الأربعاء، 19 أغسطس، 2009

محاكم التفتيش !!


محاكم التفتيش !!
منع من النشر
د.عمر القرايٍ
في عهود الظلام والقهر والاستبداد والعجز الفكري والخلقي نشأت محاكم التفتيش في أوربا في القرون الوسطى وكانت باسم الدين المسيحي تنتهك الحريات وتقتل وتسجن الأبرياء وتحرق وتصادر الكتب في مواجهة للفكر بالبطش وللرأي بالقهر وللكلمة بالمقصلة .. ولقد مرت حقب طويلة على البشرية وهي تعاني في كل بلد من أنموذج من نماذج محاكم التفتيش .. ولقد خلد التاريخ أسماء العلماء والفلاسفة والمفكرين والأدباء الشرفاء الذين كانوا ضحايا محاكم التفتيش ولم يحفظ لنا اسم أي قزم من رجال الدين أو رجال الأمن أو الجنود الذين كانوا يبطشون بالأحرار ويمارسون تعذيبهم ويهللون فرحاً للنيران وهي تلتهم الكتب وتقضي على المعرفة ..
لقد نقلت الصحف فشل معرض الكتاب في معرض الخرطوم الدولي ، وعزى بعضهم ذلك لإدارته وتنظيمه والإعداد له ، وعندنا ان الفشل الحقيقي والفضيحة الكبرى تمثلت في مصادرة أفكار الأستاذ محمود محمد طه في محاولة مدبرة تستهدف الإصرار على حجب الفكر الجمهوري عن المواطنين .. ولسائل أن يسأل لماذا تصادر أفكار الجمهوريين بينما غيرهم من الأحزاب والمنظمات والجماعات تقيم نشاطها علناً في دورها وتحت سمع وبصر السلطة وقد تنقد الحكومة وحزبها وسياساتها بأكثر مما يفعل الجمهوريون ؟!
للجمهوريين الحق في التعبير عن أفكارهم بحكم القانون والدستور:
وربما ظن أحد المسئولين في جهاز الأمن أو احد السياسيين الموجهين لهذه الأجهزة أن الفكر الجمهوري فكر ممنوع بحكم قضائي وان آخر ما صدر في حقه هو قرار محكمة الاستئناف الذي قضى بإعدام الأستاذ محمود ومصادرة فكره في يناير 1985م !! فإذا صح ذلك فانه جهل مطبق لا يؤهل صاحبه لأن يكون مسئولاً حتى عن نفسه دع عنك أن يكون مسئولاً عن أمن هذا البلد .. وذلك لأن الحكم الجائر الذي قضى به قضاة الرئيس المخلوع قد تم إبطاله تماماً بواسطة المحكمة العليا الدائرة الدستورية ، بل أن النائب العام الذي يمثل الاتهام قد أودع رده على مذكرة الدفاع كتابة يوم 20/4/1986م وجاء فيه ( 1- نعترف بان المحاكمة لم تكن عادلة ولم تتقيد بإجراءات القانون . 2- إن المحاكمة إجهاض كامل للعدالة والقانون . 3- لا نرغب في الدفاع إطلاقا عن تلك المحاكمة ) .. ولقد جاء في حيثيات ذلك الحكم التاريخي (على انه يجمل القول ، ومهما كان وجه الرأي فيما يتعلق بتلك العيوب ، انه يبين من مطالعة إجراءات محكمة الاستئناف الجنائية تلك ، انها انتهجت نهجاً غير مألوف وأسلوبا يغلب عليه التحامل مما جعل الاطمئنان الى عدالة حكمها أمراً غير ميسور وعرضة للمعايير السياسية التي لا شأن لها بالأحكام القضائية ) ويمضي ليقول ( على أن محكمة الاستئناف ، وفيما نوهنا به ، اشتطت في ممارستها سلطتها على نحو يستحيل معه الوصول إلى حكم عادل تسنده الوقائع الثابتة وفقاً لمقتضيات القانون . ويبين ذلك جلياً بما استهلت به المحكمة حكمها حين قالت " ثبت لدى محكمة الموضوع من أقوال المتهمين ومن المستند المعروض أمامها وهو عبارة عن منشور صادر من الأخوان الجمهوريين أو المتهمين يدعون فهماً جديداً للإسلام غير الذي عليه المسلمون اليوم ..