الأربعاء، 10 يونيو، 2009

صِحَفيون بلا حِدود...!حظرت الرقابة الأمنية نشر المقال أعلاه في صحيفة (الأحداث) اليوم!




صِحَفيون بلا حِدود...!


فتحي الضـو


قبل أن أشرع في كتابة هذا المقال تذكرت في لحظة تأمل وصفاء ذهني نادر، طُرفة بريئة أضحكتني في زمنٍ عزَّ فيه الضحك وكثُر الأنين، أو على حد تعبير أحد اخواننا خفيفي الظل أصبح الكائن منا يعيش متحوصلاً داخل ذاته، لأنه في حالة (دفاع مستمر عن النفس) أي منذ أن يصحو باكراً من نومه وحتى يعود لـ (مثواه) الأخير ليلاً! بمعني أكثر وضوحاً أنك يا سيدي صرت بقدرة قادر...المُتهَم بدلاً من الذي يُوجِه الاتهام، ومُدافِعاً عِوضاً عن أن تكون مُهاجِماً، ومُعتَدِياً وأنت تدرك في قرارة نفسك بأنك المُعتَدى عليه، ومذنباً لا فكاك له من ذنب لم يقترفه ولو أقسم ببراءته كما الذئب من دم إبن يعقوب، وإن سألت لماذا كل هذا... تأتيك الاجابة ببساطة السؤال نفسه وتقول لك: نحن بحمد الذي لا يُحمد على مكروه سواه قد حبانا الله في ديارنا العالمثالثية بنوع من الأنظمة التي تتفانى في تحويلك إلى (ثور ساقية) لا يكُف عن الدوران والخُوَار، ولا يمل صريراً يصنعه بظلفه حتى وهو يعلم أن فيه حتفه. والمدهش يا سيدي ومولاي أن حكومتنا الرشيدة - وهي إحداهن - لا تكتفي بممارسة تلك (الهواية) داخل حدود الوطن (الراعياه العناية) وإنما تصنع بِعِدتها (لساناً وشفتين) وتتوسل بعِتادِها (ذراعاً طويلة) فتصلك أين كنت وحيثما حللت ولو كنت في بروج مُشيَّدة! على كلٍ نعود للطُرفة التي أُجبِرنا على السباحة بعيداً عن شواطئها، فقبل نحو أكثر من ثلاثة عقود زمنية رأيت كُتيِّباً صغيراً ضم بين دفتيه السيرة الذاتية لأحد لاعبينا الأفذاذ، والحق يقال أنه كان واحداً من الذين عطَّروا ميادين كرة القدم الغبراء والخضراء بفنونه الجميلة وموهبته الفذَّة، بل ويُعدَّ من أعظم أساطينها الذين أنجبتهم حواء السودانية في ذلك المضمار، وشرفني أنه كان لاعِبِي المفضل الذي لم يعل عليه أية لاعب آخر وكنت به مهووساً يا صاحبي، ولعل الكثيرون ممن استمتع بموهبته في حقبتي الستينات والنصف الأول من السبعينيات شاطروني الشعور نفسه، واذكر أن ختام مسكه كانت تلك المباراة الشهيرة التي نال فيها السودان بطولة كأس الأمم الأفريقية، وبعد أن إعتزل الكرة عنَّ له أن يُخلِّد ذكراه بنفسه في بلد كل شيء فيه بـ (العون الذاتي) فأعد الكُتيَّب المذكور أو لربما استعان فيه بأحد فطاحلة الصحفيين الرياضيين، وسواء هذا أو ذاك فالمهم أن الغلاف الخلفي للكُتيب وُضِعت عليه صورته وهو يركِل الكرة وجسمه مُطوحاً في الهواء، وكتب تحتها مباشرة العبارة النرجسية التالية «المُؤلِف في لقطة رائعة»!تأسيساً على ذلك أقول الحمد لله الذي حال بيني وبين متابعة تلك الصحيفة (الصفراء) فلو كنت أحد قرائها المداومين لأصابتني (ها) السكتة فور مطالعتي تفاصيل الفِرية التي روجت لها في حق زملاء دون تثبتٍ أو تحرٍ أو مراعاة لقواعد النشر أو الاخلاق أو الأعراف أو مواثيق الشرف الصحفي، ولست هنا بصدد الدفاع عنهم ففيهم من تدافع عنه طهارة يده وصدق قلمه ومواقفه الوطنية الصلبة، ولهذا أعتقد أن ما حدث لا يحتاج لذكاء خارق، ويعلم المراقبون أن المروجين سبق وأن مهدوا له قبل شهور قليلة خلت، بتعميم فاضح على لسان كبيرهم الذي علمهم السحر، وكان الغرض من (التسريب) تهيئة المناخ لكى تتمدد الظنون وتتسع دائرة الشكوك، ثم