الأربعاء، 10 يونيو، 2009

بَيْنَ الاسْتِقْلالِ والاسْتِغْلال... نقطة دم!! الأجهزة الأمنية حجبته عن النشر!!


بَيْنَ الاسْتِقْلالِ والاسْتِغْلال... نقطة دم!!

فتحي الضّـو

faldaw@hotmail.com

هذا هو المقال الأول يا سادتي في العام الميلادي الجديد، والذي تزامن معه أيضاً الاحتفال بعام هجري جديد.. عليه، وبغضِّ النظر عن الاتجاه الذي سيسير فيه المقال، يجدُرُ بنا أدبياً وأخلاقياً ووطنياً في هذه المناسبات الجميلة، أن نزجي التهاني القلبية الحارة، ابتداءً لعموم شعب السودان، ونضيف عليهما مناسبة الاستقلال نفسه، وهي المناسبة الوطنية التي يُفترَضُ أنها كانت بمثابة خاتمةٍ لرحلةٍ مُرهِقة مع ثلاثُ دول، تناوبت على استعمارنا بلا رحمة أو هوادة.. ونخُصُّك بالتهنئة أنت يا عزيزي القارئ، رغم أنك ظللت تُمنِّي النفس العام تلو العام، بالذي يأتي ولا يأتي، وعلماً بأنك لم تزل تدعو للشيء الطبيعي، الذي دأب كل سكان هذا الكون على الدعاء به، والعمل من أجله، فلا خابت أمانيهم، ولا ارتدَّت دعواتهم، ولا تكالبت عليهم الظنون.. ليس لأنهم ازدلفوا إلى المولى عزَّ وجل تقرباً وزلفى بأكثر مما فعلت وتفعلُ أنت، وليس لأن الحظوظ معقودة كالخيل في نواصيهم إلى يوم القيامة، ولكن لأن لهُم أوطان احترمت إنسانيتهم، وقدَّرت كينونتهم، وهيَّأت لهم نفسها من أجل أن يتمتَّعوا بعيشٍ رغِد، وحياة سعيدة.. أوطانٌ منحتهم حقوقهم بيدها اليُمنى، فمنحوها واجباتها باليُسرى!
احتفلنا هذا العام بمرور ثلاثة وخمسين عاماً على الاستقلال، والملاحظ أن الاحتفال بهذه المناسبة ظلَّ يأخذ طابعاً مُمِلاً ومكروراً، فالوسائط الإعلامية، المقروء منها والمرئي والمسموع، تتبارى في إعادة نشر أو بث موادها، مع إصرارٍ على تكرار ذات الوجوه، دون مراعاة لأي انعكاسات سلبية، تسير في الاتجاه المغاير تماماً لمعاني هذه المناسبة الوطنية السامية. وباستثناء وجهات نظرٍ مكتوبة لبعض المتابعين، أو إن شئت فقُل الموجوعين، فقد ظلَّت تلك الوسائط تتحاشى إثارة السؤال الجوهري، خشية أن يفتح عليهم أبواب جهنم، وهو: «هل حقَّق الاستقلال المعاني والقيم النبيلة، والتي من أجلها تواصلت النضالات، بغية الانفكاك من ربقة المستعمرين الثلاث؟».. لعل النفي، اختصاراً، هو الإجابة الأمينة والصادقة، ذلك لأن الاستقلال السياسي يَعنِي تكريس الديمقراطية لضمان التداول السلمي للسلطة، ويَعنِي ضرورة احترام وصيانة حقوق المواطن، ويعني تحقيق دولة الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية، ويَعنِي تهيئة المناخ للحريات العامة، وتشجيع الدولة لمواطنيها من أجل تلاقح ثقافي وفكري.. والاستقلال السياسي يعني أيضاً أن تكون الدولة نفسها عضواً فاعلاً في المجتمع الدولي، تتضامن مع الآخرين من أجل الحفاظ على الأمن والسلام الدوليين، وتنتهج سياسة خارجية فاعلة وإيجابية لتعزيز مكانتها، في المجالين الإقليمي والدولي.. فهل يستطيع أي كائنٍ كان أن يدَّعي بأن الدولة السودانية الموروثة من الاستعمار انحازت وانتصرت لهذه القيم والمعاني؟
