الأربعاء، 10 يونيو، 2009

بِيُوتْ سيئة السُمعة! (مقال منع من النشر)



بِيُوتْ سيئة السُمعة! (مقال منع من النشر) ... بقلم: فتحي الضَّـو

فتحي الضَّـو
faldaw@hotmail.com

ليس لدي من العنوان أعلاه سوى أجر المناولة، وأقول الأجر ربما تزلفاً وترحماً وتطهُّرا، ذلك على الرغم من أن جرَسِه الموسيقي لم يستطع أن يخفي فظاعته التي تقشَّعر منها الأبدان. وفي الواقع أن أجر المناولة الحقيقي قد سبقني إليه كاتب مثابر، يمكن القول أن حب التوثيق آصر بيننا، وذلك ما حدا به أن يُجسِّد الفكرة ويُدوِّن وقائعها المليودرامية في كتاب صدر قبل نحو عقد من الزمن، أي في العام 2000 وقد حَمَل الكِتابُ في واجهته العنوان نفسه (بِيُوت سيئة السُمعة...شهادتي للتاريخ) وبين دفتيه سَرد صاحبه ما كان يجري داخل أقبيتها ودهاليزها وكواليسها. والمعروف إنها - أي تلك البيوت - إحدي بدع الضلالة التي استنتها العصبة ذوي البأس في بواكير جاهليتها الأولى. وقد اطلقت عليها العبقرية السياسية السودانية ذلك الاسم المثير للاهتمام، والذي طابق ما كان يحدث داخلها من فظائعٍ ومآسٍ وأهوالٍ.. تبدو لمتلقيها كيوم الحشر تماماً. والمفارقة أن الاسم ذاته ماثل وإلى حدٍ كبيرٍ ما درجت المخيلة الشعبية في شمال وجنوب الوادي على تداوله في مثل تلك الحالات...بقول بليغ لا يحتاج لكثير عناء في الشرح (الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود) ولهذا لا غروَّ أن زارها البعض يومذاك وكانوا عندئذ بكامل قواهم العقلية، وبعد أن لبثوا فيها يوماً أو بعض يوم خرجوا منها وقد ذهبت عقولهم أو كادت...أما الذين أُستُبقِيوا فيها شهراً أو دهراً فقد زُهِقت أرواحهم البرئية وحلَّقت هائمة في فضاءات المليون ميل مربع، ثم طفقت تبكي المروءة وتنعي ما تواطأ الناس على تسميته زوراً وبهتاناً بالتسامح السياسي السوداني!

كان الراحل علي الماحي السَخِي ذلك النقابي العمالي العتيد، قد وصل إلى لندن بُعيد العام 1999 بعد أن سُمح له بالمغادرة للمرة الأولى، وذلك بدعوى مواصلة العلاج من آثار الاعتقالات المتكررة، والتي نتج عنها معاناة نفسية تفاقمت والآم بدنية استفحلت. وبمثل ما هو متوقع حرَّك حضوره غير المتوقع ذائقة التوثيق لدي صديقنا الدكتور حسن الجزولي، والذي بادر بطرح الفكرة عليه ولكنه فوجيء بعزوف وزهدٍ بالغين، وإزاء إلحاحه المستمر ومحاولاته المستميته في إقناعه بجدواها...فكَّر الرجل ثم قدَّر وقرر تلبيتها...ربما إدراكاً منه - فيما بعد - بأهمية مثل هذا التوثيق للأجيال القادمة، أو لعل موافقته جاءت تحت وطأة إحساسه بدنو أجله ومغادرته الدار الفانية لدار باقية أكثر أمناً...لا يَظَلِم فيها أحدٌ أحداً. وسواءٌ كان هذا أو ذاك بدأ الرجل يفصح عن مكنون صدره، وتوالت الآهة من جوفه تلو الآهة..ممزوجة بمرارات السنين وظلم الانسان لأخيه الانسان...ثمَّ عكف السخي على تسجيل تجاربه المؤلمة، بمثلما عاش وقائعها بين تلك الجدران الصماء في معتقلات وسجون مختلفة...بدءً بنظام عبود ومروراً بحكومة نميري وانتهاءً بدولة الصحابة، وتلك كانت صاحبة البِدعة التي سُميت صدقاً وواقعاً وتماثلاً بـ (بيوت الاشباح)...وكانت تلك مقاربة إبداعية لا يستطيعها إلا من أوتى مَلَكَة بديعْ الزمان الهمزاني في اللغة!

