الأربعاء، 19 أغسطس، 2009

محنة الوطن !!


محنة الوطن !!
منع من النشر
د.عمر القراي
( فلما نسوا ما ذكروا به ، فتحنا عليهم أبواب كل شئ ، حتى إذا فرحوا بما أوتوا ، أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) صدق الله العظيم

المواطن السوداني البسيط ( في الشمال) ، الذي وسط معانات توفير حاجيات شهر رمضان ، وجد فجأة ان سعر دقيق الخبز قد زاد ، كما زاد سعر السكر، والبنزين من قبل ، وما تبع ذلك من ارتفاع في كل السلع .. المواطن السوداني البسيط ، الذي يعجز عن دفع إيجار منزله ، ودفع فاتورة الكهرباء ، وتعليم أطفاله بسبب الرسوم ، رغم جعجعة الحكومة ، بمجانية التعليم .. المواطن السوداني البسيط الذي لازال يموت في دارفور قتلاً ، ويتضور في المعسكرات في تشاد وفي اطراف الخرطوم ، جوعاً ، ولا تستطيع الحكومة ، ولا القوات الأفريقية حمايته ، ومساعدته .. المواطن السوداني البسيط الذي يعاني الفشل الكلوي ، والسرطانات ، وكافة الأوبئة ، التي انتشرت ، والدولة عاجزة ازائها .. المواطن السوداني البسيط ، الذي خدم الوطن عشرات السنين ، ثم فصل سياسياً ، وتعسفياً ، حتى ينعم شخص ( إسلامي ) ، بوظيفته ، من باب (التمكين) ، ثم وعد مع من وعدوا ، بارجاع المفصولين، ولا يزال ينتظر هذه الخدعة ، على الرصيف .. المواطن السوداني البسيط ، الذي انتزعت عنه أرضه ، وهجر منها قسرياً ، بدعوى إقامة خزانات ، لم تسبقها دراسات ، ولم يشرح له جدواها ، وحين احتج على هذا الظلم الكالح ، ضرب بالرصاص دون رحمة ، وسجن دون محاكمة .. المواطن السوداني البسيط الذي يلتفت يمنة ويسرى ، فيرى الإعلانات عن العام الثامن لتصدير البترول، ولا يرى لذلك اثر في حياته ، بل يزيد سعر المواصلات ، التي أصبح يلهث وراءها ، من مكان لآخر ، وهو يرى بعينيه عائدات البترول ، عربات فارهات ، وقصور شامخات ، ينعم بها قادة النظام ، وذويهم ، ومحاسيبهم .. وحين استبشر هذا المواطن الطيب ، بتصريح المراجع العام الذي ذكرفيه وجود الفساد ، في حكومة الشمال ، لم ير محاسبة ، ولا مساءلة ، لجموع الفاسدين من ذوي المناصب التي لا حصر لها ، وبدلاً من المحاسبة ، انشغلت الحكومة ، بان تحدثنا عن الفساد في حكومة الجنوب ، مع أن حكومة الجنوب لم تنكر الفساد ، بل قامت بتحقيق ومحاسبة .. فماذا فعلت حكومة الشمال ، بأموال البترول ، وهي أكثر من نصيب الجنوب ، ومتى ستحاسب أعضاءها على الفساد ؟! المواطن السوداني البسيط ، الذي بسبب القهر، والفقر، والحروب، فضل اللجوء إلى إسرائيل ، على العيش في السودان ، لأول مرة في تاريخ السودان ، فقبلته ، وآوته الصهيونية العالمية ( المتهمة بتحريض الحركة الشعبية على تجميد نشاطها في الحكومة ) !! هذا المواطن السوداني البسيط في الشمال ، إذا كان متضرر كل هذا الضرر ، من حكومة حزب المؤتمر الوطني ، وقيادتها للبلاد ، فهل يعقل أن تكون الحركة الشعبية ، التي تمثل الجنوب ، غير متضررة ، من هذا النظام؟! وهل يظن أحد ان حكومة الشمال وهي تعاني هذا الفشل ، تريد لحكومة الجنوب ان تنجح لتكون أفضل منها ؟! ألا تشكل الانتخابات القادمة ، حافزاً للمؤتمر الوطني ، ليستغل كل إمكانات الدولة ، ليضعف شريكه ، حتى لو اضطر للتدخل في اختيار وزرائه ، حتى يضمن تمثيلاً ضعيفاً ، ومشاركة غير فعالة ، ورقابة خائرة ؟!