الخ " وبمراجعة المستند المشار إليه وأقوال المتهمين التي أدلوا بها أمام المحكمة الجنائية لا نجد سنداً لهذه النتيجة الخطيرة التي نفذت إليها محكمة الاستئناف مما يكشف عن حقيقة واضحة هي ان المحكمة قد قررت منذ البداية أن تتصدى بحكمها لفكر المتهمين وليس لما طرح أمامها من إجراءات قامت على مواد محددة في قانون العقوبات وأمن الدولة وأدى إلى تحريكها صدور منشور محرر في عبارات واضحة لا تقبل كثيراً من التأويل ..... ولعلنا لا نكون في حاجة إلى الاستطراد كثيراً في وصف هذا الحكم ] حكم محكمة المكاشفي[ فقد تجاوز كل قيم العدالة سواء ما كان منها موروثاً ومتعارفاً عليه ، أو ما حرصت قوانين الإجراءات الجنائية المتعاقبة على النص عليها صراحة ، أو انطوى عليه دستور 1973م الملغي رغم ما يحيط به من جدل ...) إلى أن ليقول ( ولم تكتف المحكمة في مغالاتها بهذا القدر وإنما تعدته إلى الاستدلال بقرارات وآراء جهات لا سند في القانون للحجية التي أضفتها المحكمة على إصداراتها) .. ولقد خلصت المحكمة بعد حيثيات مطولة مرصودة في مجلة الأحكام القضائية إلى ( وعلى هدى من ذلك تقرر هذه الدائرة ما يلي : إعلان إبطال الحكم الصادر في حق المواطنين محمود محمد طه والمدعي الثاني في هذه الدعوى من المحكمة الجنائية ومحكمة الاستئناف ......) .. فإذا كان هذا هو الوضع القانوني الذي صدر عن أعلى سلطة قضائية في البلاد وهو يبرئ الأستاذ محمود من تهمة الردّة وكل التهم تحت طائلة أمن الدولة ويبرئ من ثم فكره من المصادرة فلماذا أصر رجال الأمن على مصادرة هذا الفكر خلافاً لرأي القضاء الذي يجب أن يحترم في دولة القانون ؟!
أما دستور جمهورية السودان الانتقالي لعام 2005م فقد نص في المادة (1) على التالي( جمهورية السودان دولة مستقلة ذات سيادة ، وهي دولة ديمقراطية لا مركزية تتعدد فيها الثقافات واللغات وتتعايش فيها العناصر والأعراق والأديان ) وجاء في المادة (6) (تحترم الدولة الحقوق الدينية التالية : (أ) العبادة والتجمع وفقاً لشعائر أي دين أو معتقد ، وإنشاء أماكن لتلك الأغراض والمحافظة عليها (د) كتابة وإصدار وتوزيع المطبوعات الدينية ). فلو أن الجمهوريين يدعون إلى دين أو معتقد مختلف من الإسلام لحق لهم وفق الدستور أن يمارسوا شعائرهم ويطبعوا ويوزعوا كتبهم ونشراتهم ، دون ان يكون لجهاز الأمن او أي جهاز آخر حق مصادرة هذه الكتب .. فكيف يكون الحال وهم يدعون الى الإسلام بل الى الفهم الصحيح له ..
حادثة ود البخيت :
لقد بلغت الجرأة برجال الأمن أن يصادروا معرض كتاب ولوحات معلقة بها مقتطفات من مؤلفات الأستاذ محمود من داخل منزل مواطن بقرية ود البخيت في ضواحي أمدرمان !! إن المهندس عبد الله فضل الله لم يعلن عن معرضه في الإذاعة والتلفزيون ولم يعلقه في الساحة المجاورة لبيته بل وضع الكتب واللوحات داخل صالون البيت وعلق اللوحات على الجدران ومع ذلك اقتحم رجال الأمن المنزل واعتقلوا الأخ عبد الله لمدة 5 أيام واجبروه على التردد لجهاز الأمن لأسبوعين بعد ذلك .. ولقد تم في ذلك الاقتحام مصادرة حوالي 300 كتاب و80 لوحة كبيرة وكمبيوتر شخصي .. وقد يقول قائل ان هذا الظلم قد حدث قبل اتفاقية السلام لأنه جرى في عام 2003م ، ولكن الأخ عبد الله قد رفع عرائض يطالب فيها بان ترد له ممتلكاته بعد اتفاقية السلام وفي ظل الدستور الانتقالي الحالي دون جدوى ..
