الأربعاء، 10 يونيو، 2009

سياسة ملء البطونسيسيولوجيا الجماعة الانقاذية (2-2)..


سياسة ملء البطون سيسيولوجيا الجماعة الانقاذية (2-2)
منعت الرقابة الأمنية نشر هذه المقالة علي صفحات (أجراس الحرية)
مؤيد شريف



( سياسة ملء البطون ) توصيفٌ دال علي حالة من إستشراء وإستحكام وتطبع فساد السلطة المنظم ، وقال به عالم الاجتماع الفرنسي جان فرانسوا بايار واتخذ منه عنوانا لاصدارته القيمة : "سياسة ملء البطون ؛ سيسيولوجيا الدولة الافريقية " . وحتى وإن بدا (فساد الدولة) عنصرا اساسيا في الكتاب ، إلا أن الكاتب يهبط بالظاهرة لحدود أعمق من ذلك بكثير ؛ فيبحث في جذور المسألة من خلال تحليله لنوعية العلاقات الاجتماعية والاثنية المتنافرة والمتقاتلة ، ويذهب بالظاهرة أبعد عندما يستعرض دولة ما قبل الاستقلال وأجواء المطالبات العنيفة وما ولدته من فرضيات جديدة أسهمت في إنتاج الطبقة المسيطرة والحاكمة . والكتاب لا يحرض علي التفكير العميق في أنماط إنتاج الثقافات السياسية في أفريقيا فحسب ، بل يقترح قراءات متنوعة لدراسة السلوكيات السياسية للفاعلين المحليين ويمهد ولفرضيات دراسات عملية صناعة السياسة في المجتمعات الافريقية بشكل عام .الكتاب بما فيه من فرضيات صالحٌ ، في كثير من استنتاجاته ، للتطبيق علي واقع سودان الأزمة (سودان ما بعد سيطرة الجماعة الانقاذية) . والمفارقة أن الجماعة الانقاذية ، والتي تقول بانتمائها للمحمول الثقافي العربي الاسلامي ، ظلت تنتج وتُوجد ثقافات سياسية افريقية المنشأ وجديدة وطارئة علي المجتمعات السودانية والمزاج السوداني ! ، فقد بدت الجماعة الانقاذية ومنذ بدايات عهدها في السلطة ، عازمة علي إعادة إنتاج وترتيب العلاقات الاثنية والقبلية بما يضمن - حصرا - سيطرتها ؛ فاستخدموا المال الكثيف لاخضاع واستمالة الزعامات القبلية ، وصنعوا زعامات قبلية بديلة في مواجهة المستعصمة والرافضة للسير عند ركابهم : وكان أن نشأت صراعات داخلية عميقة بانتهاء وزوال تاثير كثير من زعامات البيوتات التاريخية القبلية وتصعيد زعامات موالية لا تتوافر لها الهالة التاريخية في نفوس القبليين ولا يلقون ذات الاحترام والذي كانت تحظى به المُنحاة . وبدخول السلطة بالياتها الغليظة واموالها الكثيفة علي خط الصراعات القبلية البسيطة غذتها وضخمتها ، فاهتز استقرار النظم الاجتماعية البسيطة اهتزازا عظيما واستحالت معظمها الي كيانات متشظية ومتصارعة ، تحمل كل منها كرها وغبنا تجاه الاخرى وتقع السلطة هنا موقع المناصرة لبعضها في عيون البعض الآخر ، ودخلت سلطة الجماعة الانقاذية طرفا في النزاعات ، تدعم هذا وتسلح ذاك وتلعب علي التناقضات الاثنية والاحتياجات الاقتصادية لاطراف النزاعات ، وبدخولها حُيدت كل اليات المجتمعات المحلية التقليدية في فض النزاعات وإستعادة حالة السلم والأمن وعقد الترضيات القبلية ورتق النسيج الاجتماعي بالزيجات والتصاهر والوسائل الاخرى ، فمثل احتكام بعض الاطراف لاليات السلطة دافعا للاخرين والمتضررين من أدوار السلطة للبحث عن اليات مشابهة حتى وإن جاءت من خارج حدود الوطن الكبير .ليس من طرائق (العمل) الاقتصادي المتبعة من قبل الجماعة الانقاذية ما يمت لمقاصد وتوجهات الفكر الاقتصادي في الاسلام بصلة ، وجوهر الفكر الاقتصادي في الاسلام يركز ويشدد باستمرار علي أهمية الاعتبارات الاخلاقية ، ودائما ما يكون المجتمع واحتياجاته حاضرة عند أولى اولوياته ، بينما يقوم سلوكهم الاقتصادي علي دوائر ضيقة من علاقات التبادل الإستنفاعية من خارج دورة الاقتصاد الانتاجي الحقيقي ، وطبيعيا عند هكذا نموذج أن تختل وتنعدم العملية الانتاجية المهمة لتحسين أداء الاقتصاد واحداث الناتج وفوائضه ، وتبعا لذلك قلّ الناتج الحقيقي للاقتصاد واختلت بعنف عملية توزيع الناتج توزيعا يراعي الفئات الاجتماعية علي تنوعها واختلاف أنماط عيشها .