الأربعاء، 10 يونيو، 2009

المجموعات السودانية المتساكنة: أدب الاعتراف والاعتذار..حذفته الرقابة الامنية من النسخة الورقية



المجموعات السودانية المتساكنة: أدب الاعتراف والاعتذار..حذفته الرقابة الامنية من النسخة الورقية


كتب : خالد فضل




نظرة سريعة للعقدين الأخرين من عمر السودان، تشي بغير قليل من الحسرة والأسى، على ما آل اليه حال الاجتماع البشري على هذه الأرض، التي تتسم بكبر مساحاتها، ولكن هذه المساحات ضاقت بفضل صدور الحاكمين، التي لم تتسع لتشمل كل البلاد أرضاً وبشراً الا بمقدار تحقيق مكاسب آنيَّة، أبرزها ضمان الولاء للسلطة، وموالاتها في السراء والضراء تحت مزاعم شتى، وقد تمت عمليات ابتزاز واسعة للنخب، وتم تلسيط أدوات القهر بشتى صنوفه، ضد كل من لم يؤمِّن جانبه من قيادات المجتمع على أي مستوى، وبالنتيجة، باتت الحقوق الاساسية للانسان تدخل ضمن كوتات التسويات والترضيات، أو تدخل كعنصر للمساومة على بيعة ولاء، وحشد جماهيري، يتم نقل فعاليته على شاشات التلفاز. وينقله الأثير الاذاعي عبر العالم،وفيما تبدو العملية برمَّتِها مثار تندُّر وسُخرية لمن يغوص الى ما تحت سطح الحشد الهاتف، فإنَّ افتتاح الطرق، او العيادات البيطرية، أو تأسيس كلية جامعية، وغيرها من خدمات، مما لا يمكن اعتباره سبباً وجيهاً لسوق الناس والبلاد الى مفترق طرق حقيقي، يجعل الكل في حيرة من أمر مستقبل قريب لا يتجاوز الشهور، على أقر التقديرات، وكحد أقصى منتصف العام 2011م، حيث من المقرر أن يستفتى الجنوبيون، حول رأيهم في الاستقلال الوطني، او الاستمرار ضمن ذات منظومة الدولة السودانية، التي ظلت على مدى عقود طويلة تمثل حكوماتها المتعاقبة ألد أعداء هذا الجزء من الشعب السوداني. لقد عانت المجموعات السودانية، خاصة في الاقاليم من التهميش المزري، وقوبلت تمرداتها وتعبيراتها الساخطة بعدم الاكتراث في البدء، ثم بالقسوة والوحشية الفظيعة، في مراحل لاحقة، مما نشاهد افرازاته في دارفور حالياً، لدرجة أن نصف سكان هذا الاقليم تقريباً باتوا: اما مفقودين، او نازحين، او لاجئين لخارج حدود السودان، بما في ذلك جالية كبيرة بدولة اسرائيل، وبفعل فاعل من السياسات الرعناء التي قسمت الادارايات، وشقت صفوف المجموعات، الى موالين ومعارضين للسلطة، وجدت مجموعات كبيرة نفسها في مواجهة انقسامات محلية عميقة، وبدت علاقة هذه المجموعات السودانية متوترة الى حد الاحتراب، كما هي حالة بعض مناطق اقليم دارفور، الذي ما أن تهدأ فيه النزاعات المسلحة بين القوات الحكومية والمجموعات السياسية المسلحة في الاقليم؛ حتى تندلع موجة قتال قبلي او بين العشائر، كما لا يخفى التوتر الذي يسود علاقات القبائل والمجموعات ذات الحدود المشتركة بين الشمال والجنوب، تلك التوترات التي غذَّ تها حالة الاستقطاب السياسي الحادة في البلاد. ولأن اتفاقات السلام لم تجد النية المخلصة والحسنة لجهة التنفيذ الدقيق والأمين لمقتضياتها، فإن تلك الحالة قد انعكست سلباً على علاقات تلك المجموعات، فاندفعت هي الأخرى في صراعات حول الحدود والموارد والمستقبل كذلك. وسط هذه الاجواء الملبَّدة بالغيوم، حدثت فجأة ما تشبه عملية اليقظة، اذ انتبه اولئك الذين ظلوا يتقاتلون طيلة السنوات الماضية، الى أن ّالسنوات تنصرم، وهم يزدادون سوءاً على سوء، وأنَّ شبابهم يهلك في محرقة بلا طائل، ومواردهم الشحيحة تنعدم، فيَرِثون المسغبة والبوار.