لأن الأشياء في هذا البلد الأمين تظهر بغتةً وتختفي فجأةً من دون أن تُخلِّف وراءها أية علامة من علامات الدهشة...صحا الناس ذات يوم من منامهم ووجدوا تلك البيوت خاوية على عروشها، أي كأنها (فص ملحٍ وذاب) كما يقولون! ومع هذا لم يسألوا عن أشياء قد تُبدِ لهم لتسوءهم...فقط حَمدوا لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، وأثنوا عليه بعد أن ثابت العصبة ذوي البأس إلى رشدها، وهداها ربها سواء السبيل فأوصدت أبواب تلك البيوت المشبوهة! والغريب في الأمر أن الناس لم تعبِ بأسرارها التي طُمِِرت داخلها، بالرغم من أنه يومذاك وحينئذٍ وبعدئذٍ، تململ جرائها الموتى في قبورهم! بل ولأننا قومٌ جُبلنا على الشفاهة في تفاصيل حياتنا العامة، لم يُشرحُها قلم آخر سوى ما خطَّه صديقنا وزميلنا محمد سيد أحمد عتيق في كتاب بعنوان (أوراق من الواحة...مذكرات صحفي في بيوت الاشباح) وعتيق كان نزيلاً فيها لمدة سبعة أشهر حسوماً، نال نصيبه منها - كسائر الأبرياء - على ذنب لم يقترفه! وكذلك كَتَب آخرون مقالات متفرقة هنا وهناك، لم تمتد إليها يد محسنٍ تبتغي إحساناً في ذاكرة هذا الشعب الكثيرة الثقوب!

حسُناً فعل البروفسير الراحل محمد سعيد القدال فقد وثَّق في كتاب ثالث لسجن كوبر الشهير، ومثيله من سجون أكثر شهرة تشتت في بقاع السودان المختلفة، وجاء الكتاب تحت عنوان (كوبر...ذكريات معتقل سياسي في سجون السودان) تناول فيه تجاربه الشخصية وطاف على ذكر آخرين شاركوه السراء والضراء، بما في ذلك المواقف الانسانية المؤثرة والمِلَح والطرائف! والمُلاحظ أن السجون بصورة عامة لعبت دوراً مركزياً في حياة كثير من الشيوعيين السودانيين، وشاركهم قلة من الأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات، وإن قصرت يدهم جميعاً عن التوثيق، إلا أننا نستثني شعراء سجلت السجون والمعتقلات حضوراً كثيفاً في أشعارهم...منهم على سبيل المثال جيلي عبد الرحمن وعبد الرحيم أبو ذكرى وعلي عبد القيوم ومحجوب شريف...ومنها ما أصبح مُلهِماً للناس في مصائبهم كلما اظلمت الليالي وادلهمت الخطوب!

من المفارقات التي لن تجد لها مثيلاً إلا في السودان المغلوب على أمره...أن السجون والمعتقلات كانت وما تزال قاسماً مشتركاً بين السياسيين باختلاف ألوان طيفهم الحزبي...حُكَّاماً ومَحكُومين، رؤساء ومرؤُسين، وزراء ومُتطلعين، عُصبة ومُعارضين...ومن الظواهر غير المثيرة للجدل كذلك، هي أن تجد سياسياً كان سجيناً في حقبة ما، وبمجرد أن إنقضي أمدها ستجده بحول واحدٍ أحد يجلس على كرسي الوزارة في الحقبة التي تلتها. كذلك فإن بعض السياسيين يُسجنُون في عهدٍ...وبعد حين تغشى الرحمة قلوب سجانيهم، فلا يكتفوا بتسريحهم وإنما يكافئونهم بالاستوزار لعله يمسح ظلم حاق بهم أو هكذا يظنون! وأيضاً فهناك الكادحون الذين ظلوا ضيوفاً مقيمين تتعاقب عليهم الأنظمة الشمولية ذات اليمين، وتهمشهم الانظمة الديمقراطية ذات اليسار...وهم يمنون النفس بإعتذار صغير يتوخون به غسل أدران السجون والمعتقلات! ولك أن تعلم أن محن أهل السودان – أيها القاريء الصابر مثلنا - أن السجون تشفع أحياناً لرؤساء وزعماء القوى السياسية المختلفة...ذلك على الرغم من سوءآتهم التي لا تُحصى ولا تُعد...بدعوى أنهم منحُوا هذا الشعب بعض سنوات عمرهم خلف القضبان، ولا يجرمنهم شنآن شعبٍ إستكان ريثما تأتيهم الخلافة مرة أخرى تجرجر أذيالها!

