الأربعاء، 10 يونيو، 2009

ترجمة : نــزاع دارفـور ليـس عـرقيــاً ..منعت الرقابة الأمنية نشرها


ترجمة : نــزاع دارفـور ليـس عـرقيــاً
نزاع دارفور ليس عرقيا..منعت الرقابة الأمنية نشرها


كتب : مارك لافيغنج ،،المتخصص في الشأن السوداني والباحث في مركز (سي ان ار اس ) ومدير معهد البحوث والدراسات القانونية والاجتماعية ..

ترجمة : مؤيد شريف


المقدمة:

النزاع في دارفور ليس نزاعا عرقيا بين مليشيات "عربية" وقبائل "افريقية" . لكنه نزاعا بين قبائل مستعربة لها نمط للعيش قد يقترب أحيانا من نمط عيش القبائل الاخرى وقد يبدو أحيانا أخرى متعارضاً ومتقابلاً ، وبعضها أصبح اليوم أداة تحركها الخرطوم .أكد مارك لافرينج الباحث في مركز (سي ان ار اس) والمتخصص في الشأن السوداني ما ورد في المقدمة والمدير السابق لمركز الدراسات والتوثيق الجامعي والعلمي والفني الكائن بجامعة الخرطوم (الانتين)...ماذا يجري في دارفور ؟هل هو نزاع بين قبائل عربية وقبائل أفريقية "سوداء"؟ هل نحن أمام أعمال قتل واسعة ذات طابع عرقي - تقرير المبعوثين الدوليين للامم المتحدة - ؟ أم نحن أمام حركة تطهير عرقي كما أكد الكونغرس الاميركي؟ ما هي حقيقة مليشيات الجنجويد والتي دفعت أكثر من مليون مواطن دارفوري الي منافيهم مرتكبةً أعمال خطف وإعتداءات واسعة ومسنودة من قبل حكومة الخرطوم ؟إعتمادا علي الفترة التي قضاها في السودان ، يقطع الباحث مارك أن أزمات هذا البلد نشأت من" تواضع " الحكومات التي تعاقبت منذ الاستقلال وهي نفسها الحكومات التي أهملت الأقاليم الطرفية بما فيها القريبة من الخرطوم العاصمة . ودارفور جزء من هذه الاقاليم المهملة ، والساعة يتم إستخدام مليشيات لتحقيق غايات سياسية واقتصادية .طرح الباحث د.مارك فيما يلي قناعاته الخاصة فيما يتعلق باسباب وطبيعة الحرب في دارفور كما سيعرج علي مواقف المجتمع الدولي من النزاع .هل نحن نتحدث فقط عن "عرب" و "افارقة" في دارفور ؟مارك: المفهوم الذي تصوره مفردة "عربي" هو مفهوم ثقافي وليس فيه أية اشارة عرقية . ويمكن وصف المليشيات بالعربية بسبب أنها قبائل استعربت منذ أزمان بعيدة ومنها المساليت والزغاوة والتي نقول عليها "افريقية" ، الا أن القبيلتين مرتا ببعض مظاهر الاستعراب حتى وإن استمرت بعضها في التخاطب بلهجات افريقية وهو ما لم يمنعها جميعها من استخدام اللغة العربية .فيما يتعلق بالديانة ، جميعها تدين بالاسلام والأزمة في جذرها تكمن في نمط الحياه أو العيش ، حيث توجد قبائل بدوية "رحالة" ورعاة ، في المقابل توجد قبائل مستقرة تشتغل بالزراعة، وما سبق هو تمايز واقعي الا أنه ليس نهائياً "مسدود" ، اذ أن القبائل الرعوية يمكن ان تتحول لمستقرة وبذات القياس يمكن ان توجد قبائل بدوية رحالة تحولت لنمط عيش مستقر ثم عادت من بعد ذلك لحياة البداوة . القبائل التي تسيطر علي التمرد هي قبائل الزغاوة والمساليت وهما كانتا قبائل رحل وبداوة أما اليوم فقد صاروا أهل تجارة وعُرفوا بها .ما هي اذن مليشيات الجنجويد وما هي دلالة هذا المصطلح ؟مارك : مصطلح الجنجويد ليس الا مصطلحا وظيفياً . وهو يعني : مجموعات من الخيالة "الشياطين" والمسلحين بالكلاشينكوف . بالنسبة لي ، الكل ذو لون أسود في هذه الديار ولا مكان هنا لمفهوم "العنصرية" البتة . المليشيات المسماة بالجنجويد هي مليشيات لمرتزقة ولا يمكن الادعاء اطلاقا بأنها "عربية" . وليسوا هم من يمثلون جذر الأزمة ويمكن أن نتمادى أكثر لنقول بأن ما يحدث هناك: (مساكين) يقاتلون (مساكين) ..