الأربعاء، 10 يونيو، 2009

حزمة شعاع علي قبر الشهيد علي فضل (نزعته الرقابة)


حزمة شعاع علي قبر الشهيد علي فضل (نزعته الرقابة)


د. صلاح ادريس
عندما نحاول الكتابة عن الشهيد د.على فضل فى ذكراه فأننا ننتقل من خصوصية الحدث والسياق الخصوصى له لنطابق بينه وبين المنهج العام للحدث نفسه ( انتقال حالة استشهاد د.على فضل من قضية تهم أسرة الشهيد الى قضية عامة تهم كل أفراد المجتمع السودانى) بأعتبارها حدثا يخرج عن الاخلاق والعرف والتقاليد المجتمعية و القوانين لتصل بها لتصبح جريمة قتل مع سبق الاصرار والترصد . هذا التطابق ينقل الحالة من خصوصيتها الفردية ورفضها لتصل وتعانق كل قضايا القهر و التعذيب و القتل والابادة التى حدثت فى تاريخنا وتحدث الآن على أرض هذا الوطن.تقول كلمات الطبيب الجراح يصف فيها جسد الشهيد المسجى أمامه :( لم يكن ما رأيته هو حال معتقل سياسى مريض بحمى الملاريا كما يدعون... بل هى حالة مشرد بائس جىء به من زاوية الطريق بعد أن انتهكت حرمة جسده بما يفوق الوصف ، لقد كانت حالة هذا الطبيب السودانى مزرية و مؤلمة، وأننى مستعد أن أشهد بذلك فى أى تحقيق جنائى يتم ) .سجلوا على جسده شهادة جبنهم ثم بصموا بحقدهم الدفين على كل مساحات جسده الطاهر....

وفى عينيه عصف الكبرياء، هزم جلاديه بمزيد من الصمود والابتسامة ، ما بين صموده الاسطورى ولحظة استشهاده البطولى هى ما عبر عنه دانتون فى حول شروط الانتصار الثورى : الجسارة، الجسارة، ثم المزيد من الجسارة ، وحقا كم كنت جسورا يا على .
و للحقيقة وللتاريخ كان صمود الشهيد على فضل أمام ماكينة التعذيب المنظم والمستمرهو الارضية الاساسية والنقطة المضيئة والالهام الذى ولد تماسكا للنفوس وشحذا للهمم لكل المناضلين الصامدين من بعده امام التعذيب ، وعلى النقيض تماما احدث هلعا وذعرا وربكة للنظام لم تكن خافية على احد . فالبدء كان الشهيد .
هل تحمل السياسة قضية من نوع أخلاقى؟ وكيف تصبح السياسة لا أخلاقية أو مرفوضة من وجهة نظر القيم الاجتماعية السائدة دون أن تكرس هذه القيم من جهة و دون أن تنكر نفسها باعتبارها ممارسة تخضع فى حساباتها الى حساب ميزان قوى البحث ؟
هذا الاطار العام بقيمه و معاييره يحدد الاهداف العليا للعمل السياسى باعتباره مطلبا عاما وانسانيا و أفقا للنضال الاجتماعى أينما كان . و منذ قيام الدول الاولى فى التاريخ تبلورت قيم أساسية واعتبرت مصدر ضمان كل وجود جماعى و اجتماعى . والمجتمعات الانسانية فى تطورها اتجهت نحو اقامة دولة القانون و الديموقراطية و القيم الفاضلة (ايا كان مصدر هذه القيم) لتنظيم حياة الفرد و المجتمع ، مستلهمة القيم الانسانية ذاتها لتحقيق العدالة الاجتماعية .
ان السياسة والاخلاق لا يكونا فى حالتى نزاع و صراع الا فى أزمنة اللؤم التاريخى والانحطاط السياسى. وعندما تختل الموازين لصالح من لا أخلاق لهم، تحدث المهزلة . هم الذين اختلسوا من الله قداسة زائفة و عصمة كاذبة وأرادوا أن يحتكروا الاسلام و أن يفقروه حتى يتحول كما نفوسهم الى قتل وضغينة ووسيلة فى دنياهم الزائلة.
ان جميع أفراد البشرمن حقهم ان ينشدوا معايير و مستويات سلوك لائقة بهم من حيث تحقيق الحرية والعدالة والأمن من السلطة أيا كانت هذه السلطة، وأن أى انتهاك لهذه المستويات والمعايير السلوكية عن عمد أو دون قصد لايمكن السكوت عليه ، ان التقاعس و التراخى عن محاصرة ومواجهة هذه الحالات الفردية بحزم وصرامة فى بداياتها هو ما أفضى الى أن تصبح سياسة و منهجا يوميا تمارسه السلطة ، وانتقلت به من حالته الفردية الى الحالة الجماعية لتكريس سلطة القتل والموت ، وصرنا نتساءل هل القتل و الموت لأفراد عزل وأطفال ونساء وشيوخ هو شأن إلهى أم شأن بشرى تقوم به السلطة و تحدد فيه من يموت و متى يموت و كيف يموت ؟ .
رحل الشهداء بمختلف اشكال استشهادهم ، ومن خيرة هذه النماذج كان شهيدنا" على". وتبقى القضية الهامة والملحة هى رد الاعتبارللشهداء بتوفير سلطة قضاء عادل ونزيه و محاكم تقتص من القتلة أيا كانت مواقعهم .
وتحاول الحروف و الكلمات أعظمها عاجزة ان تتسلق الى قمته الشاهقة ، لتصبح جزءا من مكونات نسيج ذلك الانسان النبيل ... التقاطع بين زماننا و مكاننا و لحظات تحليقه السامى هى التى شكلت فضاؤه الخاص فى صعوده الابدى، وهذا الخروج عن عالمنا هو الصاعد لصرح بناه فى منطقه لا يستطيع رسم تفاصيلها و تضاريسها الا امثاله.
مستنقع التاريخ يعبره الرجال
عدد الرمال
و الارض ما زالت و مازال الرجال
كم أفتقدك الرفاق يا "علي" وأنت تكتب بيساريتك فى تلك القصاصة بعض أفكار الرفاق ، وتحمل حقيبتك الصغيرة السوداء تلك... وتغادر.. كما الهدوء نفسه.
أمه وحدها تطلق صوتا غير مبين.. فالتقطته حناجر جميع النساء لتصعده زغرودة عشق تزهر نشيدا أبديا .
( لا عرس فى محفل التاريخ يوم تدعى المدائن الى ملكوت الذاكرة )