أصل المشكلة :

إن حكومة الإنقاذ حين قامت ، لم يكن السلام من أجندتها ، وإنما أزكت نار الحرب ، وادعت انها الجهاد الإسلامي ، ووظفت لها كل طاقات البلاد المادية ، والبشرية ، والإعلامية ، وظنت جهلاً وسوء تقدير، انها تستطيع ان تقضي بالسلاح ، على الجيش الشعبي لتحرير السودان ، حتى أنها سمت إحدى غزواتها " نهاية المطاف " !! ولكنها هزمت في تلك المعركة ، وتوالت عليها الهزائم ، حتى اقتنعت بجدوى السلام .. ثم ووجهت بضغوط دولية ، اضطرتها لأن تقبل اتفاقية السلام ، مذعنة ، فوقعت عليها ، وهي غير مقتنعة بها ، بل كانت تضمر الخيانة ، وتسعى لكسب الوقت ، وهي تعد العدة ، للاستعداد للحرب مرة أخرى ، متى ما أصبحت الظروف الدولية ، مواتية والأوضاع الداخلية ، قابلة للتصعيد مرة أخرى ..

وبعد توقيع اتفاقية السلام في 2005 م ، ظهرت نوايا الحكومة ، بإصرارها على البقاء على الوضع القديم ، فلم تطبق الدستور ، ولم تحفل بموضوع التحول الديمقراطي ، وسنت القوانين المنتهكة لحقوق الإنسان ، وأغفلت كل بند من بنود الاتفاقية ، يمنح شريكها مشاركة حقيقية في الحكم .. وكأنها وهي تفعل كل ذلك ، تقول للحركة الشعبية بلسان حالها : " لقد عجزنا عن إخضاعكم بالحرب ، لهذا أوقفنا الحرب ، لنخضعكم بالسلام ، وذلك عن طريق التسويف ، وإضاعة الوقت ، وعدم تطبيق الاتفاقية ، وتعيين وزرائكم نيابة عنكم ، فإذا لم يعجبكم هذا ارجعوا للحرب" .. وهم في ذلك ، يريدون ان يوهموا العالم ، خاصة الذين شهدوا على اتفاقية السلام ، انهم مازالوا مع السلام ، وان الحركة الشعبية هي التي تهدد بالحرب ، وهي التي رفضت بمحض إرادتها ، الدخول في الحكومة .

إن سبب المشكلة التي تعاني منها البلاد اليوم ، هو ان المؤتمر الوطني ، قد اكتشف انه أخطأ في توقيع اتفاقية السلام .. وان هذه الاتفاقية ، من شأنها ان تقضي على هيمنته الفردية ، لو قدر لها ان تحقق ، وهذا ما قصده د. نافع حين قال ، ان للحركة الشعبية أجندة خفيه ، تريد ان تصفي بها مشروعهم !! والذي يريده المؤتمر الوطني الآن ، هو ان يتراجع عن الاتفاقية ، ويفض الشراكة، مع الاستمرار في الحكم ، وكأن شئ لم يكن !! وهو في هذه الأثناء ، ينفق الأموال الطائلة ، على الدفاع الشعبي ، وعلى الجيش النظامي ، ويؤمن مواقعه في الجنوب ، ويرفض الانسحاب الذي نصت عليه الاتفاقية ، تحسباً للحرب . وهو اذ يفعل ذلك يتمنى ان تقبل الحركة الشعبية ، ذلك دون ان تفعل شئ ، لأنه يراهن في حسابات المتطرفين من اعضائه على عدم مقدرة الحركة على الرجوع للحرب .. ولكن كل هذه الحسابات جائرة ، وخائنة ، ولم تراع عهداً ولا ذمة ، ثم إنها أيضاً خاطئة ، وستضر بالحكومة أكثر مما تنفعها .. فإذا كانت الحكومة قد جارت على شريكها ، ولم تنفذ اتفاقها معه ، فمن الذين يؤمن لها من حركات دارفور أو شرق السودان أو غيرها ؟؟ وهل تستطيع هذه الحكومة ، المجردة من السند الشعبي ، المعتمدة على آلية البطش والإرهاب ، أن تقود الحرب في جميع أنحاء السودان ، لو قدر للحرب أن تشتعل مع الحركة الشعبية ؟

