الأربعاء، 10 يونيو، 2009

المناطق الباهتة في الحركة الاسلامية السودانية (2)




منعت الرقابة الأمنية نشره
مؤيد شريف



الناظر الي علاقة التيار الاسلامي السياسي في السودان بالنظام الرسمي يلاحظ ، مع صعودها وهبوطها ، استقرارا معقولا وحالة محدودة وموضعية الاسباب من المواجهة الخفيفة احيانا أخرى وهذا وضع متعارض وحالة الصدام المبدئي والحاد بين تيارات الاسلام السياسي والانظمة العربية والتي قد لا تعود في الاصل لطبيعة التوجه بقدر ما تعبر عن محتوى سياسي ومواقف وقتية تتسبب في الصدام والاعتقال ، ويمكن القول والقطع بأن تيار الاسلام السياسي في السودان هو الأقل تعرضا في المنطقة للممارسات القمعية المعروفة والممارسة بحقهم ، وعلي الرغم من أن بعض الاسلاميين حاولوا تبرير انقلابهم العسكري في العام 1998م علي أنه جاء للحفاظ علي الحركة الاسلامية حتى لا يتعرض قادتها لما تعرضوا له من سجن واعتقال ، وبمراجعة لتاريخهم وعلاقاتهم بالانظمة يتضح زيف التبرير مع صدقية وجه من اوجه الاستدلال فيه ، حيث أن الحركة الاسلامية لم تذهب يوما في تاريخها لمعارضة أو معاداة نظام حاكم في السودان منفردة ودون غطاء كثيف من احلاف معارضة أخرى ، فهي دائما وكعادتها وعادة مثيلاتها في المنطقة لديها خوف داخلي متأصل من الانقراض والتلاشي لذلك فهي تظل شديدة الحرص علي عدم الدخول في مواجهة منفردة ومكشوفة ضد النظام ، بل أن الحركة الاسلامية في السودان استفادت غاية الاستفادة من الكثير من الظروف السياسية الطارئة وانشأت تحالفات مع أنظمة حاكمة وصنعت لنفسها تمثيلا ومشاركة في الحكم بما لا يتناسب وما تلاقيه من حجم التاييد في أوساط الشعب كما كان الحال اثناء تحالفها ونظام مايو العسكري ، ونوعية التحالفات التي عقدتها تدفعنا للاجتراء بالقول بأنها كانت تحالفات وقتية ونفعية الاهداف الذاتية ولم تك في اطار عمل وطني جامع ، ويبدو أنها عقدة غياب السلطة واستعصاء الوصول اليها بشرعية الجماهير هي التي قصرت التفكير الاسلامي في نهجه وعلاقاته بتغليب الرغبة في الحكم علي ما سواها من برامج تربوية واخلاقية "بالمعنى السياسي " وهنا منطقة باهتة في التعاطي الاسلاموي وخصوصية الحالة السودانية ، اذ أن النموذج الاسلامي للدولة يظل مختلف عليه في نواح كثيرة عدا ما عرف ارثا وجبلت عليه المجتمعات المسلمة في السودان من أن دولة الاسلام هي ، في المقام الاول ، تطبيقا لنموذج اخلاقي وهذا هو المفهوم الذي يتلاقى وتصور المجتمعات السودانية المسلمة ، ولا يسع تيار الاسلام السياسي الادعاء بانه هو من أوجد ورسخ مبدا "تشاركية" الديني والسياسي في السودان كما يذهب اليعض منهم للقول ، فالمجتمع المسلم في السودان يبقى مؤمن أو غير معارض ، في حده الادنى ، لفكرة أن يكون العامل الديني حزءا من السياسي في سياقات معينة ومتوخية لبعض طبائع فيه وغير مجترأة علي قوة المعتقد التقليدي علي النغيض من بعض التجارب القريبة والتي بدت مواجهة من مجتمعاتها بحالة من الرفض المستعصم بالتيارات الوطنية العلمانية وشبه العلمانية والتي ترفض رفضا قاطعا مبدأ تدخل الدين في السياسة ؛ ومن هنا تجد حركة الاسلام السياسي في السودان نفسها أمام تحديات متعددة ، حيث كثافة أطراف الدعوة للدين وتنوعها في مجتمع يسيطر عليه المعتقد الصوفي وصلابة الانتماء الطائفي المتجذر تاريخيا ، وكان التحدي في أن تسلك الدعوة مسارا مختلفا ومتوافر في أصل دعوتهم وغائب عن الفئتين المنافستين وهو نسق الدعوة للتمكين والاستخلاف ؛ وهذا ما يفسر انحصارهم في بداياتهم علي فئات المتعلمين والطبقة الوسطى ، فقواعد المجتمع بكثافتها العالية كانت محسومة خياراتها باتجاه جذوة التاريخ المتقدة والطائفة المسيطرة .