لقد انتبهت قبائل الهامش، ومجموعاته البشرية، الى أنَّ ما يجمعها أكبر مما ظل سبب فرقتها، والى أنَّ الحياة لا يمكنها أن تستمر عن طريق (الدواس) المستمر. وبالطبع ساعدت بعض أدبيات التغيير، وشعارات المساواة وإزالة الغُبن عن المهمشين في هذا الانتباه والصحو الأخير، فقد انعقدت قبل أقل من اسبوعين مؤتمرات على قدر عال من الأهمية، اتسمت بأنها ضمت مجموعات من المهم شين، والذين ظلوا وقوداً لحروبات لا فائدة من ورائها بالنسبة لهم، ففي (اويل) جاء مؤتمر المصالحة والتعايش بين الدينكا والمسيرية، وهما قطبا ضفتي نهر (جينيق) او بحر العرب كما اصطلح على تسميته. وخلصت تلك اللقاءات الى توصيات مهمة تتعلق بامكانية خلق واقع افضل للعيش المشترك بين هذه المجموعات، التي ارتبطت جغرافيتها، وظروف معيشتها مع بعضها البعض، بل تمددت علاقاتها الى مرحلة التصاهر والتمازج الانساني الرفيع. لهذا فان مؤتمراً كهذا يعتبر جسراً لاستمرار، او وصلا لما انقطع من مسيرة التعايش السلمي بين هذه المجموعات في مناطق ـ التمازج ـ كما ظل يسميها الراحل د/ جون قرنق، وفي وقت شهد فيه المسرح السياسي الجنوبي حدثاً مهماً، تمثل في عقد جولة من جولات الحوار السياسي الجنوبي الجنوبي، وهو حوار له ما بعده، لجهة تقريب وجهات النظر حول القضايا التي تهم المجتمع السوداني، في جنوب البلاد. ومع الخطوات الحاسمة واللازمة التي ظل ينتهجها الرئيس/ سلفا كير ميارديت/ لحل القضايا في الاقليم، الذي يرأس حكومته، وتوجيهاته المستمرة، بنزع السلاح، وحل اشكاليات بعض الولايات، ورفع الضرر عن بعض القوى السياسية؛ التي تأذَّت من ممارسات بعض اعضاء حزبه ،(الحركة الشعبية) كما حدث في ولاية الوحدة، باعادة المقعد البرلماني /لحزب يوساب/ المشارك في السلطة، وغيرها من إجراءات، بشأن الصراعات التي تنشب بسبب المواشى، وغيرها من الموارد، او حدود المقاطعات، ثم انعقاد مؤتمر المسلمين السودانيين في جنوب السودان، وما خرج به من توصيات، تصب في مصلحة التعايش الديني، واحترام العقائد وغيرها من اوجه النشاط الدفاق في ذلك الجزء من البلاد. * في هذه الاوقات يأتي: صدرو بيان مهم فعلاً، من مجلس قبيلة (بني هلبة) بولاية جنوب دارفور (الصحافة –الاثنين 22 نوفمبر 2008م) وفيه رأي البيان: اعتراف من مجلس القبيلة بالمسؤولية عن القتل _الخطأ_ للمرحوم (العمدة امين عيسى عليو) مفوض الرحل، بولاية جنوب دارفور.اثر نزاع كان قد نشب بين مقاتلي قبيلة/ بني هلبة/ ومقاتلي قبيلة /الترجم/ وفي متن البيان انهم يقدرون ويعترفون بما توصلت اليه لجنة التحقيق التي شكلت للبحث عن المسألة. والمرء يشعر بالرضا، لكون الاعتراف بالخطأ، وتحمل المسؤولية جاء من جهة قبليّة اهلية، وهي واجهات مازالت تشكل حضورها، وسط المجتمع السوداني بصورة كبيرة وقوية. ولا يمكن إغفال دورها او تجاهله باي ذريعة. ولهذا فان الاعتذار الذي ساقه مجلس القبيلة، واصراره على تحمل المسؤولية عن الحادثة، والعمل مع اهلهم الرزيقات، تمشياً مع قيم العرف ومبادئ الشريعة السمحاء (القسامة) وسعيها الصادق والجاد لمعالجة الامر، وفقاً للتقاليد السائدة بينهما ... الخ .هذه الخطوة الايجابية في تقديري تفتح الباب لبرء الجراحات، وسد باب الاحتراب، وهو تطور نوعي في مسار العلاقات بين هذه المجموعات، التي يربطها مع بعضها الكثير الكثير، لذلك فان مثل الخطوات التي تمت، والاشارة اليها في متن هذا المقال، وما سيليها من خطوات؛ تعبِّر بالفعل عن روح جديدة، نرجو ان تسود في علاقات المجموعات السودانية مع بعضها البعض، حتى تتمكن مجموعات السودانيين المختلفة من الاسهام الايجابي في عملية التغيير الشاملة، التي لا مناص من حدوثها، حتى تخرج بلادنا وشعبنا من دوامة الفشل والضياع، التي يعمه فيها الشعب منذ نحو عشرين عاماً او تزيد!. والامل معقود ان تعي المجموعات المتصارعة فيما بينها ان قضايا مستقبلها ومعيشتها رهينة بتفاهمها، وانسجامها. ينطبق هذا الرجاء الممدود على مجموعات ـ المعاليا، والرزيقات، والفلاتة، والسلامات، والهوسا، والمساليت، وغيرها من جماعات سودانية، تعيش على هذه الارض. وترجو التغيير نحو الافضل في وطن يسع الجميع و يقوم على ركائز العدل والحرية والديمقراطية واحترام حقوق الانسان.