الواقع يقول إن الدولة السودانية المنكوبة ظلت منذ الاستقلال تعاني عدم استقرار سياسي، وذلك نسبة لانحسار المشروع الوطني الشامل، وغياب الديمقراطية، الأمر الذي أدَّى إلى اضطراب دولاب السلطة، حيث أصبح الحكم أسير ما دُرِجَ على تسميته بـ ”الدائرة الشريرة“.. حكمٌ نيابيٌ ضعيف، يعقُبه انقلابٌ عسكري متسلِّط، يؤدِّي بدوره إلى انتفاضة منقوصة، وهكذا دواليك.. رغم أن العصبة ذوي البأس، اجتهدت في خلخلة هذه المعادلة بإجراءاتها القهرية المعروفة، تحوطاً ضد أي جهة تهدف إلى إزاحتها عن السلطة.. وعلى كلٍٍ، كان من البديهي أن يؤدي غياب الديمقراطية أيضاً إلى تراجع التنمية بشكلٍ عام، واختلالها بين المركز والأقاليم بشكل خاص، لا سيَّما وأن كِبَرُ حجم السودان الجغرافي يُعَدُّ بمثابة نعمة ونقمة في آنٍ معاً، مثلما تراجعت الآمال الجسام، التي كانت تأمل أن ينتج التنوع الثقافي تعايشاً جذاباً، يكون نموذجاً تحتذي به الدول، التي تماثل الواقع السوداني، أو تطابقه.. بَيْدَ أن ذلك تحديداً، جرى على العكس تماماً، وأدَّى إلى حروب متصلة، ظلَّ بعضها يأخذ برقاب بعض، وكان وقودها الاختلافات العقائدية والفوارق الإثنية والتباينات الثقافية، وتمثَّلت المُحصِّلة النهائية، التي تجرَّع المواطنون مرارتها، في تراجع الدور المفترض للدولة السودانية، من دولة رائدة إلى دولة تابعة، ومن دولة مصدِّرة للحلول إلى دولة مستوردة للمشاكل.. وبصورة عامة، يمكن القول أن غياب الديمقراطية أدَّى إلى تهميش اقتصادي كامل، وتقهقر تنموي، وتراجع ثقافي، وتشويه اجتماعي شامل!
من المفارقات التي تدعو للتأمل، أن الاحتفال بذكرى الاستقلال جاء مصحوباً هذه المرة بالاحتفال بالعيد الرابع والخمسين لتأسيس الجيش السوداني، ومن عجبٍ أن أخرجت الأرض أثقالها، وكشفت عن أسلحة كثيرة ومتنوعة في عرض عسكري، احتفاءً بتلك المناسبة.. وبغضِّ النظر عن أن الظاهرة تُعد من مخلَّفات الحرب الباردة، ولم تعد هناك دولاً تمارسها بتلك الصورة النمطية، بما في ذلك ”العالمثالثية“.. وعليه، يمكن القول أن الظاهرة ”مشاترة“ للأسباب التالية:-
· أولاً: بما أن الجيوش تُعَدُّ أصلاً لمواجهة المعتدين، والطامعين في انتهاك سيادة الوطن، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه: «ما جدوى العرض العسكري ونحن نعلم أن الدولة السودانية لا تعيش الآن أي مشاكل حدودية مع أي من دول الجوار التسع أو العشر؟!».. بل يمكن القول إنه عندما تسنَّت لهذا الجيش فرصة استعراض قوته، لمواجهة جيوش توغَّلت حتى العمق، لاذ بثكناته، واحتمى بمظلة بيانات تنضح تهديداً ووعيداً، ثم طافت علينا أزمانٌ استأسدت فيها بغاث الطير، وصارت تقضم في أطراف ذلك البلد الحزين، ما شاء لها الله أن تفعل، ليس لأنه ”حدَّادي مدَّادي“ كما يقولون، ولكن لأنها تعلم أن جيشه من الوداعة بمكان، بحيث يمكن أن يميط لها الأذى عن الطريق، إن قرَّرت في لحظة طيش الوصول إلى مُقرَن النيلين.
