الأربعاء، 10 يونيو، 2009

ثلاث وقائع.. ترخي ظلالها على التراضي الوطني


ثلاث وقائع.. ترخي ظلالها على التراضي الوطني
...(منعته الرقابة الامنية)

أبوذر علي الأمين ياسين

كتب هذا المقال عشية التوقيع على اتفاق التراضي الوطني بين المؤتمر الوطني وحزب الامة القومي
في نفس يوم التوقيع على (اتفاق) التراضي الوطني بين حزب الامة القومي والمؤتمر الوطني وقبل لحظة التوقيع حدثت ثلاث وقائع جاءت دلالاتها كلها على خلاف بنود التراضي الوطني جوهراً ومظهراً. وكان أكثرها دلالة خطاب البشير (نهاراً) -بميدان ليوس سدرة- الذي أعلن فيه حسب الصحافة ("إن دور جهاز الأمن والمخابرات لن ينحصر على دور جمع المعلومات بل تأمين الوطن والمواطنين" وشدد على أن السلام تحرسه القوة لهذا يأتي الاهتمام بالجهاز") – الصحافة 21 مايو 2008م. وبهذا الكلام المنشور على الصحف كان البشير وهو يتهيأ لتوقيع الاتفاق (الثنائي –القومي)مساء نفس اليوم قد خرق ليس اتفاقاً موقعا بينه والحركة الشعبية بل نصوص دستور يحكم وضعه ووضع كل البلاد. وتنص المادة (151/3) منه على أن «تكون خدمة الأمن الوطني خدمة مهنية وتركز في مهامها على جمع المعلومات وتحليلها وتقديم المشورة للسلطات المعنية». وكانت الحكومة قد استقبلت موقف الحركة الشعبية من أحداث أمدرمان بترحاب ورضى كبير كون الحركة الشريك في الحكم لم تقف في مساندتها لشريكها في حدود الادانة بل تعدته بانزال قواتها لأرض المعركة لتحرس وتسد ثغرة جبل أولياء في نصرة وتناصر كامل الجوانب الواقعية والعملية والاخلاقية موقف ودور من شريك. لكن الحكومة والمؤتمر الوطني كان جزائهم للحركة بعد يوم أو اثنين اشعال فتيل الحرب والقتال ضد الحركة وجيشها بأبيي بل لم يبالوا حتى بالمواطنيين الابرياء هناك فافرغوا المدينة من أهلها تماماً كما يتم إفراغ الخرطوم من أهل الغرب من سكانها بتوسيع دائرة الاشتباه كما توضحه خلفية توجيه الرئيس الذي أطلقة بميدان ليوس سدرة اذ أعلن في خطابة ذاك (أي زول ينتمي الى العدل والمساواة لا يصبح في بيته لازم يتم قبضه والتحفظ عليهو.. ما بنعرف لا طالب ولا عامل ولا موظف، الطلبة نحن ندفع ليهم مصروفاتهم المدرسية ورسمومهم الجامعية وبيقولوا نحن عدل ومساواة.. مافي كلام زي دا اي زول عدل ومساواة طالما هو بالغ وراشد يتم قبضو الآن في أي حته وفي أي موقع). أما ثالثة الاسافي والتي وقعت في ذات يوم التوقيع على التراضي الوطني (الثنائي –قومي) هو إباحة مجمع الفقه للحكومة التعامل بالقروض الربوية!!!. ومجمع الفقه كأن موقفه من القروض الربوية امضى من موقف المجلس الوطني المؤسسة التشريعية الأولى بأن تتبع مواقفها واجراءاتها الحكومة، اذ طالب النواب بعدم فتح الباب أمام المعاملات الربوية تحت مسمى الضرورات تبيح المحظورات، حسب صحف يوم 21 مايو الجاري. ولم نسمع تصريحا للشيخ المفتي عبد الحي يوسف الذي كان حريصاً على اعلان موقفه الديني بمنبر أول جمعة بعد احداث أمدرمان. ورغم كل ذلك يقول البشير بميدان ليوس سدرة "...