجر على الحريات الواردة في وثيقة الحقوق المضمنة في الدستور في قضايا أقل شأناً فلا يستغرب منها التهديد في شأن خطير يتعلق بشرعيتها . ومهما يكن من شيء فإن شتائم وتهديدات ساسة السلطة لا تستحق الرد والمجاراة لكن من المهم التأكيد على أنها تعبير عن عجز المنطق وعوز الحجة وهذه حقيقة تظهر بجلاء من المغالطات المضحكة والمؤسسية معاً التي تنطوى عليها دفوعات القانونيين وكتاب الرأي الموالين للسلطة . فقد قرأنا وسمعنا عجباً في الصحف ومحطات البث التلفزيوني والإذاعي من أولئك القانونيين والكتاب في محاولاتهم للى عنق الحقيقة بما يناسب الأهواء السياسية في مفارقة مؤلمة للأمانة العلمية . وقبل إستعراض نماذج من تلك المغالطات يجدر بنا إستعراض حيثيات موقف المعارضة من شرعية مؤسسات السلطة بعد التاسع من يوليو الجارى وبإيجاز غير مخل. وفي هذا الصدد تقول المعارضة ما يلي: أولاً: إن الأحكام الإنتقالية لرئاسة الجمهورية المبينة في المادة 65 وللهيئة التشريعية القومية الواردة في المادة 117 وللولايات المبينة في المادة 84 من الدستور الإنتقالي تنتهي جميعاً بالإنتخابات التي يجب إجراؤها خلال الفترة الإنتقالية . وقد أوضحت المادة 184 (1) صراحة أن الإنتخابات المعنية هي المشار إليها في المادة 216 من الدستور الإنتقالي . ثانياً: إن المادة 216 قد نصت على :( تجرى إنتخابات عامة على كل مستويات الحكم في موعد لا يتجاوز نهاية العام الرابع من الفترة الإنتقالية). ثالثاً: إن المادة 216 ملزم تماماً مالم يتم تعديلها بالطرق المحددة في الدستور ولا تملك المفوضية القومية للإنتخابات حق تجاوز نص دستورى وبالتالي فإن تأجيلها للإنتخابات بدون تعديل الدستور باطل . رابعاً: لما كان يوم التاسع من يوليو يوافى نهاية السنة الرابعة من الفترة الإنتقالية فهو اليوم الذي تنتهى فيه آجال المؤسسات التي قامت وفق الأحكام الإنتقالية في المواد 65 ، 117 و 184 من الدستور الإنتقالي حيث كان يجب أن تتولى المؤسسات المنتخبة المسئولية بعد هذا التاريخ. خامساً: حيث لم تجر الإنتخابات بسبب تقاعس أجهزة سلطة الشراكة عن الوفاء بمطلوباتها ولم يعدل الدستور وقد كان ذلك متاحاً بسبب الإستهتار بحكم القانون فقد نشأ فراغ يتعين ملؤه بتدابير سياسية ودستورية جديدة. وإنطلاقاً من ذلك تدعو المعارضة لقيام حكومة إنتقالية لقيادة البلاد وإنفاذ ما تبقي من بنود الإتفاقية بما في ذلك الإضطلاع بمهام إجراء إنتخابات حرة ونزيهة . تلك بإيجاز حيثيات موقف المعارضة فما هي دفوعات القانونيين وكتاب الرأى الموالين للسلطة والتي نصفها بالمغالطات ؟ ولنبدأ بالقانونيين ونستعرض آراء ثلاثة من أكابرهم في الحكومة والمؤتمر الوطني ثم نعلق عليها . والثلاثة هم الأستاذ عبد الباسط سبدرات وزير العدل و الأستاذ فتحى خليل نقيب المحامين والدكتور أحمد المفتى . وسنجمل التعليق على دفوعات كل من الوزير والنقيب كما جاء في بنياينهما لأن أساس هذه الدفوعات واحد إذ تستند على المواد الخاصة بأجل رئيس الجمهورية وأجل الهيئة التشريعية في الدستور الإنتقالي لسنة 2005م. فقد قال فتحي خليل في بيانه كما أوردت صحيفة الوطن في عددها الصادر بتاريخ التاسع من يوليو الجاري ، إنه لا يقول بإنتهاء شرعية الحكومة من له أدني إلمام بالقانون والدستور لأن أجل رئيس الجمهورية والمجلس الوطني خمس سنوات حسب الدستور . هذه الحجة ذاتها هي التي كررها وزير العدل سبدرات في بيانه الذي نشرته الصحف الصادرة يوم الإثين الثالث عشر من يوليو الجارى وزاد عليها أشياء لا علاقة لها بالموضوع ونعتبرها من قبيل التعذليل. وما ساقه كل من الوزير والنقيب لشيء عجاب خاصة حين يأتي من مثيلهما لأنه يناقض مبدأ معروفاً هو أن النص التشريعى الخاص يقيد العام . فنصوص المادتين 57 الخاصة بأجل رئيس الجمهورية المنتخب و 90 الخاصة بأجل الهيئة التشريعية المنتخبة نصوص عامة لا علاقة لها بترتيبات الفترة الإنتقالية. والمادتان مقيدتان بداهةً بنص المادة 216 وإلا فما معني تضمين هذه المادة في الدستور أصلاً وتحديد الإنتخابات بموعد أقصاه نهاية العام الرابع من الفترة الإنتقالية ؟ وإذا صح ما يقوله السيدان الوزير والنقيب وهو بكل تأكيد غير صحيح لكان معني هذا أن الدستور الإنتقالي يحتوى مواد متعارضة . مواد تقضى بإستمرار آجال رئاسة الجمهورية والهيئة التشريعية لنهاية السنة الخامسة من الفترة الإنتقالية ومادة تقضى بإجراء الإنتخابات لهذه المؤسسات وغيرها في موعد أقصاه نهاية السنة الرابعة . أما المواد الخاصة بإختصاصات مفوضية الإنتخابات التي أوردها الوزير سبدرات فلا علاقة لها بتأجيل الإنتخابات المحددة بموجب المادة 216 . ولا تملك المفوضية إلا حق تأجيل إنتخاب رئيس الجمهورية ولكن بقيد زمنى لا يتجاوز ستين يوماً وفق الدستور وسنورد النص الخاص بذلك لاحقاً. أما ثالث الثلاثة فهو الدكتور أحمد الفمتى القانوني الضليع بالمؤتمر الوطني حسب وصف صحيفة الصحافة له والتي أجرت معه مقابلة نشرت في عددها الصادر في التاسع من يوليو الجاري . وبالإضافة إلى التشبث بأجل الخمس سنوات وتلك حجة واهية كما أوضحنا قال د. المفتى في دفوعاته كما أوردت الصحافة أن المادة 54 تنص على أن يستمر رئيس الجمهورية رئيساً بالوكالة لحين إجراء الإنتخابات المؤجلة. ولعل الدكتور يقصد المادة 55 وليس المادة 54 التي لا علاقة لها بأجل ؤئيس الجمهورية بل تتحدث عن أهلية وإجراءات الترشيح لمنصب الرئيس ومعيار الفوز بالمنصب . أما المادة 55 ذات الصلة بموضوعنا فهي حجة دامغة ضد الدكتور ورهطه وليست حجة له. ولمصلحة القارئ يجدر بنا إيراد نص المادة 55 بفقرتيها 1 و 2 كاملاً. وتقرأ المادة 55(ا) :(عند تعذر إنتخاب رئيس الجمهورية لأي سبب حسب ما تقرره مفوضية الإنتخابات وفقاً لقانون الإنتخابات يتعين على المفوضية تحديد موعد جديد لإجراء الإنتخابات بأعجل ما تيسر شريطة ألا يتجاوز ستين يوماً من اليوم الذي كان مقرراً فيه إجراء الإنتخابات) . وتنص المادة 55(2) على: ( يستمر رئيس الجمهورية شاغل المنصب رئيساً بالوكالة لحين إجراء الإنتخابات المؤجلة وتمتد فترته تلقائياً لحين أداء الرئيس المنتخب اليمين الدستورية). ولا شك أن نصوص هذه المادة بفقرتيها حجة دامغة ضد الوزير والنقيب والدكتور . فالمفوضية تملك حق تأجيل إنتخاب الرئيس دون غيره شريطة أن لا يتعدى التأجيل ستين يوماً. وإذا كان آخر يوم للإنتخابات وفق المادة 216 هو التاسع من يوليو 2009م فإن المفوضية من حقها تأجيل إنتخاب الرئيس لموعد أقصاه التاسع من سبتمبر 2009م. ولحين إجراء الإنتخابات المؤجلة في غضون ستين يوماً يظل الرئيس القائم رئيساً بالوكالة وهذا هو الفهم الصحيح رغم أنف كل مدع . وحاول د. المفتى كذلك الإستنجاد بالمادة 225 التي تحدثت عن تضمين كل بنود إتفاقية السلام في الدستور لتبرير موقفه. ويقول في هذا إن إتفاقية السلام جزء من الدستور ووفقاً لهذه المادة (يعنى المادة 225)) فإن الحكومة تشكل من الشريكين ولا يمكن في ظل هذا النص أن ندعو لحكومة جديدة ولابد من قراءة واقعية وليست نظرية. وهكذا ينسف الدكتور بضربة لازب كل ما جاء في الأحكام الإنتقالية لأجهزة السلطة في الدستور والإتفاقية وهذه هي قراءته الواقعية ويا لها من واقعية . هذه المغالطات المضحكة التي لجأ لها القانونيون من أشياع السلطة أرفدها كتاب الصحافة من سدنتها بأخرى أكثر سخفاً . وكنماذج لذلك قال أحدهم إن الحكومة قد تجاوزت النص الدستورى الخاص بالإحصاء السكانى ولم تحتج المعارضة فيجب أن لا تحتج على تجاوز المادة 216. وليس صحيحاً أن المعارضة لم تحتج على تجاوز نص الإحصاء السكاني . وبفرض أنها لم تفعل فإن تجاوز ذلك النص لا يمكن أن يكون تبريراً قانونياً مقبولاً لمزيد من التجاوز . وقال آخر إن المفوضية أجلت الإنتخابات بناء على طلب المعارضة وهذا بالطبع غير صحيح وإنما أجلته مرة ومرتين لفشل حكومة الشراكة في الوفاء بمطلوبات إجرائها كما أوضحت هي ذاتها . وقال ثالث إن المعارضة لم تعترف بالإتفاقية فلا يحق لها الإحتجاج بالدستور الذي إنبنى عليها . وهذا تكذب صريح على المعاضة وفوق ذلك فهو جهل بالدستور والقانون لأنه لا يحق لأي حزب وفق الدستور والقانون أن يمارس نشاطه إلا بعد الإعتراف بالإتفاقية والدستور. وقد وقعت الأحزاب المسجلة على إستمارة تتمضن هذا الإعتراف. وكما بدأنا نختم بالقول أن السب والتهديد والمغالطة والمماحكة حيل المفلسين منطقاً الذين تعوزهم الحجة وهذا شأن ملأ السلطة .