الأربعاء، 10 يونيو، 2009

دارفور والوضع الدولي الراهن (نزعته الرقابة الامنية من النسخة الورقية)


دارفور والوضع الدولي الراهن (نزعته الرقابة الامنية من النسخة الورقية)

د.محمد الشريف سليمان
من العبر التي يحتم علينا الوضع الدولي الراهن اخذها والتفكير فيها مليا هي إحترام الرأي الآخر والتعامل معه بجدية وصدق مع تجنب إستخدام الإسلوب العاطفي الذي دائما ما يشوبه العصبية المؤدي الى إتخاذ القرار الخاطئي. وعليه يتوجب على صانعي القرار في بلادنا اخذ العبرة من منحنى التطور التاريخي للسودان الذي كان مشوبا بأخطاء النمو الإقتصاديـي - الإجتماعي غير المتوازن وسارت على منهاجه حكومات الإستقلال المتعاقبة في البلاد. نعم إن هذا النمو غير المتوازي هو حصيلة تراكم السياسات الخاطئة في توظيفها الإستثماري لموارد البلاد وايضا في اعادة توزيعها.وفي هذا المضمار كثيرا ما يشار الى مقارنة النمو والنهضة الحديثة بين السودان وماليزيا وتقاطع الاعراق في البلدين حيث تخطت الدولة الماليزية بسياسة النمو المتوازن كافة العقبات الإجتماعية-السياسية لتصبح من الدول الناهضة صناعيا في العالم بينما ظلت بلادنا متقوقعة في جدل الهوية السودانية،كما يشار دوليا إلى مقارنة التطور السياسي في دولة جنوب افريقيا ونموها السلمي المتراضي عكس ما يجري في ارض الوطن. إن الازمة الملتهبة في دارفور تستدعي اعادة النظر الكلي في السياسة المتبعة هناك وان تكون الشفافية هي الطريق الأمثل في إتباعها والتخلص من إسلوب النهج السطحي الإستعراضي القائم على الخطب الحماسية النارية والإبتعاد عن دعوة المجتمع الى الغضب الهادر وعدم الصاق تهم الخيانة بالذين لا يواكبون المسيرة. لقد إمتلآت جرة ألإقليم بالوعود والكلمات الفضفاضة ولم ترى نور التنفيذ حتى اليوم مع انعدام اهم موقومات النمو المتمثل في البنية التحتية ناهيك عن الخدمات الإجتماعية وفي مقدمتها الصحية والتعليمية وفرص العمل. نعم ان الظروف القاسية التي يعيشها سكان المخيمات من النازحين خاصة وهم في العراء يتحملون الويلات مع نقص حاد في المواد الغذائية والمياه النقية والمستلزمات الصحية والتعليمية، هذا الوضع يفرض علي الدولة ايجاد البديل الفوري للفراغ الناتج عن طرد المنظمات الدوليه(جحيم الصيف على الابواب ومرض الملآريا يتربص بالابرياء وكذلك الوباء الفتاك السحائي ينتظر دوره في افتراس المغلوبين على امرهم)،وعليها ايضا الإصغاء بروية لرأي الاصدقاء من الدول الشقيقة والصديقة لحل هذا الامر الملح العاجل واخذها بعين الإعتبار وكذلك رأي الحادبين على وحدة تراب السودان. ان الأزمة القائمة في البلاد تستدعي عدم مناطحة المجتمع الدولي وإعطائه الزرائع والمبررات للتدخل في شؤون السودان المؤدية الى تفتيت ارض الوطن. لا يفوت على صانعي القرار في الخرطوم ان الكثير من الدول الغربية تستند في رسم تعاملها الخارجي بالتعاون مع منظماتها الدولية غير الحكومية، وهي ارقام يصعب تجاوزها في ديمقراطية العالم الغربي. لابد من الإسراع الفوري لسد هذه الفجوة الكبرى في معيشة معسكرات المشردين.هذا الفراغ الخطير يؤدي الى صدام ذا عواقب وخيمة جديدة مع المجتمع الدولي وخاصة بتصدر هذا الامر حديثا اجندة مجلس الأمن والإدارة الامريكية وغيرها من الدول. إن الذين هبوا لسد هذا النقص الحاد لمعيشة سكان مخيمات العراء في ولايات دارفور، منهم من تبرع لدارفور بملايين الدولارات ولكن الواقع العملي اظهر غير ذلك(احدى الدول تبرعت منذ فترة ليست بالقصيرة بمبلغ 250 مليون دولار ولكن لم يرى النور منها سوى 5 مليون دولار فقط) علما بأن دول تلك المنطقة هبت كالموج العاتي وتبرعت بسخاء فوري لفيضانات جنوب الولايات المتحدة الامريكية بملياردات الدولارات! ان الأزمة الجاسمة اليوم في دارفور هي من صنع ايادينا لكنها تجاوزتنا