لعل أطرف ما سمعت في هذا المورد، طُرفة نُسبت للسيد محمد عثمان الميرغني الذي ذاق السجن للمرة الأولي في حياته على يد الانقاذيين غداة انقلابهم سييء الذكر. إذ قال لسامعيه بعد أن أُطلق سراحه «السجن ودخلناه...بعد كده ما باقي لينا حاجة غير نركب العجلة عشان الشيوعيون يقولوا علينا مناضلين» وأيضاً من طرائف ما حكى لي صديقي الأثير الاستاذ التيجاني الطيب قوله إن إدارة سجن كوبر قررت فصلهم يومذاك هو والاستاذ محمد ابراهيم نقد عن بقية المعتقلين السياسيين، وزجَّت بهم في قسم آخر كان مخصصاً لخليط من المجرمين واللصوص ومروجي المخدرات، وما أن رآهم هؤلاء حتى طالبوا بعودتهم من حيث أتوا فوراً، ظناً منهم أن عقوبتهم – أي التيجاني ونقد - ستكون الإعدام، بينما هم عقوبتهم ستكون بسيطة لن ترقى لتلك الدرجة...على حد زعمهم!

بهذه المناسبة أعلاه، فلنترك سجون السياسيين جانباً ونطوَّف على سجون المواطنين هنيهةً. كنت قد تابعت تقريراً مثيراً للجدل قبل فترة، ولكن تداخل الأحداث وتزاحمها حالا دون التوقف عنده والتعليق عليه وهو طازج. واختص التقرير المذكور بزيارة قام بها وفد من الهيئة التشريعية القومية للبرلمانيات برئاسة سامية حسن سيد احمد لسجن أمدرمان، والتقوا بمسجونين وسجانين، وفي ذلك اللقاء كشف العميد محمد عثمان ابراهيم (الأحداث 16/2/2009) عن «وجود 12 ألف سجين بولاية الخرطوم منهم 1200 من النساء بسجن أمدرمان، بجانب وجود 200 طفل في ذات السجن، ما اعتبره مؤشراً خطيراً ومسؤولية عظيمة تستحق الوقوف عندها بإعتبارها أعداد خرافية لاتوجد على مستوى سجون الدول العربية. وأقر أن السجن يعاني من مشكلات في الصرف الصحي وضيق المساحة، سيما وأنه مصمم لاستيعاب 500 سجين فقط» واضاف إبراهيم في ختام حديثه تحذيراً تصدَّعت له نفوس شعوب وقبائل «لم يعد السجن مؤخراً وصمة اجتماعية وعاراً، وبات يرتاده أولاد الناس وبنات القبائل»!

الواقع إن ذلك كان قولاً ثقيلاً تشمئز منه النفوس وتزؤر، والغريب في الأمر إنه لم يستوقف سوى كاتب واحد (د. أمين مكي مدني/ الأخبار 18/2/2009) الذي أورد في مقاله عدة تساؤلات، يفترض إنها تدور بنفس المستوى في أذهان الكثيرين، ونزيد عليها بفهمنا المتواضع لحديث سعادة العميد الذي قال بطريقة ملتوية أن السجن فيما مضي كانت ترتاده كائنات غريبة ليست من شاكلة (أولاد الناس) علماً بأنه يوضح صفاتهم التي تميزهم عمَّا سواهم. وبما أنه نزع أيضاً هوية السجينات من قبل، ليته كشف عن أصولهن وجذورهن، فلربما أفاد ذلك عُلماء الأنثروبولجيا وأعلنوا عن إضافة إثنية أخرى لإثنيات السودان الكثيرة. المفارقة أن ذلك ذكرني بعامود ساخرٍ كانت صحيفة (الأهالي) المصرية قد خصصته لنقد ظاهرة الطبقية المستفزة في المجتمع المصري وعنونته بـ «أبناء الذوات وأبناء الإيه» وأذكر إنني في إطار مشاوراتي المستمرة مع الصديق الزميل مصطفي البطل كنت قد إقترحت عليه مرة استخدامه، وذلك في معرض رده على اللواء (م) مزمل سليمان غندور، الذي جاء لفظ (أسر عريقة) على لسانه في حديث له مع هذه الصحيفة، وكان عن ظاهرة إختيار الانجليز لفئة من السودانيين لشغل مناصب في وظائف معينه. إلا أن البطل آثر المصطلح المتداول في حياتنا (أولاد الكلب) إلا أن اللفظين أوحيا لي فيما بعد إننا قوم يدَّعوا التواضع، لكن هناك من يترصدنا ولم يكتف بتصنيفنا إثنياً وعرقياً وطبقياً وجهوياً وسياسياً...فزاد عليهم بسجنينٍ كذلك!