ضمن سعيهم لكنس القديم استبدلوا حتى علاقات الانتاج والتي كانت سائدة قبلهم فما عادت الزراعة عملاً استثمارياً مربحا من جراء سياساتهم الجبائية والخراجية المتعددة الاطراف والغير متحكم فيها بسبب تضارب مصالح دوائرهم ورفض شبكات الفساد الصغرى الخضوع حتى لتوجيهات قياداتهم في أعلى هرم سلطتهم ! ؛ فالتوجيه بمجانية التعليم مثلا لا يُطبق ويغض الطرف عن ممارسات المحليات وتوجيهها لمدراء المدارس بطرد كل تلميذ وتلميذة لا يلتزم بدفع الرسوم المدرسية ! . والتوجيه بوقف تحصيل جبايات قطاع الطرق يظل توجيها اعلامياً تلوكه السنة مراكزهم الاعلامية ويستمر النهب وقطع الطرق وأكل اموال المُفقرين بالباطل والاضرار بحركة الاقتصاد والتواصل بين اطراف البلاد المختلفة ! . والتعليم نفسه لم يعد في عهدهم عاملاً من عوامل الترقي الاجتماعي وتطوير أنماط كسب العيش ، وأختزل الأمر كله واستسهل في مسألة الولاء (لمشروعهم) : أن تكون موالياً تفتح لك خزائن الأرض المنهوبة فساداً وافساداً حتى وإن كانت درجة تحصيلك العلمي صفراً مغلظا ! ، وان تكون معارضاً يضيق عليك في عيشك ويكون من (الصالح العام) فصلك عن عملك وتجويع أبناءك وهدر مستقبلهم ! ؛ ورب الناس انها لوصفة للخراب والهلاك العظيم.وضمن ورقة قدمها الكاتب الملتزم بالقضية الوطنية الاستاذ الحاج وراق في اكتوبر من العام 1989م تنبأ الاستاذ وراق بحالة الوطن المأزومة التي نعيشها آنيا بقراءة قديمة متجددة لواقع أزمة الاسلام السياسي فكتب : ( فشل نظام الراسمالية الطفيلية في توفير ظروف العيش الكريم لغالبية الشعب ، أهدر (الموارد) ، جلب الكوارث للبلاد ، وهدد وحدتها ، وباع سيادتها .... تحكم الطفيلية والفشل يطاردها من كل جانب ، الأزمات تنخر عرشها وتجعل الأرض تميد من تحت أقدامها .... لذلك نزعت الفئات الطفيلية الي تغييب الواقع ونشر الظلامية والتعلق بالمعجزات ، والجماهير التي لم تنطل عليها حيلة "شد الاحزمة علي البطون " من أجل " التنمية " و " الاكتفاء الذاتي " خطب فيها نميري وفقهاء الطفيلية محذرين من مخاطر "مطايب" الطعام بينما هم اتسعت حلوقهم من كثرة ازدراد الترف وتقيؤ الكذب الكثير ، إنه الزهد للجماهير المحرومة والشراهة للقلة المترفة ) انتهىوما سبق توصيف يطابق ويماثل ما عليه واقع البلاد حذوا بحذو وإن قال به الاستاذ وراق قبل قرابة العشرون عاما هي عمر استطالة حكم الجماعة الانقاذية وبعد بضعة أشهر من انقلابهم علي الديمقراطية . وعندما أشرنا سابقا لان الدخول الطارئ للجماعة الانقاذية مثل خضة اجتماعية فانما كنا نقصد هذه الابعاد الدالة علي تراجع وتدهور اجتماعي واقتصادي سلوكي والتي اشار اليها الاستاذ وراق ، حيث بدا الأمر وكأنه تراجيديا غاية في المأساوية : قلة قليلة لا تتعدى 1% من الشعب المطحون هي التي تتوافر علي الفوائض المالية الضخمة سواء المتسربة فساداً وافسادا من مداخيل الدولة أو تلك التي كدسوها عن طريق ما يسمونها بالتسهيلات الحكومية أو المعاملات التفضيلية والتي أعرف لها تسمية وحيدة لا أرى غيرها (المفسدات الحكومية والمعاملات غير القانونية ) ، فضلا عن ذلك فان الفوائض المالية النفطية المتحكم فيها كلية من قبلهم لم توظف في مشاريع تنموية حقيقية وذات جدوى اقتصادية واسعة ، بل – وكعادتهم – انحصر نشاطهم في المضاربات البنكية والقروض المشبوهة والكمشنات المليونية والاحتكاريات المكفولة بقرارات سياسية ، وكل هذه النشاطات الطفيلية الهدامة والمضرة بحركة واداء الاقتصاد الانتاجي تجري تحت سمع وبصر ومباركة نافذيهم في السلطة ان لم تكن بتوجيه مباشر من المستفيدين والضالعين في اعمال تجارية معينة ! (فان كنت منا فلا تستحي وافعل ما شئت!!) ، وفي ذات السياق يضيف الاستاذ وراق : ( ...