إن العالم الذي شهد اتفاقية السلام ، وعرف حرص الحركة عليها ، يستطيع ان يميز ان الحركة قد كانت مضطرة ، إزاء إهمال ، وتحقير، وإغفال حكومة الشمال ، الى تجميد عضويتها ، وعدم مشاركتها في حكومة تحرف الاتفاق ، وتعطل الدستور، وتستمر رغم ذلك في حكم البلاد ، بالبطش والإرهاب ..

الحركة الشعبية تستحق الإشادة :

لقد خاضت الحركة الشعبية ، الحرب وحدها ، دون مساعدة تذكر، من الأحزاب ، رغم مشاركتها معهم في التجمع .. وبعد توقيع اتفاقية السلام ، ظلت تقاوم في صبر، وثبات ، كل محاولات المؤتمر الوطني ، في التغول على حقوقها ، دون ان تجد أي مساندة من الأحزاب ، او من المثقفين عموماً ، بل أن أقلامهم انبرت في نقد الحركة ، فوصفوها تارة بالانتهازية ، والتنصل عن مبادئ التجمع ، والقبول بالمشاركة وحدها في السلطة .. كما وصفوها تارة بالضعف ، وتارة بالتوافق مع المؤتمر الوطني ، وخذلان الشعب في الشمال والجنوب ..

ورغم ذلك ، واصلت الحركة الشعبية نضالها ، وأصرت على بناء كياناتها السياسية ، في الشمال .. وقام قطاع الشمال ، بعمل خارق ، أثر على أعداد كبيرة من الشباب في الشمال ، وزاد من تعاطفهم مع الحركة ، وتفهمهم لمواقفها ، كما فتح داره للحوارات الفكرية ، والثقافية ، بداية للمنابر الحرة ، التي لن تتم توعية هذا الشعب بغيرها .. لكل هذا انزعج المؤتمر الوطني ، وانفق الأموال الطائلة ، ليشق صفوف الحركة ، بالإغراءات ، وبإثارة النعرات القبلية ، لإشعال العداوة بين أفرادها ، وتأليبهم على بعضهم البعض .. ولكن الحركة استطاعت ان تجمع نفسها ، وتواجه سلبياتها ، وتقاوم ضعاف النفوس من أعضائها ، وتعلن الفساد وتطارده ، وتهيئ نفسها للتحول الديمقراطي .. ثم هي رغم ذلك ، كانت تعمل في مواجهة الحكومة ، وتذكيرها بالتزاماتها بالاتفاقية ، وبحقوق الإنسان التي نصت عليها ، وتقاوم كافة محاولاتها ، في التغول على الحريات ، وفي وضع القوانين المعارضة للدستور ..

لقد كان الأمر المتوقع من كل المثقفين الأحرار، أن يدعموا الحركة الشعبية ، وان اختلفوا مع طرحها السياسي ، ذلك أنها حين تقاوم المؤتمر الوطني ، إنما تقاوم الهيمنة ، المدعومة بالهوس الديني ، والحكم الشمولي الطويل ، الذي لم يذق الشعب على يديه ، غير القهر، والإفقار، والتعذيب .. وبدلاً من ذلك ، نظر إليها المثقفون ، وقادة الأحزاب ، وكأنها بمشاركتها في السلطة وفق الاتفاقية ، قد أصبحت مثل المؤتمر الوطني ، ولهذا نقدوها ، دون النظر بعمق الى الدور الذي تقوم به في هذه المرحلة .