إن الرسالة التي اوصلها رجال الأمن هؤلاء لكل أهل عبد الله وجيرانه هي أن المواطن ليس آمناً داخل بيته ولقد درج الناس على الاحتياط للحرامية الذين يتسورون البيوت ليلاً ليسرقوا أموالهم وحليهم فعليهم الآن أن يحتاطوا لنوع آخر من السلب والنهب لا يقوم به الحرامية وإنما يقوم به رجال واجبهم هو حماية المواطنين والحفاظ على أمنهم !!
إن الوضع الجديد الذي تعيشه البلاد وترفض مجموعة من رجال الأمن عملياً الاعتراف به هو حكومة الوحدة الوطنية التي قامت على أساس اتفاقية نيفاشا والدستور الانتقالي لعام 2005م ولقد جعل هذا الدستور الشرعة الدولية لحقوق الإنسان مرجعاً أساسيا من مراجعه .. ولقد حوت كافة مواثيق حقوق الإنسان التي تضمنتها الشرعة الدولية حق المواطنين في التعبير عن آرائهم وأفكارهم ومعتقداتهم بكافة الوسائل ما داموا يفعلون ذلك بصورة سلمية وحضارية .. وطوال حركة الجمهوريين لم يحدث ان اتهمهم جهاز الأمن بمؤامرة تخريبية أو تهمة لها علاقة بأي مستوى من العنف فلماذا يمنعون فكراً يسنده سلوك رصين من الخلق الذي يتجافى عن كل ما يضر بالآخرين ؟!
إن جهاز الأمن من حيث هو جهاز متخصص هدفه حماية أمن الدولة ليس لديه مشكلة مع الجمهوريين ولكن جماعة الإسلام السياسي خصوم تقليديون للفكر الجمهوري وقد جربوا الحوار معه لفترات طويلة وخرجوا من كل تلك الحوارات بخسائر لا يودون تكرارها فهم يخشون على قاعدتهم من الفكر الجمهوري ولذلك لا يريدون له أن يرى النور .. ولما كانت حكومة الإنقاذ فرصة تسلقوا فيها إلى مفاصل السلطة فقد افلحوا في تسييس جهاز الأمن وتسخيره بإمكانيات الحكومة وأموال دافع الضرائب لمواجهة الأفكار التي يخشون مواجهتها في منابر حرة يستمع إليها الشعب لمصادرتها وكتمانها دون ان يكون الشعب أو منظمات حقوق الإنسان العالمية على علم بذلك ، وما مصادرة الكتب والمعارض والغاء الندوات الا خطوات في هذا الطريق الشاذ الذي لا ينسجم مع التوجه العام للحكومة ..
توجهات الحكومة :
لقد وجدت دعوة جمع الصف الوطني ترحيباً وتقديراً من السيد رئيس الجمهورية ، ولقد أبدى سيادته رحابة صدر مشهودة في تقبل كل المخالفين بل انه في إحدى تلك اللقاءات نقلت عنه الصحف سؤاله للسيد السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني عن موعد انعقاد مؤتمر الحزب وإبداء الرغبة في حضوره !! ان هذا الروح الطيب بقبول الخلاف والتصريحات المتكررة من الإصرار على تنفيذ اتفاقية السلام والالتزام بالدستور والتحول الديمقراطي ومحاولة إشاعة روح المصالحة الوطنية بين الحكومة وكافة التنظيمات ومختلف الجماعات ومخاطبة مؤتمر الحوار الإسلامي المسيحي لتجاوز التعصب والتكفير مما ظهر من رئاسة الجمهورية في الآونة الأخيرة ليتناقض تناقضاً سافراً مع ما يقوم به جهاز الأمن من مصادرة كتب الجمهوريين ومعارضهم وإلغاء ندواتهم العامة ومحاضراتهم .. ونحن هنا لا نقدم رجاء للسيد رئيس الجمهورية وإنما نطالب بحق الجمهوريين في ان يعاملوا كما تعامل الأحزاب والجماعات الأخرى وان ترد إليهم الكتب التي صودرت منهم بغير وجه حق ويسمح لهم بممارسة حقهم الطبيعي في التعبير عن أفكارهم .. هذا وستظل مقدرة الإسلاميين من مسئولين وغير مسئولين على إنصاف الجمهوريين المحك الحقيقي لقياس صدقهم تجاه الديمقراطية والحريات كما أن المنع والمصادرة والقهر ستؤخذ مؤشرات على التراجع من المواثيق الدولية والاتفاقيات المحلية ثم إنها في نهاية المطاف لا يمكن أن تقضي على الفكر .

د. عمر القراي