اختاروا بعدئذٍ تلك الصحيفة ذات الارتباط الباطني بمحورهم، فادَّعت أنها حصلت على وثائق الزور والبهتان، ثم بمحض إثارة (هوليودية) مُحُكَّمة نشرت أسماء (العُملاء) بترميز حروفهم الأولي، وتلاعبت في محتواها بما يخدم أغراضها الدنيئة، وبعدها مباشرة انبرت (صحف الشمولية وكتاب الأجهزة) على - حد تعبير البيان الذي صدر عن المتضررين أنفسهم - بإعادة ترديد أكاذيب الصحيفة. ومن بين هؤلاء المتسابقين لفت إنتباهي صاحب القلم الملوث بالبذاءة، المعتمر قلنسوتنا الوطنية في صورة بهية (تزين) صفحات زميلة أخرى، ومبتدع أول حالة (زواج متعة) ثلاثية بينه والسلطة والصحافة، فقد شرع كالعهد به في توزيع الادانات على المذكورين ثم جعل من (عموده) مقصَّلة لتنفيذ أحكام الاعدامات، وكأنه لا يدري أن الخُلُق الذي نهي عنه أتى بمثله أضعافاً مضاعفة، بحيث لا يحتاج لوثيقة تثبت عمالته، فالقراء الحصيفون يلمسونه نفاقاً مدفوع الأجر وكذباً مفضوح الدراهم...بما لا يجرؤ على نكرانه!بيد أن الذي يدعو للدهشة أكثر من التأمل ذلك التناقض الغريب، فلو أن القائمين على أمر الصحيفة ممن شهد لهم الناس بالاستقامة الصحفية والسياسية وتوابعهما، لأمكننا القول أن مثابرتهم في مطاردة الفساد والمفسدين تتسق تماماً ومواقفهم الوطنية النبيلة، ولو أنهم كانوا كذلك لاستمالوا عقول الناس تصديقاً لدعواهم وليس تشكيكاً في نواياهم أو استهجاناً لحديث الإفك، ولو أنهم كانوا كذلك لحرضوا أصحاب الهمم العالية والحريصون على حقوق الناس بتقصي الحقائق وحصحصة الحق، لكن ما نعلمه ويعلمه الناس أيضاً أن المذكورين فيهم من رضع الديكتاتورية بالوراثة، ومنهم من إستمرأ العيش بخنوع في كنفها، وعلى دروب السلف سار الخلف من الفتية الأبرار الذين نهلوا من (ماعون) الذل والمهانة، فهل يمكن لفاقد الشىء أن يعطيه؟ ذلك سؤال تقريري نزيد في الاجابة عليه بالنفي، بتسجيل ثلاثة ملاحظات صغيرة على خلفية الفعل ورد الفعل:أولاً: لم يكن الزملاء الذين أصدروا البيان سواء بالأصالة عن أنفسهم أو بالنيابة عن الزملاء الآخرين في حاجة لنفي الاتهام أو التبرؤ من تهمة لم يرتكبوها أصلاً، مثلما أنهم لم يكونوا في حاجة لتأكيد فقرهم المادي كبراءة ذمة وفيهم من تحسبهم أغنياء من التعفف، ولكن بالقدر نفسه يحق لهم التباهي برصيدهم المعنوي الحافل في فضاءات النضال الوطني من أجل استرداد الديمقراطية والدفاع عن حقوق الانسان والحريات العامة ومحاربة الفساد، وقد أصابوا كبد الحقيقة في قولهم في البيان المذكور «هم يحاولون بالأكاذيب والافتراءت سلبنا الشىء الوحيد الذي نملكه وهو في نفس الوقت الشىء الذي لا يملكونه» فهل بعد الكفر ذنب يا هذا! ثانياً: إنني أأمل بصورة خاصة أن يلجأ المتضررون للتقاضى في ضوء المحاكمة الاخلاقية التي تضمنتها بعض فقرات بيانهم المسطور، بغض النظر عن حيادية القضاء أو نزاهته «حملت المادة المنشورة بالصحيفة عبارات التجريح والاساءة والادانة المُحمَّلة بكل الاسفاف والبذاءة الممكنة وغير الممكنة. والمؤسف أكثر أنها جاءت عنواناً رئيسياً للصحيفة واحتلت جزءاً من الصفحة الأولي وصفحة داخلية كاملة، وبدون أن تحمل اسماً أو توقيعاً مما يجعلها مسؤولية كل قيادات الصحيفة، كما أن الصحيفة ومخالفة لكل الأعراف المهنية والأخلاقية، لم تحاول الاتصال بأي ممن ورد أسمه من الزملاء الصحفيين لتستوضحه أو تعرف رده وتعقيبه على المعلومات الواردة بما يوضح ويؤكد أنها جزء أصيل من الحملة» وتلك إذاً صحيفة الاتهام يا صاحٍ!