الأربعاء، 10 يونيو، 2009

مقال محظور...البصيرة أم حمد


بسم الله الرحمن الرحيم
بيننا
البصيرة أم حمد
تعرف قارئي الكريم قصة هذه البصيرة.. فقد أشكل القوم في ثور أدخل رأسه في جرة من فخار "برمة"، وذهبوا لها يريدون الحفاظ على الثور وعلى البرمة، فأشارت لهم بذبح الثور فلما ذبحوه ظل رأسه داخل البرمة فقالت لهم: أكسروا البرمة!. ومع أن في ذلك عنف على المرأة لا يخفى لكننا نستعمل مثال البصيرة أم حمد على بصيرتنا الإنقاذ التي يحركها طاقم من الذكور ليس أكثر فطنة من بصيرتنا تلك!!.
نحن تحدثنا في الحلقة الفائتة عن زمان الخليط: بين وحل الإنقاذ وحلم السلام وبنائه والوجل من التدويل الخبيث الذي استقدمته لنا الإنقاذ وخطاه المتسارعة، والآن دخل طاقم الإنقاذ في حالة "أم حمد" مضافا إليها حالة من الريح الأحمر والأسود، منذ قرار مجلس الأمن الأخير رقم 1593 الصادر في 31 مارس 2005م. وكان المجلس قد أصدر في بحر أسبوع واحد ثلاثة قرارات خاصة بالسودان، الأول 1590 في يوم 24 مارس والثاني 1591 في يوم 29 مارس ثم القرار الأخير. لقد تابعنا كلنا ردود فعل الحزب الحاكم ومن بعده حكومته في تأجيج الرأي العام ضد القرار الأخير باعتباره مس بالسيادة الوطنية، فما هي الحقيقة؟
الحقيقة قارئي الكريم أن السيادة الوطنية المفترى عليها قد مست بل وانتهكت وذبحت فعلا ولكن ليس بالقرار 1593 بل بسابقه رقم 1590، والذي نقل التدخل الدولي في شأن السلام السوداني من الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة وهو فصل اختياري برضا الدولة المعنية، إلى الفصل السابع وهو فصل قسري خاص بالتعامل مع الدول التي تعتبر مهددا للسلم والأمن الدوليين.. وفقا لذلك القرار فإن السلطة الدولية ستشرف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة على الأمور السياسية والعسكرية والمدنية والإعلامية في السودان وستستجلب قوات لحماية المدنيين بموجب الفصل السابع.. هذا القرار سيجعل بلادنا تحت الانتداب الدولي، بقواته العسكرية، والبوليسية، وإذاعته وقنواته الإعلامية، وسيتم التدخل الدولي في كل شاردة وواردة داخل البلاد.. هذا القرار جاء وفقا لتوالي خرق حكومة الإنقاذ لاتفاقاتها، وهو الذي يشكل انتهاكا صريحا للسيادة، ولكن الإنقاذ لم تجد بدا من ذبح الثور (السيادة الوطنية) من أجل أن تسلم الجرة (كراسي الحكم).. فما الذي حدث؟
بعد أن ذبحت البصيرة أم حمد الثور برضائها بالانتداب الدولي تحت الفصل السادس في بروتوكولات السلام بيديها لا بيدي عمرو، وسكتت عنها في القرار 1590، ظلت مشكلة دارفور دائرة وهي التي أدت إلى قرار محاكمة المتهمين في المحكمة الجنائية الدولية. وهو قرار متوقع فلجنة تقصي الحقائق التي أوصت بذلك كونت ولم يعترض السودان وجاءت وتعاونت معها الحكومة وجابت الآفاق ولم يقل أحد لماذا يتم التقصي ببلادنا وفيها نيابة عامة وشرطة.؟..