الى الاطر الدولية لتصبح الحكم الفصل، بل ان المبادرات والحلول تنساب الينا عبر البوابات الحدودية بجولات مكوكية لحاملي الرسائل ممزوجة بالمصالح الإقليمية والدولية. وادى هذا الوضع الى طفوح عدة نظريات على الافق حول المسألة السودانية بعد القرار الصادر من محكمة الجنايات الدولية حول مقاضاة رئيس الجمهورية ، فمنهم من يرى ان الحل يجب ان يكون وطنيا خالصا اي ُ سوداني- سوداني‘ ويعرف هؤلاء بالإصلاحيين، وهناك ما يعرفون بالليبراليون الجدد الذين يستندون على التدخل الخارجي(الفوضى الخلاقة) ثم اصحاب محور الإستكانة وبقاء الحال كما هو عليه. لابد للسلطة الحاكمة من المراجعة الهادئة الدقيقة لسياستها واستراتجيتها في التعامل مع المجتمع الدولي ( الإبتعاد عن لغة المهاترات والتراشق باسلوب المسبات بل تحاشي الإساءة للسلطة الرابعة ونعتها بالغباء لأنها الوسيلة الفاعلة لايصال المعلومة لاصحابها وخاصة مع قناة الجزيرة الفضائية الواسعة الإنتشار اقليميا ودوليا، بل لها مكانتها المرموقة إعلاميا على النطاق الدولي والحال كذلك مع الصحف العربية التي تصدر دوليا)،ولابد من إيجاد مخرج تراضي لحل قرار محكمة الجنايات الدولية ولو استدعى ذالك تقديم تنازلات تحتوي على جرعة العطرون، لأن وحدة تراب الوطن فوق الجميع ويقتضي التضحية الصعبة. ان المغالات بطرح شروط لا يمكن بسطها على الساحة الدولية يقود الى منزلق خطير يصعب الخروج منه بل يستحسن اتباع الواقعية وتجنب البلاد ما يحوم في سمائها من طروحات تصب في منحنى عزلة السودان دوليا واقليميا. على الدولة اخذ العبرة لما حل بالعراق وايضا كيف توصلت الجارة الشقيقة ليبيا مع المجتمع الدولي الى حلول لمشاكلها وازماتها. وعلى الصعيد الداخلي يجب نهج سياسة الانفتاح وجمع الشمل مع تقبل الرأي الآخر وإحترام الحريات العامة التي بجب ان يكفلها الدستور والقانون الذي يشكل العقد الإجتماعي للمجتمع .ان مستقبل السودان ووحدته كهدف فوق الاشخاص والمصالح الضيقة يستدعي مؤتمر جامع للمصالحة الوطنية. كما ينبغي وضع خارطة طريق واضحة المعالم ومحددة زمنيا في تنفيذها على ارض الواقع في دارفور الكبرى. إن العملية السلمية المنتظرة لهذا الجزء من الوطن لا يقبل المساومة بل يستدعي اشراك كافة شرائح الاقليم في وضعها والموافقة عليها، هناك حاملي السلاح، و مختلف الشرائح المثقفة وممثلي معسكرات النازحين،و يجب ان تكون الإدارة الأهلية في الطليعة وهي التي هُمش دورها في السابق. يجب ان يكون المجتمعون يمثلون حقيقيا الإقليم (دارفوري-دارفوري) إضافة الى شرائح اخرى تنبع من ارض الواقع بحيث لا توجد فئة واحدة تُلبس نفسها ثوب الممثل الوحيد لدارفور. لقد فشلت جميع محاولات اللإتفاقيات المنفردة التي لا تقف على ارضية صلبة، وادت بدورها الى تفاقم الازمة وتعقيدها لأن كل موقع يريد الاستمتاع بالغنيمة لوحده (وينسى اتباعه الإعزاء في الغابة) مما يؤدي في اليوم التالي الى بروز موقع جديد.إن التركيبة القائمة اليوم في دارفور لم تكن ماثلة للعيان في الماضي ولكنها طفحت للسطح نتيجة تراكمات اجبرت الاقليم للولوج فيها وشاركت في صنعه وانتاجه جميع القوى السياسية التي حكمت السودان(هذه القوى فككت جميع اوصال وترابط النسيج الإجتماعى لدارفور بما يخدم مصلحتها السياسية ).لقد كانت دارفور مثالا للتعايش السلمي في السودان المترامي الاطراف والإقليم الرائد لانتاج القطاع الزراعي التقليدى والمومونن الرئيسي للإكتفاء الذاتي ولحاجيات البلاد منه مع إمتلاكها لاكبر ثروة حيوانية والمُصدر الاول لها بل كانت دارفور الإقليم الجاذب ومصدر الثراء لأقاليم الوطن.واليوم يعيش الإقليم على المساعدات الإنسانية لتوفير حد الكفاف الادنى من متطلبات امنه الغذائي بتقلص مقومات إنتاجها وسلامتها الأمنية. نواصل abu_suli_(at)_hotmail.com
برلين