الأربعاء، 10 يونيو، 2009

مقال محظور...أخاليط أوسلو (1-4)


المقال الثالث أبريل 2005م
منعته الرقابة لصحيفة الصحافة (نشر في سودانايل)
لأن صبية أمن الإنقاذ اجتمعوا برؤساء تحرير الصحف منذرين لهم ومحذرين أن يصدر أي رأي يخالف رأيهم ولو بمقدار 1%!! فإن الكتابة على صفحات الصحف صارت شيئا لا يقدر عليه إلا ذوي الأقلام المائعة .. أو المأجورة.. أو أولئك الذين يستطيعون أن يكونوا كمثل الذي يقطعون اذنيه ويقول "خلّو محل الخروس" أي اتركوا لي مساحة أعلق عليها قرطا!!.. لا مكان لتذكر الأقراط الآن.. إنني كنت بدأت الكتابة حول مؤتمر أوسلو فحذف ما حذف من مقالي، وخرج بطعم يمكن أن يستسيغه صبية الأمن ولا يمكن أن يستسيغه قلمي نفسه.. لذلك أحاول الكتابة في منبر أكثر حرية..
بسم الله الرحمن الرحيم
بيننا
أخاليط أوسلو (1-4)
تقديم وإطار
غبت عنك قارئي الكريم الأسبوع الماضي عنوة فقد كان رأيي مما لا يرضي سلطات توجه التعبير في بلادنا، ولا علينا، فما ضاع حق وراءه مطالب، وسنظل نكتب ما لا ينشر حتى يجد يوما طريقه للهواء الطلق، وقد قال الشاعر المصري المبدع أمل دنقل من قبل:
آه ما أقسى الجدار
عندما ينهض في وجه الشروق
ربما ننفق كل العمر كي نثقب ثغرة
ليمر النور للأجيال مرة!
ربما لو لم يكن هذا الجدار
ما عرفنا قيمة الضوء الطليق!!
ولندع حلمنا بالضوء الطليق حيا أبدا. ننتقل من هذه المقدمة الضرورية حيث هذه الأيام ليست أيام غياب فيما بيننا، أيام فوارة الحراك، وكنا قد سمينا زماننا هذا بزمان الخليط.. مستوحين من فكرة الخليط، ننتقل إلى أفكار مختلطة وتجارب مختلفة عايشناها في أوسلو النرويجية. وسنجرب هذه المرة لغة فيما بيننا نحسبها جديدة، لننقل تلك الأخاليط بريشة فيها من التجريد وفيها من النقل الواقعي، نداولها فيما بيننا، علنا نلقي ضوءا على ما ظننا أن التجربة أزلفته لنا وقربته إلى الأفهام.
هذه الحلقة الأولى هي بمثابة تقديم لما كان يدور في أوسلو وإطار لما نود مناقشته فيما بعد.. فقد ترددت في صحفنا أخبار وآراء عديدة تذكر أوسلو وما دار فيها، وإن لم يتم رصد دقيق فيما وقع بين يدي – وهو ضئيل- لكل الأحداث في أوسلو.