· ثانياً: الذي نعرفه أن الدولة السودانية في حالة حرب سياسية وقانونية -إن جاز التعبير- مع المحكمة الجنائية الدولية، أو الدول التي تشُدُّ من أزرها، وعليه يكون إظهار القوة العسكرية، بالصورة التي تمَّت، هو في التقدير تصويب خارج ”العارضة“، ولا يُعتقد بأنه يمكن أن يكون له مردودٌ إيجابي، في خضم تلك المعركة غير المرئية.
· ثالثاً: الواقع أن الجيش السوداني يعدُّ ثاني ثلاثة مِمَّن يمكن تحميلهم مسؤولية عدم الاستقرار السياسي الذي ذكرنا، وقد ظلَّ يلعب هذا الدور البئيس معظم سنوات ما بعد الاستقلال، وسِيَّان إن اتخذه السياسيون السودانيون مطيَّة لتحقيق مآربهم السلطوية، أو من خلال طموحات بعض ضبَّاطه الميامين.. وعليه، فثمَّة جروحٍ في حاجة لإبراء، وغالب الظن أن العرض العسكري لن يساعد على تضميدها، إن لم يكن عَمِلَ على تغويرها في الأصل.
· رابعاً: ترسَّخ في ذهن المواطن، المغلوب على أمره، أن الجيش بعُدَّته وعتاده، وفي غياب الهدف الذي من أجله تأسَّس، ظلَّ في حالة حرب أهلية مع مواطنيه، وبمبرِّرات مختلفة، وكأني باستعراض القوة بالصورة التي تمَّت، أُريد به توجيه رسالة مضمونها: إيَّاك أعني –أي المواطن– ”واسمعي يا جارة“!
المحزن في تراجيديا الدولة السودانية، إننا نحتفل بثلاثة وخمسين عاماً من الاستقلال، لكننا نتعامى في الوقت نفسه عن ظاهرة الأنظمة الشمولية العسكرية، التي استغلت ما مجموعه اثنان وأربعون عاماً من تلك الحصيلة.. بل حتى هذه، كان للعصبة أولي البأس نصيب وافر منها، حيث استحوذوا على ما يقارب نصفها منفردين، ولم تحظ الحكومات البرلمانية إلا بإحدى عشر عاماً، واختصت الفترتان الانتقاليتان بالعامين المتبقيين، ففيم الاحتفال إذاً يا سادة، طالما إننا نعلم أن الأنظمة الشمولية تخصَّصت في ”كسر“ الشخصية السودانية، في حين أن الاستقلال دعاها لأن تنهض وترفع رأسها عالياً خفاقاً، كما رايته نفسها؟! فيم الاحتفال وثلثا عمر الاستقلال استغلَّته أنظمة القهر والسوء، لخلخلة القيم الأخلاقية والوطنية للشخصية السودانية، التي جاء الاستقلال من أجل رفعتها وتقدمها وازدهارها؟! فيم الاحتفال، وتلك الأنظمة الخبيثة جعلت للإفساد سُنَنٍ، وللفساد فرائِض.. توارت الفضيلة حينما عَمَّ الفقر، ولم تعُد الرشوة عيباً، ولا الكذب مذمَّة، وبتنا نعيشُ في زمنٍ أصبح فيه الصدقُ سلعة بائرة، والنفاق مطيَّة لتحقيق منافع شخصية، والتديُّن مظهراً يبتغي رياء الناس؟!