ماذا في هذه المحكمة؟ إنها محكمة تابعة للنظام الدولي والسودان جزء منه، بل لقد صوت السودان لصالح قيامها، ووقع على نظامها الأساسي أي انه يوافق عليها مبدئيا.. وإن لم يكن قد صادق عليها بعد. وفي المصطلحات الدولية فإن التوقيع يعني أكثر من القبول المبدئي أن الدولة تبحث في الوثيقة المعنية بغرض المصادقة عليها بعد أن ترى كيف ستكيفها لقوانينها ونظمها الداخلية، أي المصادقة. ولها أن تتحفظ على بعض بنودها لدى المصادقة أو تعلق المصادقة إن لم تر بنود الوثيقة مناسبة لقوانينها الداخلية ونظمها الثقافية.. إن تصويت السودان على نظام روما الأساسي يعني عدم الرفض المبدئي. ولكن هذا يقال حينما تنشأ القضية من قبل بعض المؤسسات أو المواطنين في الدولة بان يتقدموا بالشكوى في المحكمة، للمحكمة حينئذ أن تقول أن هذه الدولة ليست طرفا بعد.. أما إن كان الطلب من مجلس الأمن وفقا للبند السابع فالدولة ليس لها في ذلك يد. لم يعرف للسودان اعتراض على هذه المحكمة من قبل بل صوت لصالح قيامها كما قلنا، فما هي القضية؟ القضية هي البرمة. لأن الهرج الحالي لا يفسره إلا شيء واحد هو أن بعض المسئولين في النظام المتنفذين فيه يتخوفون أن يكونوا من ضمن المتهمين ال51 في قائمة المتهمين.. والأمر أسوأ من مجرد الاتهام، إذ ولتردد الاتهامات وتكررها من زيد وعمرو، فلطالما طالب حزب الأمة والإمام الصادق المهدي على وجه التحديد أن تشكل لجان للتحقيق والمحاكمة لكل من أجرم في حق الشعب السوداني منذ الاستقلال وأنه شخصيا مستعد للمثول أمام أية محكمة من هذا النوع.. لأن كثير من المتهمين أبرياء!. ولكن هذا الذعر الشديد من المثول أمام المحكمة معناه أن بعض هؤلاء المتنفذين يعلمون ان أيديهم ملوثة بدماء أهل دارفور، ويعلمون علم اليقين أن الذهاب للمحكمة سيكون بمثابة كشف حسابات قذرة وربما فظيعة..
إذا كانت الإنقاذ واثقة من سجلها كما تقول فلتسلم المطلوبين للعدالة والتحقيق، وكلما زادت عبارات القسم والتأكيد انها لن تسلم أحدا كلما تأكدنا أن بين أهل الإنقاذ مجرمين أثيمين ذهبوا بدماء أهل دارفور باعراضهم المنتهكة إلى مراقدهم كل تلك الفترة.. فإن كانوا كما يقولون بريئين فليقولوا للمجتمع الدولي: هاؤم اقرأوا كتابي.. ولا يخافون حينها مجاكمة سياسية لأنما حكومة السودان هي في أوج مدها العالمي كما قالوا لنا بل ورشحوا أنفسهم لجوائز نوبل للسلام.. إنها تحضر الآن في الفترة 11-12 أبريل 2005 مؤتمر المانحين ليناء السلام في أوسلو .. أليس هذا دليل مد؟!..
كان رسول الله عليه افضل الصلاة والتسليم قال حينما سرقت المخزومية وكلمه فيها حبه زيد يريد أن يتوسط لها قال له: إنما أهلك الأمم من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وغذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها.. إن الحرى بسلطة الإنقاذ أن تقول: لو اتضح بأي دليل ثابت أن أي شخص متنفذ قد قتل نفسا زكية بغير نفس أو انتهك عرضا أو أباد جماعة أو.. أو.. لقدمناه للعدالة قبل غيره كما فعل ابن الخطاب مع ولده حينما أغلظ عليه في العقوبة!.
نحن ليس لنا اية مصلحة في التستر على جناة دارفور ولا أحد يفهم لماذا تريد حكومة مسئولة التستر عليهم؟.. إن أية نباح وهرج يزداد سنزداد يقينا أن الإنقاذ أو مسئولين فيها متنفذين هم من قتلوا تلك الالاف المؤلفة في دارفور واغتصبوا وحرقوا المزارع والبساتين وأفسدوا الحرث والنسل، وهذه الحقيقة نفتها الإنقاذ كثيرا وقالت أن "الجنجويد" قوات متفلتة ليس لها بها واصل، وبعضنا كان يصدق.. فإن كانت الإنقاذ تريد أن تتستر على جناة فسيقع حقا المحذور.. وبعد أن ذبحت الثور (السيادة الوطنية)، ستكسر البرمة (ليس كراسيها فقط بل جميع الوطن)! اللهم احفظ هذه البلاد.
وليبق ما بيننا