الأربعاء، 10 يونيو، 2009

السودان: قبل عاصفة قادمة (نزعت الرقابة فقرات مهمة منه)



السودان: قبل عاصفة قادمة (نزعت الرقابة فقرات مهمة منه)
فائز السليك

«متعصب هو ذلك الشخص الذي لا يفكر، ومجنون هو ذلك الذي لا يستطيع أن يفكر. أمّا الذي لا يجرؤ على التفكير، فليس من شك في أنه عبد من العبيد».. (وليام درموند).وهي حكمة جعلتني أفكر في واقعنا الحالي، وفي أزمتنا الراهنة، فكم من متعصب لرأيه لا يجهد نفسه، ولا يشحذ ذهنه بمجرد تفكيك خطاب، أو قراءة ما وراء السطور، أو استنطاق المسكوت عنه؟.، والمتعصب يترك عقله في اجازة دائمة ، ويظل عند موقف ثابت في زمن النسبية بأنه هو الحق والحقيقة المطلقة، وأن ما يعتقده هو الصواب، وهو اعتقاد يدفعه الى أن يكون تابعاً لغيره، ومتأثراً بقوة ما، ربما داخلية، أو حتى خارجية، لكنها قوة تصيبه "بعمى الألوان"، أما المجنون فهو معذور لأنه لا يستطع التفكير، أما من لا يجرؤ على التفكير فهو مثل السمك الميت، و وحده السمك الميت هو الذي يسير مع التيار، لذا فإن التفكير نعمة، ومسألة مهمة، فهو عدو التعصب، وضد الجنون، ويعني الإرادة والقدرة على صنع الأشياء، والمشاركة فيها بفاعلية، لكن هل كل تفكير صحيح؟. وكيف يكون تفكير الأزمة مثل حالنا الراهن؟.واليوم كل السودان في ذاك المنعطف الخطير، وهو بين يكون أو لا يكون، وبين الفرضيتين يظل خيطاً رفيعاً، لا يبصره كثيرون ممن في نفوسهم غرض، وعلى عيونهم غشاوة، وهي منطقة يتمدد في مداها تفكير هلامي؛ إن كان موجوداً، أو نوع من التفكير المأزوم في أزمة الأزمات، وما بين تفكير الأزمة وأزمة التفكير علاقة جدلية بها تأثير وتأثر، أخذ وعطاء، وينتج عن ذلك عبث وفوضى. وربما يكون التفكير متأخراً، أي أنه تفكير يأتي في تمام الساعة الخامسة والعشرين؛ وهو مثل "الجس بعض الذبح"، وهو ما يقودك الى القول ليتني فعلت، وليتني مشيت، ولو فعلنا كذا لكان كذا!. وهو تفكير مأزوم يلجأ له من عدم الحيلة، ومن سدت أمامه الآفاق، ومن يتعامل في السياسة بدبلوماسية رجل المطافئ، أي أنه يتحرّك بعد الحريق، وقد يكون الحريق قد قضى على الأخضر واليابس، وربما ينشغل الناس بتكتيات اليوم، ويتعاطون مع القضايا بنفس قصير، أو بطريقة المناورات الدائرية التي تنته من حيث كانت الأزمة، وعندنا أمثلة لذلك كثيرة، ومنها دافور، وهي سبب كل الأزمة الحالية، فهي قضية بدأت صغيرة، والنار من مستصغر الشرر، أي أنه الحريق، والحكومة نفسها بدأت في حل الأزمة بالتهوين منها، وبسوء التقدير لتداعياتها، وهو ما حذر منه كثيرون لا على طريقة زرقاء اليمامة التي ترى في الأفق شجراً يسير، وهو ما عده متعصبون بأنه معارضة، ومكايدة، وأنه قصر رؤية ، وانعدام بصر وبصيرة، وكلما زاد الشرر تضخم الشرر في نفوس من يتوهمون أنهم هم الوطن، وغيرهم الأعداء، وهي حقيقة تنطبق على كثير من المعارضين ومن الحاكمين على أمر سواء، وبين هذا وذاك تقترب المخاطر ولا قرون استشعار بالخطر تتحرك، ولا شارات انذار مبكر تعمل، وهم مثل رجل كان يتمشى في أدغال افريقيا حيث الطبيعة الخلابة وحيث تنبت الأشجار الطويلة، بحكم موقعها في خط الاستواء وكان يتمتع بمنظر الاشجار وهي تحجب اشعة الشمس من شدة كثافتها، ويستمتع بتغريد العصافير ويستنشق عبير الزهور التي التي تنتج منها الروائح الزكية. وبينما هو مستمتع بتلك المناظر سمع صوت عدو سريع والصوت في ازدياد ووضوح والتفت الرجل الى الخلف واذا به يرى اسدا ضخم الجثة منطلق بسرعة خيالية نحوه ومن شدة الجوع الذي ألم بالأسد أن خصره ضامر بشكل واضح. أخذ الرجل يجري بسرعة والأسد وراءه وعندما اخذ الأسد يقترب منه رأى الرجل بئرا قديمة فقفز الرجل قفزة قوية فإذا هو في البئر وأمسك بحبل البئر الذي يسحب به الماء وأخذ الرجل يتمرجح داخل البئر وعندما أخذ انفاسه وهدأ روعه وسكن زئير الأسد فإذا به يسمع صوت فحيح ثعبان ضخم الرأس عريض