إن الدولة أحرص ماتكون على السلام في كل بقعة من بقاع السودان عبر إلتزامها بالتحول الديقراطي وتثبيتها لأركان الشريعة الاسلامية في كل كافة اتفاقات السلام." الصحافة عدد 21 مايو. هذه هي الوقائع التي سبقت توقيع المؤتمر الوطني وحزب الأمة القومي (اتفاق) التراضي الوطني وزامنته في نفس يوم التوقيع أو قبلة بساعات لا تتجاوز ال72 ساعة. ليحدثنا الرئيس البشير "... بإلتزام المؤتمر الوطني بتطبيق نصوص الاتفاق بنداً بنداً وحرفاً حرفاً". ويحدثنا الامام الصادق بأنهم (سيهجموا بها على القوى السياسية). والغريب أن القوى السياسية (المستهدفة بالهجوم) لم يكن لها حضور على هامش احتفال التوقيع على التراضي. بل إن الصحف استبعدت عمداً ولم يسمح سوى لأربع صحف تحديداً وقصداً للمشاركة بالحضور والتغطية، بل حتى الصحف التي طلبت الحضور بمبادرة منها لم يكن مرغوب في حضورها. فالتوقيع تم بمنزل الامام والمنزل (ملكية خاصة) وحرز أمين لا يدخله الناس إلا باستئذان أهله سمحوا لك أو منعوك. وليس مثل مؤسسات الدولة أو دور الاحزاب فإنها فيها شئ لعامة الناس يعطيهم حق دخولها بمشيئتهم واختيارهم، ولهذا دلالة على مدى حقيقة (القومية) وحقيقة الهجمة المرتقبة على القوى السياسية، وفيها نفي يؤكد (ثنائية) الاتفاق بما لا يدع مجالاً لشك أو مواربة. ولكن أين القومية في هذه الثنائية؟!، وكيف نقف على محفزاتها للآخرين الذين تنتظهرهم (هجمتها) أو هجومها؟!، ولماذا تحصنوا منها بالغياب عن فعاليات لحظة توقيعها إن كانوا يروا فيها أو يرجون منها خيرا تشير له أو تسير نحوه؟. بل لماذا حرص أهلها أو طرفاها على تعمد تغييب الصحف عنها؟. وهل الاحداث والوقائع التي ظللت خلفية التوقيع وفي يوم التوقيع أو قبله بساعات كما أوردناه أعلاه، تشير إلى بشرى واحدة أو بشريات لإلتزامها (بنداً بنداً وحرفاً حرفاً)؟!. لن نذكر تاريخ الاتفاقات السابقة بالطبع فقد كان (التسامح ونسيان المرارات ) بنداً ظاهراً من بنودها. وليس من الفطنة ولا الواقعية السؤال عن من يتعمد خلق المرارات وخرق الاتفاقات ثم يفتي بإباحة الربي على قاعدة الضرورات. لكن السؤال هنا يجب أن يكون ماهو حدود هذه الضرورات؟، وهل ستبيح يوماً نسف الاتفاقات أو تعليقها أو تعطيلها أو إلغاءها دونما إعلان؟ فالشريعة الاسلامية هنا وسيلة لخدمة حاجة وليست دين ولا مبدأ، ولم تكن يوماً أخلاق لمن نعرفهم جيداً، بل يعرفهم القريب والغريب والموالي والمتوالي والمستجد في التوالي والذي لا يرغب في التوالي. ولكن قبل الدخول في حيثيات تناول هذه الأسئلة هناك ما يستوجب وقفه كاملة!!