إن السلام كلٌ لا يتجزَّأ، فلا معنى لسلامٍ جاء بعد توقف حرب الجنوب، طالما أن الحرب نفسها تدور رحاها الآن في دارفور.. وقلنا من قبل، إن الحرب التي توقفت في جنوب البلاد لم يشعر المواطن السوداني بمردودها المعنوي، لأنها تحوَّلت إلى حرب باردة بين شريكين ظلا في حالة تشاكس مستمر، وكأنهما لا يعلمان أن للسلام ثقافة أخرى، تستلزم قدراً وافراً من المصداقية والإخلاص والشفافية، وأن السلام إذا لم يتحوَّل لمعاني يستنشقها المواطن مع الهواء، ويشربها مع الماء، سيظل هدير المدافع مخيِّماً فوق رأسه، وأزيز الطائرات جاثماً على صدره.. لهذا، لا غروَّ إن جاء الاحتفال كئيباً ومفتعلاً، طالما أن في هذا الوطن عضو يشكو الحرب والحمى!! ليس ذلك فحسب، بل من عجبٍٍ أن الاحتفال بذكرى الاستقلال جاءت في زمن تفاقمت فيه المشاكل، واستفحلت المخاطر المحدقة بالوطن كله، للدرجة التي بات فيها المرء يتحسس جسده كلما أصبح عليه صبح جديد!
كانت الحرب في الجنوب بعمر الاستقلال نفسه، واندلعت الحرب في دارفور، وفي غضون خمسة سنوات استلفتت أنظار العالم كله، وجاءها من أقصى الدنيا رؤساء ووزراء ومسئولين، يعجز المرء عن حصرهم، وخصَّتها الهيئة الأممية بما يناهز العشرين قراراً، في حين أن مشاكل أكثر مأساة منها لم تنل نصف ما نالت من الاهتمام.. ومع ذلك، عزَّ علينا نحن استشعارها.. عزَّ علينا الإحساس بمشاعر آلاف القابعين في معسكرات الذلِّ والهوان.. أيُ جيلٍ سيولدُ من مسامات تلك الخيام؟ بل حتى لو توقفت هذه الحرب، هل يمكن لأحدنا أن يتخيَّل ما يمكن أن يضمره طفلٌ عاش تلك الحياة المريرة، بلا غذاء أو دواء أو كساء، ناهيك عن مقعد دراسة؟! إننا في حاجة لأن نُحِسُّ بوجودنا معاً في هذه البقعة المسماة السودان، قبل أن نحتفل بتلك الصور الزائفة والمخادعة!
اللهُمَّ نسألك يا ذا الجلال والإكرام... يا حنَّان ويا منَّان ويا واهب الحياة والردى... أنْعِم على هذا الشعب الصابر بسلامٍ حقيقي، وديمقراطية مبرَّأة من العيوب، واسبِغْ عليه الأمن والاستقرار والطمأنينة، بقدر تحمُّله لخيبات حكوماته الوطنية، وقياداته السياسية.. نسألك تعالى أن تهل عليه المناسبات القادمة وقد تخلَّص من كل مُدَّعٍ شيَّع بأنك فوَّضته ليكون ظِلُّك في الأرض، ومن كل مُعتدٍ هبط عليه في الهزيع الأول من الليل حاملاً أجندة ثيوقراطية، وعلى كل من تجبَّر ومشى بين الناس في خيلاء، وعلى كل من تكبَّر وظنَّ أنك أورثته الأرض، يتبوأ منها حيث يشاء، وعلى كل آثمٍ سامَ الناس العذاب دونما وجه حق، وحبس نفوساً بريئة دونما مسوغ، وسفك دماءً عزيزةً في الأشهر الحُرُم.. اللهم أذلَّ من أكل أموال الناس بالباطل، واجعل من كان السُحْت غاية همَّه، والفساد هوايته، كعصف مأكول، وانزل سَوط عذابك على الذين يُراءون، ويمنعون الماعون، وأخسف بالأرض من تجسَّس ومن تحسَّس ومن روَّع عبادك الآمنين.. اللهم يا من كان قولك الحق، قلت أنك سترينا آياتك في الآفاق وفي أنفسهم، وقد بشَّرت عبادك الذين لم يقنطوا من رحمتك، بأن بعد كل عُسرٍ يُسرا!
يا سادتي.. هل تعلمون أن الفرق بين الاسْتِقْلال والاسْتِغْلال.. نقطة دم؟!

تنوية: هذا المقال كان من المفترض نشره اليوم كالمعتاد في صحيفة (الأحداث) لكن قررت الأجهزة الأمنية حجبه عن النشر، والكاتب يأمل في قارئه توزيعه بشكل واسع كوسيلة لهزيمة مشروع الظلاميين