الأقزام :

وحين اتخذت الحركة الشعبية ، هذه الخطوة الشجاعة ، بتجميد نشاطها ، حتى تحقق مطالبها ، التي تنص عليها الاتفاقية ، لم تجد من الزعماء السياسيين مسانداً !! ففي مقابلة لجريدة الحدث ، مع الأستاذ محمد إبراهيم ، نقد سكرتير عام الحزب الشيوعي السوداني ، اعترض على خطوة الحركة بتجميد نشاطها في الحكومة ، قائلاً ( لن يستمر لأن وجودهم في الحكومة المركزية يغذي حكومتهم الإقليمية وفي رأي انه لا جدوى من المناورة بهذا الكرت من ناحية سياسية لأنهم يعلمون أنهم لا بد سيعودون في يوم ما ) ( الأحداث 16/10/2007م ) .. وحين سأله الصحفي عن ما يمكن أن يؤدي له فض الشراكة ، واثر ذلك سلبياً على السودان قال ( يجب الا يهددنا أحد بالانفصال ودعني أسالك اذا أرادوا الانفصال أين سيذهبون ) !! ( المصدر السابق) فهل هذه قامة زعيم وطني ، قائد لحزب تقدمي ، يرجى منه الإسهام في حل مشكلة بلده ؟! انظر كيف يظن ان الحركة الشعبية حين تهدد بالانفصال ، إنما تهدد المواطنين الشماليين ، فيرد عليها ، وكأنه الطيب مصطفى ، بنبرة لا تخلو من النعرة العنصرية .. ولقد لاحظ الصحفي الذي يحاوره انه يتبنى نفس خط المؤتمر الوطني فقال له ( وكأنك تتحدث بلسان المؤتمر الوطني ؟؟ ) !! وحين سأله الصحفي قائلاً ( إذا كيف يكون سيناريو الخروج من التحالف ؟ ) (ضحك ثم أردف قائلاً : كل زول يطلق مرته بالكيفية التي يراها) !! وحين ألح عليه الصحفي ليدلي برأيه حول تصوره للمخرج ، قال ( نحن قادرين نحل مشاكلنا لنفكر في مشاكل الآخرين ) (المصدر السابق) .. فهل رأى الناس مثل هذا الضعف وهذا الهوان ؟! إن اعتراف الأستاذ محمد إبراهيم نقد ، بعد كل هذه السنين من الإلتزام ، والاختفاء ، بعجزه عن حل مشاكل حزبه ، اعتراف لا تزينه فضيلة التواضع ، لأنه خال تماماً من الصدق .. وإلا لتنحى نقد عن زعامة الحزب التاريخية ، وأعطى الفرصة لمن يأنس في نفسه الكفاءة ، لحل هذه المشاكل ، والإسهام في حل مشاكل الوطن ..

أما السيد الصادق المهدي فكل همه - كما هي عادته- ان يستغل الأزمة التي تمر بها البلاد ، ليجد السبيل ممهداً للسلطة ، لذلك أصر على أن حل الأزمة ، هو تكوين حكومة قومية جامعة ، بدلاً عن الشريكين ، يظن انه سيكون رئيسها !! ولا حاجة للتعليق على مبلغ سطحية تصريحات السيد الصادق ، ذلك ان المؤتمر الوطني ، وقد ضاق بشريك واحد ، لا يمكن ان يقبل بعدة شركاء ..

وحتى الاتحادي الديمقراطي ، الذي كانت مواقفه أفضل من حزب الأمة ، فقد بدا في هذه الأزمة متخبطاً مثله .. فقد جاء ( وجه الأمين العام للحزب الاتحادي بالإنابة فتح الرحمن شيلا انتقادات قاسية إلى الحركة الشعبية واعتبر أزمتها الحالية مع المؤتمر الوطني نتاج طبيعي لانفرادها بالشراكة في الحكم وتعمد تجاهل وعزل حلفائها السابقين .... مزيحاً الستار عن تحريض بعض الجهات –لم يسمها- للتجمع والحزب الاتحادي لمغادرة الحكومة أسوة بالحركة لكنه أكد ان الاتحادي لن ينحاز في الأزمة الحالية الا لمصلحة الوطن ، وأردف لن نكون تبعاً للحركة ...) (الحدث 16/11/2007م) .. إن الحركة لم تنفرد بالشراكة في الحكم ، بدليل مشاركة الأعضاء من الاتحادي ، الذين أشار شيلا بأنهم لن يخرجوا من الحكومة بخروج الحركة !! وهؤلاء كان يجب أن يخرجوا من الحكومة ، لا تقليداً وإتباعا للحركة ، وإنما لأن الحكومة لم تطبق الاتفاقية التي شاركوا بموجبها في السلطة ، اللهم إلا إذا كانت الكراسي لا المبادئ هي همهم .. وبعد تصريحات شيلا ، وهجومه على الحركة الشعبية ، الذي يشبه تماماً تصريحات ، وهجوم المؤتمر الوطني ، قرأنا قرار التجمع بالوقوف الى جانب الحركة !! ثم تصريح نائب رئيس التجمع ، ووزير التقانة بالحكومة ، عبد الرحمن سعيد الذي نقله عنه نائب رئيس الجمهورية ،والذي اعتبر الوقوف بجانب الحركة ،لا يمثل رأي التجمع !! ولم نسمع من السيد محمد عثمان الميرغني ، تأييداً لشيلا ، أو لعبد الرحمن سعيد ، ومن ثم ظل موقف الاتحادي على ضعفه غامضاً ..
المخادعون :