لا بأس عندي يا سادتي يا كرام، أن نزيد الدهشة دهشة أخرى، رغم تأكيدي الدائم في أن الدهشة نفسها في حياتنا أضحت كما االماء لا لون لها ولا طعم ولا رائحة. ولكن دعونا بذات المنظور أن نتأمل بعين بريئة خبراً أوردته (الصحافة 5/4/2009) عن السيد محمد الحسن الأمين «نقطة نظام» الذي خاطب (حشداً) قيل إنه «لنصرة الرئيس البشير ضد قرارات المحكمة الجنائية وأقيم بسجن كوبر» تعهد فيه سيادته وقال إنه إستجابةً لمطالبات متحدثين سيقوم «بمناشدة رئيس الجمهورية لإصدار عفو رئاسي عن بعض السجناء» وهي محمدة منه ولفتة إنسانية تستحق الشكر والثناء والتبجيل، على الرغم من أننا لا نعلم إن كانت تمَّت حقاً، أم أنها من نوع الوعود التي تذروها رياح الهبباي!

بيد أن الذي سيصعب على القاريء الكريم فهمه وهضمه واستيعابه، قول الصحيفة الذي يجييء خِصماً على قضية الجنائية – كما نعتقد - أكثر من نُصرتها «اكد النزلاء وقفتهم ومناصرتهم لرئيس الجمهورية ضد قرارات المحكمة الجنائية الدولية، وتعهدوا بالزود عن الوطن ورمز سيادته، ونددوا بأوكامبوا وأحرقوا دمى له، كما أقاموا له محكمة صورية» والقائلون كما نعلم وتعلمون يقبعون خلف القضبان، وعليه ما جدوى قولهم حتى وإن صدَّقه القاريء. لكن يبدو أن الاعلام الرسمي الذي تفنن في إختيار ضحاياه ولم يعرف كيف ينتخبهم...قد أضحت تلك الترهات سنة راتبة في أجندته. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كنت قد شاهدت شطراً من لقاءٍ في الفضائية السودانية 8/3/2009 مع السيد محمد يوسف كبر والي شمال دارفور، وأدهشني أن المذيع لم يكتف بإحترام عقول مشاهديه، فقام بحركة مسرحية مكشوفة بإستئذان ضيفه وقال له إنه تحصَّل على مذكرة موجهة لسيادته من دون علمه، ثم قام بتلاوتها متمنياً ألا يخجل فعله تواضع الوالي، لكن سيادته كان قد حطَّ على وجهه إبتسامة كفيلة بخزي عين الحاسدين و الحاقدين والشامتين، حتى لو كانت المذكرة تقول أن «مساجين سجن شالا يبايعون السيد الرئيس»!

أيضاً فيما الدهشة يا عزيزي القاريء ألم تقرأ مثلي على صفحات هذه الصحيفة (الأحداث 15/3/2009) خبراً آخراً صلصت له أجراس الكنائس في حاضرة الفاتيكان، وكان بعنوان «الأقباط يبايعون الرئيس» وماذا أنت قائل إن كنت قد طالعت (الرأي العام 9/3/2009) بعينين ذائغتين وقلب واجفٍ...خبراً آخراً إرتجت له قباب أهل السودان «الرئيس يتلقى بيعة الموت من الطرق الصوفية» ولا تقل لي أن (الصحافة 9/3/2009) لم تمارس فيك سادية تقاصرت عنها سادية الصهونية في بني يعرب، حينما قالت لك أن محامياً جُهبذاً اسمه معاوية خضر إبراهيم، ليس لديه أي صفة في هذا السودان العريض غير أنه «يُدَّرس القانون والشريعة الاسلامية بالجامعات» ولا تضرب أخماسٍ في أسداس لكي تستدل على تلك الجامعات مجهولة الهوية، فقط تأمل في طلبه الذي قدمه لمجمع الفقه الاسلامي ودعا فيه إلى «إهدار دم مدعي المحكمة الجنائية لويس مورينو أوكامبو» ومن جانبي أتمنى ألا يكون المذكور جاد في مسعاه، كما أرجو ألا يكون قد تكبد مشاق توصيل تلك الرسالة للمُبَشر بعذاب الهُدهد...عموماً ذلك يا اهل الله نموذج للاعلام الفاضح والكذب المفضوح الذي يضر بالصحة والوطن معاً...لو كانوا تعلمون!