وعلي طريقة مستجد النعمة امتازوا بنزعة استهلاكية واضحة ، استعاضوا عن عجزهم عن الابداع وعطاتلتهم عن أي خلق حقيقي ، استعاضوا عن ذلك بالانغماس في الفساد والشهوانية المفرطة في ظل الأزمة الاقتصادية وانتشار قيم الكسب الطفيلي وأحلام الثراء السريع ....) انتهىأما عن حركة الفساد المنظم المتصف به تنظيم الجماعة الانقاذية ، فهي حركة فساد وافساد واسعة وغاية في الشراهة لم يشهد التاريخ السوداني قديمه وحديثه مثيلا لها ، حيث يتكفل الجهاز السياسي (للدولة) بحماية نشاطاتهم الطفيلية المالية التنفعية والتكسبية من خلال سن القوانين والتشريعات المناسبة وضمان عدم ظهور منافس من أي نوع وحجم لنشاطهم الطفيلي الهدام . هذا من جانب ، ومن جانب اخر يعد إصرار الجهاز السياسي علي تغييب اليات المراجعة والمحاسبة المالية النزيهة والقادرة علي فضح الفساد وتقديم مقترفيه للمحاسبة ، يعد تشجيعا مباشرا منهم لمنتسبيهم بالاستمرار في الافساد ونهب أموال الشعب بالباطل ، وفي مثل هكذا أجواء من التسيب وغياب المحاسبة والمحاباة الحزبية بتسوية القضايا والتستر عليها ، يكون طبيعيا ان يتجرأ متعهد تموين صغير لمعسكرات الخدمة الالزامية بمد يده والاعتداء علي مليارات الجنيهات ، وينتهي الأمر علي نحو من التسوية (والغتغتة) مأساوي : خرج بمقتضاها المتعهد اللص محملا باموال السحت وغادر البلاد لم يمسسه سوء ومن خلال منافذها المعتادة !، ولغف من لغف من وراءه وايضا بمقتضى التسوية ! .وقضايا الفساد التى يتسن لنا الوقوف علي شيء من تفاصيلها يكون خروجها للعلن نتيجة تضارب مصالح داخلي بين شبكات الاستنفاع وعصابات نهب المال العام المنتمية لتنظيمهم ، ومن أشهرها اخيرا (ما لم يتكشف غموض مسألة الوالي ومعتمده وعطاءاتهم خاصة بعد تهديد الاخير بطرح وثائق تكشف جديدا) قضية رئيس المجلس التشريعي لولاية القضارف والذي ظل 14 عاما متصلة في منصبه التشريعي والحزبي القيادي لا يعترض علي معاملات الفساد والتربح والتكسب علي حساب انسان الولاية المسحوق وحقه في التنمية ، وما أن دب الخلاف علي شيء من المال بينه وبين والي ولايته من نفس جماعته الحزبية حتى خرج علينا علي صفحات الصحف يشكو لطوب الأرض ويتسائل : ( هل نصبح من الفرق الباغية ؟ أم الناجية؟) ؟؟!! ، أي فرق ناجية وانت ومن علي شاكلتك من جماعتك صمتم عشرات السنين علي ممارسات شبيهة وشاركتم في نهب مال المُفقرين والجوعى واليتامى والمرضى والمهجرين والمفصولين ! أي فرق ناجية وأنتم لا تُخرجون من الحقائق الا انصافها بعد ان تتقاتلون علي ريع مص دمائنا وسحق عظامنا! وبعد ان تختلفون فيما بينكم حول نسبة كل منكم من كعكة المال المنهوب وطرائق نهب المال السائب واستغلاله!، أين أنتم من الفرقة الناجية!.وغيرها الكثير مما نعرف ولا نعرف من قضايا الفساد ونهب المال العام والتي في الغالب تنتهي بتسويات ظالمة يُضيع فيها الحق العام في المال وفي محاسبة المعتدين اللصوص من ناهبي مال الأرامل واليتامى والمُفقرين من جراء سياساتهم وأهل النزوح ممن يتكرم العالم الخارجي باحتياجاتهم في الوقت الذي تتلهى فيه حكومتهم عنهم بالعطاءات المشبوهة والصفقات المفاسد ! .وما خفى أعظم ، وما ضاع حق وراءه مطالب ، فاملأوا بطونكم ما وسعها عن اخرها ، فايام الحساب لا محالة آتية ، فالله لا يهدي كيد المعتدين ولا القوم الظالمين وهو خصيم للفاسدين .