الأربعاء، 10 يونيو، 2009

صنعاء وطول السفر بين الخرطرطوم، واديس، واسمرا.. حذفته الرقابة الامنية من النسخة الورقية



صنعاء وطول السفر بين الخرطرطوم، واديس، واسمرا.. حذفته الرقابة الامنية من النسخة الورقية
فائز السليك

يروى في الستيينيات عن المصريين: أنهم سخروا من حِلْف أعلنه الرئيس الراحل (جمال عبد الناصر) مع اليمن الديمقراطية، وكوباـ فيدل كاستروا، فأطلقوا على ذلك الحلف (مصر ، يمن ، كوبا بقولهم: مصر يامنكوبة) في إشارة الى عدم جودى الحلف وفاعليته، وهو لا يعدو أن يكون سوى حلف للشعارات السياسية، وهو ما يمكن أن ينطبق على حلف صنعاء، الذي بدأ قبل يومين اجتماعاته في الحرطوم على مستوى اللجان المشتركة، واللجان الوزارية في هدوء وصمت، "علا عليه" هتاف الناس في شوارع الخرطوم من أجل نصرة غزة، على طريقة أضعف الإيمان التي اشتهرت بها شوارع المنطقة ، وربما مصدر الهدوء نابع من حصول التغيرات السياسية في المنطقة، وتراجع أجندة مهندسي الحلف في الخرطوم، بعد أن طبَّعوا العلاقات مع ـ أسمرا. [المستهدف الأساسي من هذا التجمع].
وحلف صنعاء المُكَوَّن من دول ـ السودان، واليمن، واثيوبيا، ثم جيبوتي، أُسِّس اصلاً لفرض حصار على دولة" اريتريا" التي كانت وقتها ، [اى في مرحلة تشكيل الحلف] في حالة عداء مع دول المحور الثلاث، التي سارعت الى تشكيل طوق لحصار الدولة الصغيرة، تطويقها من الجنوب ، والغرب، والشرق، والشمال اقتصادياً ، ودبلوماسياً، مع تنسيق أمني، وعسكري. كانت كل دولة من الدول الثلاث أكثر احتياجاً له.
فاثيوبياـ من جهتها حولت حربها الحدودية التي انلعت في الفترة من مايو 1998 الى يونيو 2000 من نزاع مسلح الى حرب استنزاف. في سياق وضع اللاحرب، واللاسلم. واستحدام سياسة النفَس الطويل، باعتبار أّن اريتريا دولة فقيرة اقتصادياً، قليلة السكان، شحيحة القدرات المادية، وبالتالي فان استمرار هذه السياسة ربما يخلق حالة تضجر، وتململ على المدى الطويل. وان تلك الحالة ستتحول الى تمرد، ومشاكل داخل اريتريا، و" الجبهة الشعبية" الحاكمة، وجيشها ، وان الاوضاع ستؤدي الى الإطاحة بحكومة الرئيس ـ اساياس افورقي.
اما الحكومة السودانية؛ فانها ترى في اسمرا وافورقي بعبعاً مخيفاً، ومصدر رعب وقلاقل لا تنتهي بدعم المتمردين في طيِّب الذكر (التجمع الوطني الديمقراطي)، وفي الشرق، وفي دارفور ، و كان وقتها من مصلحة الحكومة ذات التوجهات الاصولية، وهذا التوصيف هو ما قاد الى الخصومة بين الخرطوم واسمرا منذ التسعينات. حيث اتَّهم" افورقي" حكومة البشير بدعم جماعات اسلامية في اطار المشروع الحضاري. والقيام بعمليات تخريب على طول الشريط الحدودي المشترك بين اقاليم، القاش بركة، وعنسبا، وشمال البحر الاحمر، في اريتريا. مع الشريط الغربي الموازي في السودان، والذي يشمل ولايات البحر الاحمر، وكسلا، والقضارف. وتعاملت اسمرا مع المسألة بعنف الثوار، وألَق المنتصرين الجدد، في حرب امتدَّ ت ثلاثين عاماً، مع جارتهاـ اديس ابابا، فاغلقت السفارة السودانية وسلمتها الى المعارضة المسلحة التي انطلقت من الشرق ضد الخرطوم.
اما اليمن ـ فان تداعيات حرب جزر حنيش الخاطفة في منتصف التسعينات، واصدار قرار دولي، مَنَح صنعاء جزءًا كبيراً من الجزر، واسمرا حق الصيد في مياه الجزر، القت بظلالها. بسبب سوء تفسير القرار الدولي، وموقف القرار من استغلال اليمن للمياه الاريترية في الصيد. مما ادى إلى ازمة الصيادين والمراكب التي امتدت سنوات .
لكل تلك الحيثيات التقت مصالح، (على عبد الله صالح، ومليس زناوي، وعمر البشير، ليتلقوا في صنعاء ، ومن ثم تشكيل حلف ثلاثي .