فقد نظمت الحكومة النرويجية وبعض المنظمات غير الحكومية في النرويج تضامنا مع منظمات عالمية سلسلة من المنابر، كان في خاتمتها وقمتها مؤتمر المانحين الدوليين لتمويل "البعثة المشتركة لتحديد احتياجات السودان" المعروفة اختصارا بالـ"جام" JAM، وهي بعثة مكونة من مجموعة رئيسية للتنسيق CCG، فيها ممثلين لكل من حكومة السودان، الحركة الشعبية لتحرير السودان، علاوة على ممثلين لنظام الأمم المتحدة، البنك الدولي، الإيقاد وشركاء الإيقاد. مجموعة التنسيق الرئيسية يساعدها فريقان رئيسيان يغطيان كل من مناطق الحكومة والحركة. كل فريق منهما مدعوم بسكرتارية ومكون من ممثلين للجهة المعنية –الحكومة في مناطق الحكومة والحركة في مناطقها- إضافة للمثلين الدوليين (ممثل للأمم المتحدة وآخر للبنك الدولي). كما أن هنالك منسقون للمشاركة في الـ"جام" ملحقون بالفرق التنسيقية المختلفة لتأكيد مشاركة واستشارة المنظمات غير الحكومية (الدولية والمحلية)، والمجتمع المدني (بما في ذلك الموجود في الأقاليم المختلفة)، والقطاع الخاص. هذه البعثة المعروفة بالجام، ستعمل على التخطيط والتنسيق ثم المتابعة والرقابة في تنفيذ كافة المشروعات التي تغطي احتياجات السودان في فترة العامين المقبلين، فترة بناء السلام قصيرة ومتوسطة المدى.. والمؤتمر الذي انعقد في الفترة 11-12 أبريل كخاتمة لمسلسل أوسلو كان لبحث تمويل تلك الخطة من المانحين الدوليين الذين من المفترض أن يمدوا بثلث الميزانية الموضوعة لتنفيذ مخططات الجام وهي حوالي ستة بلايين مليون دولار أمريكي. الثلثان الباقيان من المفترض أن يأتيا من حكومة السودان من الموارد الذاتية للبلاد بافتراض أن السودان بلد غني متعدد الموارد وأن وقف الحرب واتباع الحكم الراشد (وما يتبعه من وقف لمنافذ الفساد المختلفة) سيتيح أموالا ضخمة يمكن استخدامها في إعادة البناء ما بعد السلام.
أما المناشط التي سبقت مؤتمر المانحين، وهي بمثابة مناشط تحضيرية له فقد كان أهمها: منبر المجتمع المدني الذي انعقد في مبنى الصليب الأحمر بأوسلو في الفترة ما بين 7-9 أبريل والذي شارك فيها ممثلين للمجتمع المدني المحلي والدولي –وسيكون موضوع حلقة قادمة نداولها في مسلسل أخاليط أوسلو بإذن الله – وقد أفلح في الوصول إلى توصيات تشكل رؤية مجتمع مدنية خاطبت مؤتمر المانحين. كما كانت هنالك أيضا ندوة "حقوق النساء وقيادتهن في سودان ما بعد النزاع" التي انعقدت في يوم 10 أبريل والتي شاركت فيها وفود من حكومة السودان ومن الحركة الشعبية لتحرير السودان ومن المجتمع المدني الشمالي والجنوبي والأحزاب السياسية –وهذه ستكون ايضا مدار حلقة قادمة بإذن الله- وقد خرجت الندوة أيضا برسالة قدمت أمام مؤتمر المانحين.. صاحبت هذين الحدثيين التحضيريين مناشط لها إيحاءات مختلفة سنتعرض لها في محلها بإذن الله، وإن نود أن نذكر منها الآن حفل العشاء الذي نظمته مجموعة الدعم النرويجية للسلام في السودان NSG احتفاء بعيدها العاشر للمشاركين في منبر المجتمع المدني، وحفل الغداء الذي نظمته مجموعة "نساء يراهن على السلام" للمشاركين في الندوة النسائية. لقد كان هذا الحفل منيرا من نواحي عديدة، ونافذة نحو تجربة نسائية ثرة هي تجربة النساء في جنوب إفريقيا في بناء السلام.
وإن كان لنا كلمة الآن نريد أن نذكرها هي كيف حملت حكومة السودان حقائبها وارتحلت إلى أوسلو، لتلاقي المجتمع الدولي طالبة الدعم، بينما هي في منابرها الداخلية كانت تلعن المجتمع الدولي وتتحدث عما اسمته "سقوط المجتمع الدولي" والمنظمة الدولية في قرار مجرمي دارفور الشهير.. حملت الحكومة "قرعتها" وفي الداخل كانت تعلن القارعة.. تقرع الطبول في حلقة من النشيج الهستيري غير البليغ.. كيف كان ذلك؟
نواصل بإذن الله
وليبق ما بيننا