الأربعاء، 10 يونيو، 2009

النخب السودانية وإدمان الفساد السياسي..حذفته الرقابة الامنية


النخب السودانية وإدمان الفساد السياسي..حذفته الرقابة الامنية


عبد الله محمد احمد الصادق (5)
تحالف السودان للسودانيين لا اتقبل ما ذهب اليه الباحثان من ان الجبهة التي تكونت من حزب الامة والحزب الشيوعي واخرين كانت جبهة المتناقضات، فقد كانت تحالف ضد دعاة الوحدة مع مصر يلتقي حول الاستقلال التام كقضية مصيرية، وتجاوباً مع اتحاد طلاب كلية غردون التذكارية، والحركة النقابية والطلابية، وقد تجاوب الازهري مع التحالف واستند اليه عندما اعلن الاستقلال من داخل البرلمان، ولولا التحالف بين حزب الامة والحزب الشيوعي لما كانت أكتوبر أو أبريل ممكنة،
لكن الاسلاميون يحاولون ان يسجلوا ذلك ضد حزب الامة، ولم يسلم من ذلك الشيخ علي عبد الرحمن، الذي كان يوصف بالشيخ الاحمر، مع انه من دعاة الدولة الدينية، وكذلك الازهري في صراعه ضد الطائفية، فقد كانت التهم تطلق بالحق والباطل، وكان الاسلاميون يحاسبون خصومهم الشيوعيين على عبارة قالها ماركس في القرن الثامن عشر بان الدين افيون الشعوب، لكنهم طبقوا ذلك في السودان في نهاية القرن العشرين، والفعل ابلغ من القول.
لكن التحالف لم يلتفت الى القضية الوطنية الثانية في الترتيب بعد الاستقلال مباشرة، وهي الجراح التي كانت ما تزال تنزف في الجنوب، فقد تجاهلها وتركها تتقيح، وكان ذلك سبباً في التمرد الثاني والثالث، فقد كان التمرد شرخاً خطيراً في جدار الوحدة القومية، ومن الطبيعي ان يتسبب القمع بالقوة المسلحة في مزيد من الشقوق والتصدعات، فقد ظل التمرد حياً كالنار تحت الرماد، لكن التحالفات كانت تنعقد وتنفض تبعاً للاهواء والمصالح السياسية، والصراع حول السلطة، وتجاهلت الجمعية التأسيسية القضية المصيرية الاولى التي انتخب من اجلها، وهي مشروع الدستور الدائم، لان ذلك يعني حلها واجراء انتخابات جديدة، وعصفور في اليد ولا الف عصفور على الشجرة، ويكفي فساداً ان مشروع الدستور الدائم ظل معلقاً حتى هذه اللحظة، وبعد خمسين عاماً من الاستقلال.
الفلاتة في السودان
يوصف رئيس الدولة في الانظمة الشمولية بانه رمز السيادة الوطنية لتبرير السلطة المطلقة، وتحصين الحكام ضد شعوبهم، وقد اصبح ذلك في مصر بديلاً لقانون العيب في الذات الملكية، الذي ألغي في عام 1952م، ويشير السودانيون الى ذلك بحكاية البقلة والابريق، وأم السلطان العزباء، وليس هذا مقبولا في الديمقراطية او الاسلام، لأن الحكام كما قال ابوبكر الصديق: (لست خيركم لكنني اثقلكم عبئاً، فإن رأيتم مني خيراً فاتبعوني، وان رأيتم شراً فقوموني)، وهذا يعني ان رأس الدولة كأي مواطن يتعرض للاساءة بسبب سودانيته، ولا حصانة له أمام القانون، والجنسية هي رمز السيادة الوطنية، وان رأس الدولة موظف لدى الشعب، يشكره ان احسن، ويعزله اذا اساء وخان الامانة، والجنسية مطلب عسير لدى كافة الدول في عصرنا هذا، أما في السودان فقد كانت سلعة للمتاجرة بها في سوق السياسة، وفي كسلا عادت بنا الانقاذ الى عام 1975م فما اشبه الليلة بالبارحة، وقد بدأت هجرة الفلاتة الى السودان قبل المهدية اعتقاداً في نبوءة تزعم ان المهدي المنتظر سيظهر في السودان، والفقراء المحرومون عادة يبحثون عن مخرج في النبوءات، ويتعلقون بالمعجزات، وما اتعسهم لو لا فسحة الامل، وكان السودان ممراً من غرب افريقيا الى الاراضي المقدسة، الى ان اصبحت الطائرات بديلاً للقوافل البرية في الخمسينيات من القرن الماضي، وكان السودان كاميركا الان ارض الاحلام، وما تزال نيجيريا وهي من كبار الدول البترولية (اربعة ملايين برميل ) تعاني من الفقر، وكان وما يزال الشعب السوداني لا يعترف بالفلاتة كمواطنين سودانيين، واصبح ذلك حكماً عاماً فيه الكثير من الظلم والتعسف كرد فعل للفساد السياسي.