الطول بجوف البئر، وبينما هو يفكر بطريقة يتخلص منها من الأسد والثعبان إذا بفأرين أسود والآخر أبيض يصعدان الى أعلى الحبل وبدءا يقرضان الحبل وانهلع الرجل خوفا وأخذ يهز الحبل بيديه بغية ان يذهب الفأران وأخذ يزيد عملية الهز حتى أصبح يتمرجح يمينا وشمالا داخل البئر وأخذ يصدم بجوانب البئر وفيما هو يصطدم أحس بشيء رطب ولزج ضرب بمرفقه وإذا بذلك الشيء عسل النحل تبني بيوتها في الجبال وعلى الأشجار وكذلك في الكهوف ،فقام الرجل بالتذوق منه فأخذ لعقة وكرر ذلك ومن شدة حلاوة العسل نسي الموقف الذي هو فيه، وفجأة استيقظ الرجل من النوم، فقد كان حلما مزعجا !!! قرر الرجل أن يذهب الى شخص يفسر له الحلم ،وذهب إلى عالم فأخبره بالحلم فضحك الشيخ وقال : ألم تعرف تفسيره؟؟ قال الرجل: لا. قال له: الأسد الذي يجري وراءك هو ملك الموت والبئر الذي به الثعبان هو قبرك والحبل الذي تتعلق به هو عمرك والفأرين الأسود والأبيض هما الليل والنهار ينقضيان من عمرك.... قال : والعسل يا شيخ ؟؟ قال الشيخ: هي الدنيا من حلاوتها أنستك أن وراءك موتاً وحساباً... ربما كثيرون منا تنطبق عليهم تلك الحكاية التي سبق أن استعرتها في مقال سابق، وهي قصة تشبه سيناريو السياسة السودانية، وهو سيناريو متكرر يحوي ذات الصور، ونفس المشاهد، وربما تتغير الشخوص، لا أكثر.. يعلو الصراخ.. ونقتتل من أجل السلطة.. والوطن كله يقف في "كف عفريت"!. ما بين التراجع والمواجهة.. وما بين الانكسار والمصادمة.. وما بين الشعارات التي ترفع هنا وتنزل هناك ليرفع غيرها، من في السلطة يتذوق العسل، ومن في المعارضة لا يشعر بخطورة اللعبة، ومن في السلطة يظن أن الحرية مزايدة، وأنّ الاجماع يجب أن يكون خلفه لا أن يكون هو جزءاً منه، وهنا الفرق بين الرؤى حول الإجماع الوطني!. فما هو الأجماع؟. وكيف يتحقق؟. ولمصلحة من؟. ولماذا؟. فهل من إعمال عقولنا جميعاً كي نخرج من عنق الزجاجة؟. وهل من شحذ للذهن وتفكير استراتيجي عميق ينتشلنا من هوة تفكير الأزمة وأزمة التفكير، ومن تعصب الجهلاء، ومن حد الجنون، ومن براثن الكسل الذهني والتراخي الذي نعيشه؟ هي فرصة ذهبية للحوار، وعلينا اقتناصها حتى لا نكون مثل ذاك الرجل الذي نسي مطاردة الأسد، والبئر ، والحبل، والفأرين، لأنّ بعد ذلك الهلاك، وهو هلاك كل السودان في فوران التعصب، وفوران الحماس، وربما يحمد كثيرون أنّ الحكومة تعاملت برد فعل احتوى الصدمة الأولى بعد الجنائية بكفاءة؛ برغم أن بعض القرارات لم تنفصل عن ذاك المناخ السائد، ومن حق الجميع أن يعبر عن غضبه، وعن شعوره لكن دون توتر، وبعد ذلك يجب الجلوس للتقويم، وللتفاكر وللحوار العميق من أجل المخرج، وهو يحتاج إلى شرط، وهو تكافؤ الفرص في ظل مناخ حر، وحسناً أن أكد الرئيس البشير على الديمقراطية وعلى الإجماع، وهو أمر يحتاج إلى تفعيل، وإلى إبدال القوانين السارية، وإلى حزم تهيئة المناخ، وهو أمر ليس مزايدة ، ولا استهلاكاً سياسياً لخلق اجماع هش مثل كرة الرمل تنثرها أقرب عاصفة، ولا نستبعد عواصف قادمة، لكن يجب أن نستبق العواصف بالتخطيط السليم، وبالتفكير القويم، لا بالتعصب، أو الهياج. علينا حتى نخرج من النفق المظلم وكي نحفر كوة في جدار الظلام الاتفاق على برنامج مرحلي، يتضمن التنفيذ التّام لاتفاقات السلام المبرمة، وعلى رأسها نيفاشا، مع إكمال سلام دارفور، وإقرار التحوّل الديمقراطي برفع حالة الطوارئ غير المعلنة، وتضييق هامش الحريات المتاح والضيّق أصلاً إلى أضيق من سم الخياط وإعادة "الانقاذ" إلى سنواتها العِجاف الأولى، وذلك بتشغيل أختام التصنيف القديمة لتخويف كل من هو خارج دائرة المؤتمر الوطني، وكأن معركتهم مع من في الداخل، فهو لا يزال يمارس ذات اللعبة القديمة في أوضاع بالغة الهشاشة، ولا يزال يلعق العسل دون أن يدرك أنّ الأسد فوقه والهاوية تحته، نحن في حاجة إلى تفكير عقلاني وإلى حكمة.