منذ متى ونحن نتحدث عن الجنجويد؟تشكلت هذه المليشيات منذ عشرات السنين ولم يعرهم المجتمع الدولي اهتماما طالما أن المهضومة حقوقهم والمضهدون لم يثوروا . وكانت هناك مذابح تدور في السابق الا أن الضحايا "لم تكن لهم أعين للبكاء" . وكنت قد تواجدتُ في دارفور في اثناء مجاعة عام 1985م، ولقد كان المشهد حقيقة مرعبا ولم تكن للشعوب المضطهدة حركات تدافع عنها وتشكل تمرداً ولم تفتح الامم المتحدة أعينها باتجاه الاقليم والمجتمع الدولي ايضا الا بعد أن تفجر التمرد .كيف تعايشت المجموعتان بسلام وبشكل تقليدي ؟ما هو شائع كان التعايش السلمي بفضل نمط الحياة الاساس خاصة ما عُرف من رباط تكاملي بين المجموعتين ؛ كل طرف يحتاج الآخر ، وفي أثناء الهجمات التي شنتها القوات الحكومية في مواجهة "النوبة" منعت الحكومة البدو الرحل من أن يجلبوا المواد الاستهلاكية مثل الملح والصابون الي الشعوب النوبية المتحصنة بالجبل ، الا أن قبائل الرحل خاطرت بالوصول اليهم وتوفير المأكل لهم .ماذا تغير اليوم ؟مارك: تتشكل المليشيات ببساطة من أفراد كادحين ولا يجدون فرصاً للعمل ، قامت الحكومة بتسليحهم وقالت لهم : " تستطيعوا أن تفعلوا ما تريدون ،السرقة ،النهب ...." وهناك مشكلة لم يتسبب فيها أي طرف وهي أن المجموعات لم تعد خاضعة لسلطة الأجداد كما السابق وكثيرا ما كان يقع قتال بين قبائل الرحل والقبائل المستقرة خاصة في فترة مجاعة عام 1985م ويمكن أن ينفجر بينهما قتالا مفاجأً ودون سابق إنذار وقد يتسبب إلقاء حجر أو ضربة سيف في تجدد التقاتل ودائما ما يُخلف التقاتل ضحايا إلا أن القبائل تنتهي بالالتقاء والتفاوض وتُثبت الصلح وتنشأ روابط التصاهر فيما بينها والتي وبفضلها يحتفظ الطرفان بحالة من السلم لعشرات السنين . أما اليوم فقد إندثر تماما هذا النمط من التصالح وفي الحقيقة فان هذا النوع من المعالجات التقليدية نجده في بلدان افريقية عديدة الا أن الاجيال الجديدة والتي تمتلك الأسلحة الاوتوماتيكية لم تعد تُقدر بأن لها استحقاقات واجبة الايفاء .كان خيار حكومة الخرطوم منذ العام 1985م أن تسلح مجموعات الرحل حتى تتسن الاستفادة منهم كقوة داعمة لاسيما وان القوات النظامية أكثر تكلفة وتتطلب التزاما . وهكذا ، إندست وتدثرت الحكومة وراء هذه المليشيات القبلية .نُسهم جميعا ومنذ عشرات السنين في ازدياد وتفاقم التوتر بين مجموعات الرحل والقبائل المستقرة ، وفي كل مرة تتفجر فيها أعمال العنف تلتزم الحكومة جانب مجموعات الرحل . أكثر من ذلك ، فان الناس تسهم في حدوث الجفاف والتصحر في شمال دارفور ما يجبر الرحل علي النزول جنوباً بحثا عن الاراضي في جنوب دارفور .كيف تحدث الهجمات ؟مارك: تعرضت القرى علي وجه الخصوص لهجمات المليشيات ، ودائما ما تحدث الهجمات ليلاً وتُحرق المساكن المبنية من القش ليخرج الناس من مساكنهم يملأهم الخوف نصف عراة ليتعرضوا بعد ذلك للقتل والاعتداء والخطف .... وما يقلقني أكثر أن هذه الهجمات الأخيرة لا علاقة لها علي الاطلاق بالغارات التقليدية حيث يعمل الجنجويد علي إشعال النار في الحقول وقتل المزارعين ، ما يعني أن دافعهم لم يكن متعلق بنهب أو أساليب العيش القديمة وانما هو مختلف هذه المرة! .