في مؤتمره الصحفي ، الذي عقده لتوضيح وجهة نظر الحكومة ، قال الأستاذ على عثمان نائب رئيس الجمهورية ( والسؤال الآن لو ان هذا الموقف الذي اتخذته الحركة الشعبية كان من باب الحرص على المواطن في جنوب السودان الذي لم يجد بعض حظه أو إجابة على الأسئلة المطروحة عن الحصاد الذي يجنيه بعد عامين من تطبيق اتفاق السلام في خدماته الأساسية وفي أوضاعه الأمنية وفي حرياته السياسية ...) (الحدث 22/10/2007م) .. ومعلوم ان حكومة الجنوب ، لم تتحصل على حصتها من عائدات البترول ، بمجرد قيامها ، وإنما بعد إلحاح متصل ، وفي منتصف السنة الثانية .. ومعلوم أيضا ، ان الجنوب قد كان أرض المعركة ، طيلة سنوات الحرب ، مما دمر بنيته التحتية ، وقضى على الطرق ، وزرع الألغام ، التي تعيق الزراعة والرعي ، وتحد من حركة المواطنين .. فهل كان متوقع من حكومة الجنوب ، أن تصلح البنية التحتية ، وتشق الطرق والقنوات ، وتجني عائدات التنمية ، فيتحسن وضع المواطن ، ويستوعب كل العائدين من النازحين واللاجئين ، الذين شردتهم الحرب ، وتتحقق الديمقراطية ، في هذه الشهور، التي استلمت فيها حصتها من عائدات البترول ؟! هل كان ذلك ، يمكن ان يحدث ، حتى لو أنها استلمت حصتها ، في نفس يوم توقيع الاتفاقية ؟!

إن السؤال الحقيقي هو : إن حكومة الإنقاذ قد حكمت منذ عام 1989م ، ولقد بدأت تستلم عائدات البترول منذ عام 1999م ، فلماذا عجزت في 18 عام ان تطبق في الشمال ، التنمية ، والديمقراطية ، التي تطالب حكومة الجنوب ان تطبقها في عامين فقط ؟!

سئل د. أمين حسن عمر، المدير العام للهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون ، عن إعتراض السيد رئيس الجمهورية ،على مرشحي الحركة الشعبية من الوزراء ، وهل لديه حق الفيتو ، على الإتفاقية ، فقال ( الرئيس لديه الحق بالعرف المعمول به في كل الدنيا ان يعترض على أي وزير يعتقد انه غير مناسب وكيف يستقيم ان يأتي كل حزب بمجموعته وفق هواه . ومن ثم يصبح هذا الجمع حكومة والاتفاقية عندما تحدثت عن تشكيل الحكومة بالتشاور كانت تعني هذا )( الحدث21/10/2007 )
أليس هذا محض التواء ؟؟ لماذا يترك الرئيس الاتفاقية التي وقّع عليها ، وهو مسئول عنها ديناً وقانوناً ، ويتبع العرف الذي تعمل به دول أخرى ، لم توقع مثله على اتفاق محدد ؟! ثم هل تظن الحركة الشعبية ، أن الوزراء الذين اختارهم المؤتمر الوطني ليمثلوه ، مناسبين ، أم تعتقد انه قد أتى بهم (وفق هواه) ومع ذلك قبلت بهم ، احتراماً للاتفاقية ؟