في عام 1953 لم يكن معظم الفلاتة سودانيين بالشروط الواردة في قانون الجنسية الصادر في عام 1948م، فقد كان القانون يشترط الاقامة في السودان قبل عام 1897 بمعنى ان القانون يستوعب فقط الفلاتة الذين جاءوا الى السودان في او قبل المهدية، فقد كانت الجنسية السودانية مطلباً عصياً في عهد الاستعمار البريطاني، وتعدل القانون في عام 1957م في عهد الحكومة الوطنية، واصبح كل من ولد والده في السودان مواطناً سودانياً، وتقلص القيد الزمني من ستين عاماً في عهد الادارة البريطانية الى لحظة الولادة، وما تزال الدول العربية لا تعترف بجنسية اطفال النساء المتزوجات من رجال اجانب، وتقلص شرط الاقامة في عهد الانقاذ الى عشرة اعوام فقط، ويختلف الوضع في كسلا ودلتا القاش في ان الهوسا الذين خاطبهم رئيس الجمهورية يشكلون غالبية السكان، وكان ذلك سبباً في كثير من التوترات وفي مدينة غرب القاش في عام 1988م، كان من الممكن ان يتحول النزاع حول مجاري الامطار والسيول الى حرب اهلية، لكن الفلاتة مهابون لكثرتهم العددية وتعصبهم بسبب احساسهم بالعزلة وعدم القبول، وحتى الستينيات من القرن الماضي كان الفلاتة لا يرسلون اولادهم الى المدارس، وكانت الخلوة هي المؤسسة التعليمية الاولى والاخيرة بالنسبة للميسورين منهم امتدادا لعاداتهم وتقاليدهم في غرب افريقيا، واذكر ان التلاميذ بالمدارس الابتدائية بدلتا القاش كانوا جميعهم من ابناء القبائل الاخرى، وكان ذلك سببا في مزيد من العزلة، لكنه الان اصبح من الماضي، واصبح الهوسا موظفون في المكاتب وعمالاً بالمؤسسات الحكومية وانخرطوا في الشرطة والجيش والدفاع الشعبي ولا اقصد الطعن في جنسية الهوسا الذين عشت معهم قبل خمسين عاماً في وقرومتا تيب واروما فهم مواطنون سودانيون، لكن ذلك لا يعني ان الهجرة من غرب افريقيا قد توقفت، ولا يجوز التعامل مع المواطنين كمجموعات اثنية لان ذلك تشجيع للقبلية والطائفية.
الرشوة السياسية
عندما ألغت الانقاذ تأشيرة الدخول وفتحت ابواب السودان امام مواطني الدول العربية والاسلامية، واعلن الترابي ان الحدود الجغرافية بين هذه الدول مؤامرة استعمارية، وجاء الى السودان كل طريد شريد خلعته قبيلته وتبرأ منه قومه، كانت طوابير السودانيين تمتد امام سفارات تلك الدول كل صباح طلباً لتأشيرات الزيارة والعمل والاقامة، وكان ذلك مطلباً عسيراً لا يناله إلا من استطاع اليه سبيلا، ولا يعرف الان عدد الاجانب الذين استقطبتهم الفاشية الدينية والعرقية المركبة بالوسائل المشروعة وغير المشروعة، ووفقاً للقاعدة المعتمدة لدى الباحثين فان عدد السكان يتضاعف مرة كل خمسة وعشرين عاماً، ومصداقاً لذلك تضاعف عدد السكان من ثمانية ملايين في عام 1958 الى ستة عشر مليوناً في عام 1986 في ثمانية وعشرين عاماً ولا يفترض من ان يزيد تعدادنا الان على اثنين وثلاثين مليوناً، ويذكرني التعديل الذي يجري الاعداد له الان بقضية السواكنية في عام 1957 فما اشبه الليلة بالبارحة وقد تواصلت الهجرة الى السودان بعد عام 1897م، وجاء الحجازيون والشوام والمصريون والايطاليون واليونانيون واليهود وفي عام 1957م كان هؤلاء كالفلاتة لا ينطبق عليهم قانون الجنسية، وتبادلت الاحزاب الطعون والطعون المضادة، ومن ذلك الطعن في اهلية عبد الله خليل، وحماد توفيق، وعلى بازرعة واهله من السواكنية في بورتسودان، وهم من جماهير الحزب الوطني الاتحادي، فاقترح الحزب تعديل القانون واستجابت حكومة السيدين الجليلين لشيء في نفس يعقوب، فوقع الحزب الوطني الاتحادي في شر اعماله وفي دائرة الحصاحيصا شرق، فقد طعن الحزب في اهلية 530 ناخباً، وايدت المحكمة الطعن في 465 حالة كان معظمهم من قبائل غرب افريقيا الذين استقطبهم حزب الامة، وفوض وزير الداخلية سلطته لوزيرين من الانصار، ووزيرين من الختمية، فاصبحت الجنسية سلعة انتخابية، ومادة للرشوة السياسية، وبلغ عدد الجنسيات التي صدرت في وقت وجيز قبيل الانتخابات 6264 حالة فما اشبه الليلة بالبارحة.