قامت الدعوة علي نمط شبيه بالنمط الاخواني في مصر والذي اعتمد علي نظام الاسر أو "العائلات" الدعوية وهو نظام نخبوي ومنعزل حد كثيرا من قدرتهم علي الانتشار والتمدد ، فكانت حلقات الدروس تمثل حلقات دينية اقتصر دورها علي التنشئة وظلت معزولة عن ما فوقها من مستوى أعلى أو قيادات وسيطة , والفراغات التي ظلت تشكل فواصلا بين الفئات المختلفة في داخل التيار الاسلاموي لم تك بسبب المحاذير الامنية وملاحقات السلطة كما هو الحال في التجربة المصرية أو التونسية ، فقد كان ، وربما لازال ، المجتمع السوداني ككل يقوم علي الهرمية القابضة والتي لا يمكن الخروج عليها باي حال من الاحوال ، وأمام هذا الواقع اكتفى التيار الاسلاموي بمجاراة الواقع ولم يبتدع جديدا في هذا الواقع ، بل ساير واقع المجتمع ليُنشا نظاما هرميا "صوفيا" يصعب معه الحديث عن أي شكل من اشكال المؤسسية الداخلية أو اعمال الحوار .وازمة ادارة الداخل لديهم هي أزمة منكشفة ومتجددة باستمرار غياب المؤسسية وسلطة الشخصية الآسرة ولا تعكس صراعا فكريا حول الكيفية التي يمكن أن تدار بها الامور بقدر ما تعكس حالة من فقدان العمل الجماعي وسيطرة مجموعات معينة علي عملية صناعة القرار .كما سبق وذُكر فان طبيعة المجتمع السوداني تبدو شديدة الليونة من حيث تعدد شروط استمالاتها واستغلالها وهذا ما يفسر الاعتقاد الراسخ بالممارسة لدى الطبقة السياسية السودانية علي اختلافها بأن السلطة ، ولا شئ آخر ، هي مفتاح التغيير في الواقع السوداني ! وكمثيلاتها من الاحزاب السياسية السودانية كان طبيعيا أن تبحث الحركة الاسلامية عن قلب النظام بالوسائل العسكرية ، وبعد ان فعلت تفاجأت بواقع التشابك والتعقيد وازمات تتفرع وتتوالد في الداخل والخارج ، وعلي الرغم من سيطرتها الظاهرة علي السلطة وما صادفته من توفيق في زحزحة سيطرة الطائفية التقليدية عبر دخولها ، بدفع ادوات الدولة والسلطة والاقتصاد ، في صراع استمالة الزعامات القبلية والعشائرية وتجريد الطائفية من هالآتها التاريخية بالتضييق عليها بكافة الوسائل وحرمانها من البعد الاقتصادي المهم في واقع الفقر والتطلع ، وتمت عملية احلال وابدال متعجلة لغالبية القيادات القبلية والعشائرية ورجالات الادارة الاهلية بهدف تمكين السيطرة الحزبية واقصاء المنافسين ؛ وقد كان لهم ما ارادوا في وقتها الا أن المحصلة النهائية لم تك كما ارادوا في غير مكان من السودان ، وبدأت التشققات الداخلية المركزية العميقة تنسحب وتزحف باتجاه الاطراف البعيدة وارتدت الاسس القبلية والجهوية وبالا علي الحركة الاسلامية وبدت عاجزة عن ادارة الصراع الجهوي في داخلها دع عنك الذي يختص بالاخر المختلف والمقابل ، وكما هي العادة كلما اشتدت العاصفة وعصفت الازمة تعود الحركة الاسلامية لازكاء رهانها القديم بفرض صيغة صراع الهويات وانكار الابعاد الاخرى والاكثر تجذرا من مسببات الصراع .