إن تصريح د. أمين حسن عمر، بالإضافة الى تعمده الخداع ، يفتقر إلى المعرفة بالديمقراطيه والنظام التعددي ، الذي يختار فيه كل حزب ممثليه ، حسب رغبته، وخلافاً لرغبة الحزب الآخر ، ومع ذلك ، يمكن أن تكون الحكومة منسجمة ، ومتماسكة ، وفعالة ، لأنها مقيدة بالدستور ومتفقة على مصلحة البلد .. واتفاقية السلام ، قد نصت على تكوين الحكومة بالتشاور، ولكنها احتاطت لتغول الحكومة على شريكها ، لهذا لم تعط الرئيس الحق في الاعتراض على وزراء الحركة ، من هنا اعتبر اعتراضه خرقاً للاتفاقية ، وتعدي على حقوق شريكه ..

ولم يكن من المعقول ، ولا من المقبول ، أن ترضى الحركة بمثل هذا التغول السافر، الذي يلغي وجودها في السلطة .. ولقد تنبه السيد الرئيس لذلك ، فقبل المذكرة ، وقام بتعيين الوزراء المقترحين ، فاستجاب للمجموعة الواعية من مستشاريه .. ولكن المذكرة، كانت تحوي مطالب أخرى ، تعتمد أيضاً على الاتفاقية ، لم تتم الاستجابة لها ، أو التعليق عليها ، مما يبرر تجميد الحركة لنشاطها داخل الحكومة ، كتعبير حضاري ،عن عدم الموافقة على إهمال مطالبهم الدستورية ، والتي تتفق مع ما جاء في الاتفاقية .

فهل يمكن لحكومة الوحدة الوطنية ، ان تستمر بدون الحركة الشعبية ، ولو تظاهرت بان غيابها لن يؤثر ؟! إن غياب الحركة الشعبية ، يرجع الحكومة إلى عهد حكومة الإنقاذ ، التي تمثل حزب واحد ، يطرح طرحاً متشدداً ، غير مقبول داخلياً ، وإقليميا ، ودولياً .. وليس من مصلحة الحكومة أن تتبع الجناح المتطرف ، الذي يدفعها في هذا الاتجاه .. فإذا كان المجتمع الدولي يشك في تورطها في جرائم دافور ، والقوات الأفريقية تظن أنهم متورطة في جريمة حسكنيته ، والفصائل المحاربة في دارفور تنظر إلى رعايتها لاتفاقها مع الحركة ، كنموذج يمكن ان تطبقه معها ، فليس من مصلحة الحكومة انتهاز تجميد الحركة لنشاطها ، للاستيلاء على كل السلطة ، في انقلاب على الشرعية ، التي ارتضتها كل الأطراف ، والتي لا يمكن أن تمثل بغير الدستور الانتقالي ، واتفاقية السلام الشامل التي لا تقوم بغياب احد أطرافها ..ود. أمين حسن عمر، باعتباره المسئول عن الإذاعة والتلفزيون ، ماذا فعل وفقاً للإتفاقية في حدود صلاحياته ؟ أليست هذه أجهزة قومية ؟ لماذا لا تزال محتكرة ، ومستغلة للدعاية لحزب المؤتمر الوطني ، دون سائر الأحزاب ؟ لماذا تقوم كل البرامج ، على طرح الرؤية الدينية المتخلفة ، التي يتبناها المؤتمر الوطني دون سواه .. ولماذا غيبت الحركة الشعبية ، وفكرها وثقافتها ، ورؤاها ، من أجهزة الإعلام القومية ، واستغلت هذه الأجهزة ، مع قرب الانتخابات للدعاية للمؤتمر الوطني ؟!

لقد ألقت الحركة الشعبية حجراً ، في بركة السياسة السودانية الآسنة ، الراكدة ، فحركتها .. وهذا في حد ذاته ، عمل عظيم ، يضاف إلى مواقفها المشرفة .. ولقد أظهرت بهذا الموقف، قصر قامة القادة السياسيين، في الحكومة وفي المعارضة .. وأكدت بذلك ، مقولتين شهيرتين للاستاذ محمود محمد طه أولهما ، قيلت في مطلع الخمسينات ، وهي : ( حل مشكلة الجنوب ، في حل مشكلة الشمال ) !! والثانية قيلت في منتصف الستينات ، وهي : ( الشعب السوداني شعب عملاق ، يتقدمه أقزام ) !!

د. عمر القراي