المغرمون بالمقارنات وحدها يقعون دوماً في أخطاءٍ بديهيةٍ، إذ أن كثير ما أستوقفني حسرة بعض الناس المصحوبة بآهات وأنين كلما وقعت أعينهم على صورٍ تشرح أوضاع السجون الأوربية والغربية، وغالباً ما تبرز تلك الصور الجوانب الايجابية والتي يبدو فيها السجن كما فنادق الخمس نجوم تقريبا...فهناك مثلاً غرف الطعام الفارهة ووسائل الترفية من أجهزة تلفاز وكمبيوترات مبثوثة وصالات جمانيزم ومكتبات وتلفونات للتواصل مع العالم الخارجي وغرف أنيقة عليها ديكورات تشرح القلب...ألخ. والواقع أن المسائل نسبية، فما يراه البعض رفاهية قد لا يراها السجين كذلك، لأن حياته ببساطة خارج السجن ربما كانت في نفس المستوى أو أفضل، والأصل في الأشياء إنه يعيش في بلد مرفهٍ، ضرورياته بالطبع هي كماليات عند الناظرين لتلك السجون بعين الرفاهية، ولكنهم يتناسون أهم ركن مفقود لا يمكن أن يعدله شيء في الوجود وهو الحرية، وسواء السجين المعني أو المواطن الطليق فجميعهم نشأوا على أن الحرية هي القيمة الأساسية في الحياة وليست حياة الرفاهية، وبدونها – أي الحرية - تُصبح الحياة باهتة لا قيمة لها...فما جدوى العيش داخل قفص من ذهب لطائر دأب على الطيران في الفضاءات الواسعة بلا حسيب ولا رقيب إلا نفسه!

ولكن بما أن الشيء بالشيء يذكر، فإن مثل هذه المقارنات البيئسة قد حدثت عندما طيَّرت وكالات الانباء والشبكة العنكبوتية صوراً توضح نمط العيش والحياة التي وجدها سلوبودان ملوسوفيتش داخل السجن، فقد شاهدوه الكثيرون واستكثروا عليه تلك الحياة وقالوا سراً وجهراً...ما الذي يريده الرجل أكثر من ذلك؟ بل إنه حتى عندما مات في ذلك السجن المرفهة، إنتشرت نكتة في اركان الدنيا الأربعة، وكانت تقول ببساطة أن الرجل مات من الإفراط في الرفاهية! ليت كل معتدٍ أثيم يا سادتي ذهب برجليه لينهل من معين تلك الرفاهية التي نهل منها سلوبودان، ومن جانبنا يمكننا أن نضمن له سلفاً...إنه لن يموت كمداً!

عودة على بدء، كنت قد شغلت نفسي قبل كتابة هذا المقال بمحاولة تقصى الأسباب التي جعلت الشيوعيين يزهدون في السجون التي ألفوها وألفتهم! وهم من ملأ الدنيا ضجيجاً وعجيجاً وأشعارا، وصوروها للناس كفردوس مفقود تتوق له نفوس الشرفاء. وبما أن المؤمن صدِّيق كما يقولون يبدو لي - والله أعلم - إنهم تيقَّنوا من تصريح مدير سجن كوبر اللواء صلاح ابراهيم محمد (الصحافة 5/4/2009) الذي أكد بما لا يدع مجالاً للشك على «كفالة حقوق الانسان وحسن معاملة النزلاء» وزاد عليه لـ (الرأي العام 19/2/2009) د. الريح محمود رئيس اللجنة الاجتماعية بالمجلس الوطني الذي نطق بقول الواثق «السجون أصبحت متطورة ويوجد اهتمام بالنزيل أكثر من السابق» أم يا ترى إستبشروا بما قاله مساعد المدير العام للمباحث، اللواء محمد الحافظ (الصحافة 5/4/2009) عن اتجاه لتغيير اسم سجن كوبر، وقال «ننظر في تغيير اسم سجن كوبر الي مدينة البشير الاصلاحية» أم جبَّ الفريق د. جلال تاور كافي رئيس لجنة الأمن والدفاع في المجلس الوطني، قول كل خطيب (الرأي العام 19/2/2009) بأمنية عزيزة رددها المناضلون شعراً، إذ قال «لا نريد سجناً ولا سجاناً» ونقول...من يريد يا سيدي؟!

هذا المقال منعته الرقابة الأمنية من النشر اليوم الأحد في صحيفة الأحداث 3/5/2009