الخميس، 25 يونيو، 2009

الحبس في قضايا النشر


الحبس في قضايا النشر

حيدر المكاشفي

ممنوع من النشر بأمر الرقيب الأمني
كعادته دائماً وبصدقه المعهود وحسه الإنساني المرهف ، أثار الأستاذ الماجد عبد الحميد مدير تحرير "الإنتباهة" في زاويته "الرصينة" أمس قضية الأستاذ كمال عمر المحامي الأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي الذي قضى عليه حكم قضائي بالحبس لمدة ستة أشهر على خلفية "قضية نشر" نظرتها المحكمة المختصة بقضايا النشر الصحفي ، رأت الجهة الشاكية في بعض المعلومات التي أوردها الأستاذ كمال عمر في مقالته "موضوع المحاكمة" مساساً بسمعتها ، لما إنطوت عليه من روايات وأسانيد غير صحيحة أو يصعب إثباتها ، ومن بين العبارات الرزينة والحكيمة التي جرى بها قلم الأستاذ عبد الماجد في هذا الصدد قوله "ليس بالسجن وحده تُقام الحجة على الناس والمعارضين " ، وقوله أيضاً "... تجدني حزيناً على الحكم بسجن الرجل لمدة ستة أشهر عقاباً له على كلام كتبه .. مع تقديرنا لقرار المحكمة الموقرة ، ونرجو أن يتم البحث عن مخرج من هذه القضية .. إلخ " ، وفي إطار ذات القضية جاء في أنباء الأمس أن هيئة الدفاع عن كمال عمر التي بلغ قوامها ثمانون محامياً قد تقدمت بطلب لمحكمة الاستئنافات لوقف تنفيذ الحكم الصادر ضده لحين البت في طلب الاستئناف الذي ربما تكون قد تقدمت به الهيئة أمس ...
والقضية تعيد للأذهان نضالات الصحفيين ومجاهداتهم خاصة في دول العالم الثالث لوضع حد لعقوبة السجن التي لا تطالهم فحسب بل تطال أيضاً من يعبرون عن أرائهم ومواقفهم تجاه مختلف القضايا من خلال الصحف كواحدة من أهم منافذ ووسائط التعبير عن الرأي ، ولم تكن صحافتنا وصحافيوها استثناءً من ذلك ، حيث جابه وسطنا الصحفي ذات المعضلة ولاقى بعض صحافيينا ذات المصير الذي ذهب بهم خلف القضبان في بعض قضايا النشر ، إلا أن المخارج القانونية وغير القانونية التي أشار إليها الأستاذ عبد الماجد عبد الحميد قد أخرجتهم من السجن قبل وفاء المدة ، ولعل أوضح وأقرب مثال على ذلك هو سابقة الأستاذين محجوب عروة ونور الدين مدني اللذين قضيا بعض الوقت بسجن أم درمان على ذمة قضية نشر ، غير أن أقوى الأمثلة وأروعها في مناهضة أحكام السجن التي توقع على الصحافيين فيما يتصل بعملهم من قضايا ، كانت قد دارت في مصر وبعض الدول العربية الخليجية والمغاربية التي نجح بعضها في إلغاء هذه العقوبة والبعض بات قريباً من إدراك النجاح لإلغائها فيما لا يزال ينافح ويكافح ضدها البعض الآخر ، وبلادنا من ضمن هذا البعض الاخير إذ لا يبدو أن هذا المطلب العزيز للصحافيين قد وجد طريقه الى نصوص قانون الصحافة المرتقب والذي لا يعلم عنه الصحافيون حتى الآن أي شيء وفي أي مرحلة هو ...
إننا لا نعلق على الحكم القضائي الذي صدر في حق الأستاذ كمال عمر ولا ينبغي لنا ذلك رغم أن بعض القانونيين يجيزون التعليق على الحكم بعد صدوره ، بقدر ما أننا نعول على البحث أولاً عن "مخرج" كما ذهب الي ذلك الاستاذ عبد الماجد عبد الحميد يُبعد شبح السجن عن الأستاذ كمال عمر المدان في قضية نشر ، ثم بعد ذلك لنجد كصحافيين وقانونيين لإيجاد المعالجة التي تحول دون أن تطال عقوبة السجن الصحافيين في قضايا تتصل بممارسة عملهم الصحفي أو تطال من يستكتبونهم أو يجيزن نشر أرائهم بصحفهم ، وليس في ذلك تمييز قانوني للصحافيين على بقية شرائح المجتمع بقدر ما أنه تقدير وتمكين لدور الصحافة "المهنة" في المجتمع كرقيب تنوب عنه وتكون له العين التي بها يرى والأذن التي بها يسمع واليد التي بها يكتب ويعبر عن ارائه ومواقفه وقضاياه ، وهو كذلك ليس استثناءً يكرس لإفلات الصحافيين من العقوبة وإنما فقط يستبدلها باي عقوبة أخرى غير السجن في حالة الوقوع في أخطاء عند الممارسة المهنية فقط ، أما فيما عداها فلا عاصم لهم من أي قانون ، فهل ذلك كثير على الصحافيين السودانيين أم هل يشرف بلادنا التي سبقت الكثيرين جداً في محيطها العربي والافريقي في مضمار الصحافة أن تأتي في مؤخرة ركب "المصلحين".