، نقرأ على ضوئها النوايا والاستعداد (للتراضي الوطني) و (لنسيان المرارات) و (التداول السلمي للسلطة) وغيرها من بنود الاتفاق بين المؤتمر الوطني والأمة القومي. فاذا كان المؤتمر الوطني قد اشتهر أولا:ً بالحرص على الاتفاقات الثنائية. وثانياً: بنقض الاتفاقات أو التلاعب بها بمهارات ومبررات مختلفة، قد تقلل الثقة فيه، أو تكون دافعاً قوياً لانصراف الناس والقوى الحزبية عنه، فهو بلا مصداقية رغم حاجته المستمرة للتقوى بهذه القوى السياسية واستصحابها وفقاً لشروطه أعلنها أو اضمرها أو أنكرها كما هي العادة. ولكن لماذا لم (يتراضى) أو (يتوافق) أو ينسى (المرارات) حزب الامة القومي مع شقه الاخر حزب الامة الاصلاح والتجديد الذي يتزعمه ابن الاسرة ذاتها وصاحب اسهام مشهود له في مسيرة الحزب؟!!. واذا كان التراضي ونسيان المرارات على هذا المستوى القريب والحميمي غير ممكن، كيف يستطيع حزب الامة القومي والامام الصادق قيادة (الهجمة) على القوى السياسية حرصاً على القومية ونداء الوطن، وهو لم يستطع لم شمل أسرته والمنشقين عنه، ليتراضى ويتوافق مع أعداء الأمس أو على الاقل من كانوا هو ومبارك الفاضل يقفون على صعيد معارضتهم أياً كانت وكيفما صارت؟!!. كيف يعجز الرجل الكبير الامام عن حل ما يواجه الاسرة والحزب، لنثق نحن في أنه سيقود الاجماع الوطني. وكيف يطلب نسيان المرارات وهي باقية بحلقه ليس تجاه غريب بل تجاه ابن عمومته ودمه؟!!. والأمر ذاته بالطبع ينطبق باختلاف بعض التفاصيل على المؤتمر الوطني الذي ما يزال بين صفوفه من قادوا (رأب الصدع) ورضوا بالتصدع واقعاً مفيداً لأشخاصهم . لكنا سنحاول البحث ولن نستسلم ونعلن (بئس الطالب والمطلوب). بل سنمضي في طلب استكشاف البعد (القومي) في التوقيع (الثنائي) على اتفاق (التراضي الوطني)!!!؟. كان حزب الامة القومي تحديداً الأبلغ والافصح والأكثر نقداً للطابع الثنائي للإتفاقات التي ظلت ديدن ومنهج المؤتمر الوطني في التعامل مع الآخرين. حسناً لنحسب ذلك ضمن (المرارات) المنسية. ولكن هناك نقطتان تحتاجان لبعض توقف وشئ من تأمل ولو عابر... الأولى هي أن بنود اتفاق التراضي الوطني السبعة (ثوابت هي السلام العادل و احترام الكرامة والحريات الاساسية وحل ازمة دارفور وفقا لتطلعات اهلها وتنفيذ اتفاقيات السلام لاسيما نيفاشا و تهيئة المناخ للتحول الديموقراطي والانتخابات النزيهه و قيام الملتقي الجامع . – حسب صحيفة الايام 21 مايو) لا تختلف في شئ عن الدستور الانتقالي المترتب عن اتفاقية نيفاشا لكنه معطل . من حيث أن الدستور الانتقالي دستور نافذ ومجاز من طرفي الاتفاق ومن المجلس الوطني، ومعطل من حيث أن القوانين السارية لا علاقة لها بالدستور النافذ هذا بل لها علاقة بالدستور السابق غير الموجود حالياً في حيز الوجود والفعل لكن المؤتمر الوطني تحديداً لا يريد قصداً وعمداً اي نفاذ أو فاعلية للدستور الانتقالي لما نعلمه أو ما لا نعلمه لكن ذلكم هو واقع الأمر والحال. واذا كانت البنود السبع تنطوى على جدية لدى المؤتمر الوطني لوجدت حصتها من الانفاذ وفقاً لذلك الدستور لا محالة فالدستور هو القانون الأم الذي يعطي الحكومة شرعيتها وليس العكس. فإذا كانت الحكومة هي التي تعطي الشرعية لما تريده أو تراه هي بلا اعتبار لدستور أو اتفاق جاء عليه ذاك الدستور، فما الذي يجعل لإتفاق التراضي الوطني هذا ميزة ولو وصفناها ب(إلاضافية) على ما هو كائن وشاخص وماثل أمام الجميع. بل ما الذي يعطي اتفاقية التراضي الوطني هذه ضماناتها اذا كانت كل ضمانات الحركة الشعبية لم تضمن لها شيئا بما فيها الأمم المتحدة. والنقطة الثانية هي اذا كانت البنود السبع التي تمثل جوهر اتفاق التراضي الوطني (قومية) ولا يختلف حولها إثنان وأنها خطوة نحو الانفتاح واشراك الجميع، ما الذي انتهى بها إلى اتفاق ثنائي بين الامة القومي والمؤتمر الوطني؟، وما الذي منع أصلاً القوى السياسية الاخرى أن تمضي في ذات الخطوات والاتفاق منذ لحظة التفاوض حولها؟، وبالتالي ما الذي يجعل هذا الاتفاق تحديداً محفزاً وموضوعاً (للهجوم) على تلك القوى السياسية لتحقيق اجماع وطني؟!. لا يمكن أقناع أياً كان أن الذي وقع عليه (ميثاق) وليس (اتفاق). وأنه ثنائي وليس قومي. وأن الاخرين على علم به تام وكامل وهذا بالتحديد ما يصبغ عليه ويثبت (ثنائيته). ولكن ما هي معايير القومية (الثنائية) هذه المحفزة للتوقيع الاحتفالي هذا؟!. لنعود إلى بداية هذا المقال. الرئيس البشير يقول بميدان لويس سدرة (السلام تحرسه القوة) وهذا هو بالتحديد سبب (الاهتمام بالجهاز) وأن جهاز الأمن والمخابرات (لن ينحصر على دور جمع المعلومات بل تأمين الوطن والمواطنين). يبدو أن إتفاق (التراضي الوطني) أيضاً يحرسه (جهاز الأمن) بما أن ابني الصادق المهدي وخلفاءه المحتملين ضباط بالجهاز كلاهما أو أحدهما، كما أن أربعين من حراسه المباشرين أدمجوا ضمن قواة الامن. والسلام قيمة وشعار قومي والتراضي الوطني أتفاق قومي في ثوب (ثنائي) وهلم جرا...!!!؟. والاندماج ضمن قوات الامن سبقت توقيع الاتفاق لتتوج خواتمه بالدخول للسلطة قبل أو بعد الانتخابات أو (حسب فقه الضرورة) والذي نعرفه أن الطيور على أشكالها تقع، ولكن بعض الطيور جارحة تأكل طيوراً بيض من كل نوع وصنف. على العموم نحن علمتنا التجارب فصرنا بما نعرف ونرى من جماعة (تهتدون) فلم يصيبنا العمى عن ما هو ماثل أمامنا ويجري تحت أبصارنا. وبتنا نعرف الرجال ومعدنهم، ونعرف القيم الحقة والحقوق الواجب مراعاتها تجاه الاخرين لتحفظ التوازن والتوادد وتضمن الوحدة والاجماع الوطني. لكن الذي يجري هناك من (تراضي وطني) شأن (ثنائي) يخص حزب الامة وخياراته الثنائية. وسنرى ونتابع من مقاعد المتفرجين هجمتهم المرتقبة لتأسيس (كيان جامع) جديد أو اجماع وطني ونرجو ألا يبحث ثنائي أمدرمان المتراضي غداً عن (رائبي صدع) فالمؤتمر الوطني يحمل فرض تثعلبه على الجميع كل الخبرات وبين الحاضرين احتفال التوقيع من صدع رأباً مازال متصدعاً.