ثالثاً: لم يخب المجلس القومي للصحافة والمطبوعات ظننا، فمثلما هو متوقع كان موقفه مُخزِّياً ويبعث الاشمئزاز في النفوس، فعلي حد توصيف البيان «سارع أمينه العام وبعد ساعات قليلة من صدور الصحيفة ليصدر بياناً يرسم به لنفسه دوراً في الحملة، وهو موقف يجعلنا نصنف المجلس ومسؤوليه في موقف الخصم الصريح» ولعمري لم يكن ذلك غريباً على من ظلَّ يتجاهل الانتهاكات السرية والعلنية على الصحف والصحفيين، ووطَّن نفسه على مسرحة مواقفه باللجوء إلى موشح الشجب و(البصم) والاستنكار، فتأمل إن كنت ناسٍ!حسناً فعل الزملاء بالتأكيد في ختام بيانهم على أنهم سيظلوا عند مواقفهم الأصيلة، ولن تستطع الحملات الجائرة من إثنائهم عن الطريق الذي اختاروه طوعاً وهو طريق الحق والكلمة الحرة والمواقف الشريفة التي «لا تركع لأحد ولا ترحم ظالماً ولا تجامل مفسداً ولا تنافق مسؤولاً مهما علا موقعه ومنصبه» وبالطبع من كان ذلك ديدنه فحتماً سيبلغ مرتقاه رغم وعثاء السفر والسير في طريق يدمي الأقدام والقلوب معاً. كما أننا لا نجد تفسيراً صادقاً لما حدث بأكثر من وصفه بـ (السُعار السياسي) وهو الحالة التي باتت تنتاب العصبة ذوي البأس قبيل الانتخابات المزمع عقدها في العام القادم 2009 وكنت قد قرأت التعبير المذكور في بيان صادر عن جمعية الصحفيين السودانيين في المملكة العربية السعودية، وهي تصف وقائع معركة مماثلة تخوضها خارج الحدود مع فئة مارقة تدججت بعقلية الهيمنة وسياسة الاقصاء وتحقير الآخر، وتلك قصة أخرى حفَّزني التعبير المذكور لمتابعة وقائعها من خلال ما رشح منها في المواقع الاسفيرية المختلفة، والمفارقة التي لن تفوت على فطنة القارىء إنني وجدت فيها تمازجاً بين ما حدث خارج الحدود وداخلها!ففي عام 2004 إستبشرنا خيراً بظهور جمعية الصحفيين السودانيين في المملكة العربية السعودية بعد أن انتخبتها قاعدتهم العاملة في القطر الشقيق، وزاد من سعادتنا أن من بين المختارين لعضوية اللجنة التنفيذية زملاء مشهود لهم بالكفاءة المهنية، وقد مثَّلوا الصحافة السودانية خير تمثيل في الصحافة السعودية ووسائل اعلامها المختلفة...تفانياً في أداء الواجب وسمواً في العلاقات الانسانية، إضافة إلى أن من بينهم إخوة لهم حضور باذخ في مضمار العمل الوطني، ولعل لهذه الاسباب مجتمعة بادرت الجمعية العمومية في العام الماضي 2007 بتمديد فترة اللجنة التنفيذية المنتخبة لدورة أخرى، الأمر الذي لم يرق لـ (خفافيش الظلام) فبعد أن فشلوا في فرض أجندتهم وكذا أسماء بعينها في الاجتماع المشار إليه، لجأوا إلى تجريب آليات (العصبة الأم) وذلك بشق الجمعية، وحتى تكتسب خطوتهم غطاءً شرعياً تيمموا شطر (دار أبي سفيان) الكائنة في (حي السفارات) بالرياض، وذلك للقيام بإجراءات تسجيل كيان جديد بإسم (رابطة الاعلاميين) ولمزيد من توهم الشرعية الغائبة حظوا بمباركة السيد محي الدين تيتاوي رئيس كيان الأمر الواقع، والغريب أن كلا الفريقين يعلمان أن الذين إمتطوا سنام الرابطة ليست بينهم وبين الاعلام صلة قربى إلا بالمصاهرة (الالزامية)! ولهذا لم يكن غريباً ما قرأته في موقع سوداني يقول أن المذكورين لم يكتفوا بالانشقاق وحده فلمزيد من الشرعية (الثورية) عمِد بعضهم إلى إشاعة ثقافة (العصبة) وذلك بترهيب وترعيب بعض أعضاء جمعية الصحفيين برسائل تهديد ووعيد! كذلك نطالع من حين لآخر في ذات المواقع أنشطة لجماعة الرابطة تبدو واضحة للعيان ظهورها بإمكانات إرتوت من شرايين دافعي الضرائب والجبايات المقتطعة من جلود المغتربين، فلا ادري مثلاً كيف يمكن أن تقام دورة (شهرية) تدريبية لمبتدئين هم في الأصل أعضاء في الرابطة بوصفهم صحفيون؟ ولا أدري ما الذي يمكن أن يجنيه أهل المهنة أو حتى المغترب المسكين من مناسبات البذخ وحضورها ممن يتدافعون بالمناكب من أجل الظهور (الاعلامي)؟ وكيف تسني لأجهزة يفترض فيها القومية كالتلفزيون والاذاعة ووكالة سونا للأنباء أن تغطي أنشطة جماعة منشقة عن جماعة منتخبة؟ والملاحظ أن جماعة الرابطة تكثر من الاحتماء بمظلة الوزير المفوض أحمد يوسف، وليته يوقف العبث بمنصبه إن لم يكن يهمه وقف العبث بإسمه، فهو من خلال هذا الموقع الوظيفي يفترض أن يكون جامع شمل السودانيين ولا يجوز له لا أخلاقياً ولا وظيفياً أن يساهم في تفريقهم، وبالطبع فهو يعلم أن التاريخ لا يرحم إن صحَّ تواطؤه مع (العصبة الصغيرة) ومن المؤكد أيضاً أنه يتذكر أن السفارة التي يَحتل فيها موقعاً قيادياً ويستلم منها راتباً شهرياً تُسمى سفارة السودان وليست سفارة المؤتمر الوطني، وأنَّه بدعمه لفئة غير شرعية يزيح الستار مجدداً عن شرعية التعينات السياسية في السفارات، بعد ما ظنَّ البعض أنها أصبحت نسياً منسياً، كنت أتأمل في من يرجو طى تلك الصفحات أن يساند أهل المهنة تلقائياً ففي ذلك سند له، ناهيك عن أن مؤازرة الشرعية هي إنصاف لمن جاء عبر صندوق الانتخابات وليس على ظهر دبابة!على صعيد الجمعية المنتخبة كنت قد قرأت في بيان لها صدر مؤخراً أنها قامت بتجميد نشاط خمسة من الذين هوت أفئدتهم نحو جماعة الرابطة، وفصَّلت الجمعية قرارها بمجموعة حيثيات، وفي التقدير كان ذلك إجراءاً طبيعياً وقانونياً حيال من أصبح يشكل حجر عثرة في إنسياب النشاط العام، ولابد أن أسجل للقارىء الكريم حيرتي في هؤلاء، ممثلة في كيفية إستبدالهم الذي أعلى بالذي أدنى، بمعنى أن الخمسة العظام منتخبون ضمن اعضاء المكتب التنفيذي للجمعية فعلام إذاً يضطهدون تلك السُنَّة الديمقراطية الجارية ويقبلون على بدعة ديكتاتورية منفرة؟ هب أن أعضاء المكتب التنفيذي جانبوا الطريق المستقيم، أليست الديمقراطية التي تلهج بها أقلام الصحفيين آناء الليل وأطراف النهار، تحتم عليهم المجادلة بالتي هي أحسن داخل أروقة المكتب التنفيذي لتثبيت وجهات نظرهم، فإما أقنعوا بها غيرهم وإنتصروا لأنفسهم، أو إقتنعوا بوجهة نظر الآخرين وفي ذلك إنتصار للديمقراطية نفسها!صفوة القول يا سادتي، لن أجد ترياقاً يفشل أحابيل العصبة ذوي البأس في إستهدافهم الصحفيين وخياراتهم وحرياتهم في الداخل والخارج، سوى أن أوصيهم ونفسي بأن يعضوا على (السلطة الرابعة) بالنواجذ، وليتذكروا أن رجلاً بعيد النظر، ثاقب الفكر، عميق الرؤى أسمه توماس جيفرسون، قال قبل ما يزيد قليلاً عن المئتي عام، أي قبل أن يصبح الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكة «لو قدر لي أن أختار بين حكومة بلا صحافة وصحافة بلا حكومة، لاخترت الثانية بلا تردد»! أما أنا العبد الفقير إلى ربه، أقول لو أن كل نهازٍ أثيمٍ حمل على ظهره بضاعة كاسدة وجاء متأبطاً لافتة المؤتمر الوطني بحثاً عن شرعية ضالة، لأصبح القلم مثقال بدينار!!
تنوية للقاريء الكريم:حظرت الرقابة الأمنية نشر المقال أعلاه في صحيفة (الأحداث) اليوم!