لكن هل حقق الحلف اغراضه السياسية والافتصادية؟. كان البعض يأمل بان يركز مثل هذا الحلف وفقاً لاهدافه على التبادل التجاري، من خلال دعم تجارة الحدود بين السودان واثيوبيا، وتشجيع التبادل مع اليمن، من خلال الغاء الرسوم الجمركية، وكل الاجراءات المقيدة لحرية البضائع والناس بين تلك البلدان، بما في ذلك الغاء تأشيرات الدخول، ومنح الامتيازات في مجال الاستثمار في البلدان الثلاث على ان يشمل الحلف ـ جيبوتي، والصومال. وتُرِك الباب موراباً لاريتريا ، ومن ثم السير في تنفيذ الاهداف السياسية. الا ان المحصلة لم تكن في مصلحة شعوب البلدان الثلاث، ولم يجن الثمار احد، طوال بضع سنوات ـ هى عمر التحالف الثلاثي.
اما على المستوى السياسي، فقد جرت الامور على عكس ما كان يريد قادة الحلف، فالهدوء وصم العلاقة بين اسمرا وصنعاء ، والاختراق في جدار الخصومة بين السودان واريتريا صار كبيراً، حيث تستمر الجولات المكوكية بين مسؤولي البلدين شرقاً وغرباً. ومن جانبه اصرَّ اساياس افورقي على ان " النظام الاثيوبي كان يحاول توظيف الحلف لمصلحة اديس ابابا. وان صنعاء كانت صادقة في فتح ابواب الحلف وضم اسمرا الى التحالف، بغرض تحقيق اهداف اقتصادية وتجارية وامنية على البحر الاحمر والقرن الافريقي، وان الخرطوم ايقنت بضرورة شراكة مع اسمرا في كل التجمعات والمحافل الاقليمية والدولية". وربما يقصد افورقي بذلك قضايا محاربة الارهاب واختلاف المفاهيم، مع الغرب، وقضية الصومال، وقضية القوات الدولية في دارفور.
لكن هل معنى هذا ان حلف صنعاء قد حررت له شهادة الوفاة.؟. وما الذي سيجمع السودان مع اريتريا واليمن؟. وهل ستبقى اثيوبيا بعيدة عن الملفات المشتركة؟.. ان اول نقاط التقاء الخرطوم وصنعاء مع اسمرا هى الملف الصومالي. وهو ملف يباعد المسافة مع اديس ابابا. حيث تتخوف الزهرة الجديدة" من نمو التيارات الاسلامية في مقديشو ، وقد بدأ ذلك ببروز تيار المحاكم الشرعية، وسيطرته على اجزاء واسعة في الصومال، في وقت كانت فيه اثيوبيا تتحدث عن جماعات الاتحاد الاسلامي، ونشاط خلايا القاعدة في البلاد، التي فقدت الدولة منذ امد طويل، وغابت عنها الهيبة، وعشعشت فيها الفوضى.
ويجد الموقف الاثيوبي دعماً من قبل ـ الولايات المتحدة الاميركية ـ التي تتَّخذ من سواحل" حيبوتي" القريبة قاعدة لقيادة المنطقة الوسطى، فوق مياه البحر الاحمر. لمطاردة ما تعتبرهم " عناصر ارهابية". وبالبطع فان الموقف الاثيوبي يتناقض تماما مع الموقف السوداني واليمني في قضية الجماعات الاسلامية، ومفهوم الارهاب العالمي، وكان ان تطابق الموقف الاريتري مع مواقف الدولتين.
اما الموقف الثاني ـ فهو موقف القوات الدولية في دارفور، حيث تتفق العواصم الثلاث على رفض نشر قوات دولية في الاقليم المضطرب. وهو موقف داعم للرئيس البشير، وربما يدفعه نحو تقديم تنازلات في مفاوضات الشرق التي تحتضنها اسمرا، وفي قضية التفاوض مع " جبهة الخلاص الوطني" حول دارفور لضمان عدم تغيير الموقف الاريتري في حال اشتداد ازمة القوات الدولية، والمواجهة مع المجتمع الدولي، في حرب يفترض ان تكون المياه الاريترية في البحر الاحمر ساحة لحركة البوارج وقواعد لانطلاق الصواريخ الاميركية نحو السودان.
ورغم مضي ست سنوات على قيام الحلف لم يلحظ أهل القرن الأفريقي جديداً، بل أن التكتيكات والتقاطعات السياسية، وسباق المصالح غلب على القضايا الاستراتيجية، وهو ما لم يتوقع التركيز عليه من قبل أنظمة مأزومة تعمل (برزق اليوم باليوم) ، برغم أن القواسم المشتركة بين دول المنطقة بما فيها البحر الأحمر هي أكثر من ما يفرق بين الناس البؤساء والفقراء في كل دول المنطقة، فهل من قراءة جديدة توظف الحلف لصالح السكان؟. وهو ما يتطلب العمل على فتح الحدود وحرية الحركة والتجارة، ودعم التقارب الثقافي والعرقي من خلال التبادل الثقافي والقوافل التي تجوب العواصم والضواحي .

ليت الحلف يعبر،! طالما أنه ـ عند السياسة . تتكسر أعتى الخصومات ، مثلما تموت اقوى الصداقات لتبقى المصالح هى صاحبة الكفة المرجحة في معادلة العلاقات الدولية