الأحد، 9 أغسطس، 2009

مديح الظل العالي


أفق بعيد
مديح الظل العالي
فيصل محمد صالح

منع من النشر


يتجه كثير من الناس لقراءة ومعرفة ردود الفعل على حدث ما، ومساءلة هذه الردود ومحاسبتها وتجريمها أحيانا، دون أن يراجعوا الأفعال نفسها ويقيسوها بمقاييس العالم ليعرفوا حقيقة حجمها وما إذا كانت تستحق ردود الفعل هذه أم لا؟
وفي قضية الزميلة الصحفية لبنى أحمد حسين فعل البعض هذا، ورغما أن فيهم من لا يعجبه العجب، وهو لا يتخذ مواقف أصلا إلا مع اتجاه الريح، ولا تهمه الإجابات بقدر ما يهمه إثارة الغبار والأسئلة، إلا أن بعض من كتب وتساءل يستحق الرد. وكان مجمل تساؤلهم هو لماذا الاهتمام بهذه القضية؟
بدأت الحادثة بفعل رجال جهة شرطية معينة، يتصرفون على أساس أنهم ينفذون فانون ساري في البلد، وكان ضحية هذا التصرف 13 امرأة شابة من بينهن الصحفية لبنى أحمد حسين. قبلت بعض الفتيات بالحكم الإيجازي الصادر بجلدهن، لأسباب متعددة لكنها معروفة، بينما رفضت لبنى هذا الحكم وقبلت بالاحتكام للقضاء للفصل في القضية.
دفوعات لبنى تقوم على أساسين قويين، الأول إنها حقيقة كانت ترتدي ملابس عادية بكل المقاييس، وتشابه ملابس ترتديها نساء كثيرات في بلادنا وفي بلاد الدنيا الأخرى، ولا يمكن وصفها بالزي الفاضح، الشئ الثاني أنها تعتقد، ويشاركها في ذلك كثيرون، إن المادة 152 من القانون الجنائي السوداني تتناقض مع الدستور في كثير من مواده.
مجرد وجود امرأة أو فتاة سودانية في قضية مثل هذه إشكالية كبيرة، خاصة ونحن ما زلنا في مرحلة المجتمع التقليدي بكل صفاته. وليس غريبا أن بعض الفتيات قبلن بالجلد المصاحب للصمت والسكوت عن التشهير الاجتماعي، لأنه بالنسبة لهن اخف من مواجهة أسرة ومجتمع قد لا تقبل ارتباط الفتاة بمثل هذه القضايا. وغالبا لا يتسع صدر وفهم هذه الأسر ومجتمعها لتفاصيل ما حدث، بل سيتم اختصار الموضوع اجتماعيا في عبارة بغيضة سيئة السمعة "كشة". تشتري البنت صمت المجتمع عنها بأربعين جلدة على جسدها، تبتلع المهانة والشعور بالذل وقلة الحيلة، ثم تذهب لمنزلها كسيرة ومشوهة الدواخل.
ولان لكل زمان ناسه ورجاله ونساؤه، يقيض الله كل مرة شخص ما يقرران يتحمل أعباء العمل العام على كاهله، أن يدفع ضريبة ما يؤمن به أو بحتمية تغييره، مهما كان هذا الثمن. وقد كانت لبنى احمد حسين هي من قبل ان يتحمل تبعات هذتا الدور، صحيح أنها صحفية معروفة ومشهورة، ولكن هل في هذا ما يعيبها ..أم أنه يحمد لها. ثم أنها تجاوزت شخصها وما لحق به، وقد كان من الممكن أن تقبل الحلول الوسط، وحولتها لقضية رأي عام وللدفاع عن حق المرأة وكرامتها وإنسانيتها التي تهدرها بعض الممارسات والقوانين، فأين العيب في هذا.
أما اغرب الأشياء فهو التساؤل :لم هذه الضجة؟ والغرابة، كما قلت لصحفي نابه من الزميلة "الأحداث" استطلعني في الأمر قبل يومين " إنهم بعد أن صادروا أشياء كثيرة يريدون مصادرة حق الدهشة"! هل المطلوب أن نرى كل هذا يحدث أمامنا ولا نندهش حتى؟!