لماذا يُعمل علي تهجير المزارعين المستقرين ؟في رأي أن الحرب في السودان هي حرب استعمارية تقودها الخرطوم وهي أيضا حرب استغلال اقتصادي ، فالجنوب يفيض بالبترول والثروات الزراعية متوفرة في اقاليم أخرى عديدة وكثيرا ما أعتبر السودان سلة غذاء العالم العربي وبامكان الشركات الصناعية الكبرى الخليجية ،السعودية،والاماراتية أن تستثمر في هذه الاراضي بما فيها أراضي دارفور . قامت الزراعة في السودان منذ الاعوام 1940م – 1950م علي النمط الراسمالي ، وبامكان شخص واحد أن يمتلك عشرات الاف من الهيكتارات . وسبق للجنرال نميري أن منح اراضٍ زراعية لشركات عربية خليجية ؛ هذا البعد الاقتصادي هو غاية في الاهمية في صراع دارفور أو الصراع في السودان بشكل عام ..الاهمال الدائم لدارفور هو الدافع الرئيس لقيام حركتي العدل والمساواة وحركة تحرير السودان.لم تبحث الحكومات المتعاقبة في أمر تنمية اقليم دارفور من خلال خلق فرصا للعمل وانشاء الطرق وهذا ما كان ايضا من الامبراطوريات الكولونيالية ؛ فالمانيا بالكاد عبدت طريقا بطول 40 كيلومترا فقط . اقليم دارفور هو اقليم مهمل مثله مثل الاقاليم الطرفية القريبة من الخرطوم . اذا فقد تخلت الحكومات عن شعبها والذي لم يكن يعارضها أو يقف ضدها جذريا . وكان بامكانهم ان يطوروا البلاد إن رغبوا ودون كثير عناء ..المجتمع الدولي يتردد في تسمية ما يحدث في دارفور : أعمال عنف علي أساس عرقي – تطهير عرقي – مذابح .....مارك: هذا الحدث لم يك فيه أي شعور انساني علي الاطلاق ، حيث يهاجم الجنجويد القبائل المستقرة ويجبروهم علي الهرب واخلاء اراضيهم حتى يتسنى لبارونات النظام أو الرحل انفسهم استغلال الاراضي المهجورة . واذا كانت المسألة تتعلق بالارقام يمكننا التحدث عن تطهير عرقي وأعتقد أن حوالي 300 ألف شخص لقوا حتفهم وأكثر من مليون شخص وجد نفسه من دون مأوى ومع اقتراب موسم الأمطار ستكون الأوضاع غاية في الصعوبة فيما يتعلق بمدهم بالمساعدات . وفي المقابل ، واذا كانت المسألة هي نوع من "العنصرية" بوجود رغبة في ازالة شعب ،،أعتقد أن الجنجويد يرغبوا في ازالة القبائل المستقرة من جيرانهم وابناء عمومتهم ....كيف يُنظر لدور المجتمع الدولي ؟هو دور ومن دون تردد غير كافٍ ومخادع خاصة من جانب فرنسا والتي أيدت حكوماتها المتعاقبة حكومات الخرطوم وهم يعلمون بأنه نظام ديكتاتوري الا أنهم قدروا بأنه يمكن أن يكون عاملاً لاستقرار الاقليم . والسفير الفرنسي نفسه صرح في وقت قريب بأن ليس هناك أزمة في دارفور! . من جانب آخر ، أجد أن من المعيب أن يتعاقب الدبلوماسيين الدوليين علي الخرطوم ليطلبوا من الرئيس إنجاد نازحي ومهجري دارفور ما يُعطي الاحساس بان الأزمة قد حُصرت في جانبها الانساني فقط . ومن الصادم أن نراهم يشدون علي يد عمر البشير في الوقت الذي كان عليهم أن يغادروا السلطة باحزابهم لاسيما وأن البلاد لا تعاني من أزمة وفرة أو ثراء . الأزمة الحقيقية هي صنيعة هؤلاء القادة . المجتمع الدولي بكلياته غير آبهٍ ولا مبالٍ بسبب المصالح الاستراتيجية في دارفور وبسبب أن هذا الصراع يؤثر سلبا علي استقرار تشاد الجارة وكل الاقليم المجاور ....وهم ليسوا في حاجة لذلك فلديهم ما يشغلهم .... وبامكاننا القول أن النزاع في دارفور بدأ يسبب الضجر والسأم للجميع وهم ينتظرون أن يموت الناس في أسرع وقت ممكن! .......