الأربعاء، 10 يونيو، 2009

ادمان النواقص(نزعته الرقابة الامنية)



ادمان النواقص(نزعته الرقابة الامنية)

كتب : خالد فضل


*مما أُخذ على اتفاقية نيفاشا 2005م رغم شمولها النسبي؛ أنها كانت اتفاقية ثنائية بين حزبين. قال بذلك المتحفظون عليها: ورغم أن مداداً كثيراً قد سكب لتوضيح هذه الجزئية من انتقاد المنتقدين، وأقوى الحجج التي سيقت في هذا الجانب التوضيحي: أن الاتفاقية، وبالرغم من أنَّها أُبرمت بين الطرفين المعلومين؛ بيد أنها حوت غرفاً عديدة، تتيح لمن لم يفاوض او يوقع فرصة للحياة السياسية، في ظل نظام انتقالي يحكمه دستور ويتدرج الى أن يصبح حكماً او نظاماً ديمقراطياً يتيح كافة الحقوق للآخرين لتولى السلطة عبر بوابة الانتخابات.
صحيح أن التحول الديمقراطي لم يكتمل بعد، وصحيح أن المؤتمر الوطني ـ أحد طرفي الاتفاقية لم يفِ بمستحقات الانتقال، لأن التغيير يعني مباشرة زوال قبضته الأمنية والسياسية والمالية على مقاليد البلاد, بَيْد أنه لا يمكن أنكار بعض التحولات المهمة في مسيرة بناء الدولة السودانية القادمة. أذ يكفي على سبيل المثال: أن جنوب السودان لم يعد خاضعاً لابتزاز حكومات الخرطوم وهيمنتها، بل أصبح للمواطن الجنوبي الحق في تقرير مصيره في البقاء ضمن حدود البلاد السابقة او إقامة دولته المستقلة، عبر صناديق الاستفتاء المقرر إجراؤه عام 2011م.. وهذه الخطوة من شأنها أن تجعل خيار الوحدة ـ إنْ تم ـ خياراً طوعياً لا إكراه فيه للجنوبيين ولاهيمنة عليهم بعد الاتفاق. وهذا الأمر تكمن أهميته في أنّ بناء الدولة السودانية القادم يجب أن يقوم على ركائز من أهمها الانتماء الطوعي، وما يتطلبه هذا الأمر من إعادة النظر في كثير من المسلمات السابقة، التي اتضح أنها لم تلب حاجة بناء دولة وطنية حقيقيةـ قوامها احترام مكونات هذه الدولة بكل ما فيها من تعددية ثقافية ودينية وعرقية.. فالواقع يخالف التصور السائد منذ الاستقلال، والممارسات السياسية والثقافية المهيمنة تدل على قتصار وجهة نظر الدولة السوداية بطبعتها السابقة وحتى الآن بصيغة آحادية, لم تكفل للآخر حقه في أن يكون مختلفاً، وفي ذات اللحظة يتمتع بكل حقوقه. وهذه المعادلة بين الحق والانتماء مما يجب أن تتم طواعية وليس قسراً..ولهذا قلت: إن نيفاشا قد وضعت أساساً طيباً لبناء دولة قادمة تسع جميع السودانيين، ورغم ذلك لا يمكن الزعم بالطبع أنها جاءت مبرأة بنسبة 100% من كل نقص.. فهذا أمر مستحيل في الاجتماع البشري، ولكن من أخطر النواقص التي ظهرت في نيفاشا؛ هو عدم الدقة في التنفيذ وعدم الالتزام بالمواقيت الزمانية لكثير من بنودها.. كذلك هناك عيوب واضحة في بعض خطوات التنفيذ، خذ مثلاً: مسألة التحوُّل الديمقراطي، نجد أن بعض القوانين التي أجيزت مؤخراً لم تبلغ مرحلة (ديمقراطية) بشكل تام؛ بل إن بعضها جاء اسوأ مما قبل، مثل: قانون العمل الطوعي الذي حول منظمات المجتمع المدني الى خاضع للسلطة التنفيذية.
*ثم بالعودة الى النواقص نجد أن اتفاقية ـ اسمرا ـ الموقعة مع جبهة الشرق لم ترقَ هي الأخرى الى مصاف الحل الناجع لقضايا شرق السودان المتشعبة.. وبالطبع لازمها داء التنفيذ لما تم الاتفاق حوله. ومثل: اتفاقية الشرق، نجد اتفاقية القاهرة مع التجمع الوطني الديمقراطي، فنجد أن هذه الاتفاقية وكأنها قد سقطت تماماً من الذاكرة، ولولا وجود وزيرين في الحكومة الاتحادية, يكتشف الناس بعد لأي أنهما لا ينتميان للمؤتمر الوطني. لو لا ذلك لما تذكر أحد شيئاً اسمة اتفاقية القاهرة، عدا وجودـ سليمان حامد، وفاروق ابو عيسى في البرلمان، رفقة عدد محدود من زملائهم في التجمع، كالاستاذ. عثمان عمر الشريف، ومحمد وداعة، وآخرين، أقل ظهوراً على المستوى الإعلامي على الأقل.. أما ما اشتملت عليه وثيقة الاتفاق، من تحول ديمقراطي، وإعادة قومية أجهزة الدولة، ورد المظالم التي حاقت بقطاعات واسعة من المواطنين؛ فإنها صارت في عداد المنسيات.. وهذا وجه من وجوه إدمان النقص في الممارسة السياسية السودانية.
*أما عن دارفور؛ فحدَّث ولا حرج، فبشهادة كل المراقبين والفاعلين والمشاركين في اتفاقية ابوجا فإنها اي تلك الاتفاقية لم تجلب سلاماً لدارفور، ولم تزد النار الا اشتعالاً. والسبب كما هو معروف أنها اتفاقية ناقصة بسبب غياب كل الحركات السياسية التي تحمل السلاح في دارفور؛ عدا فصيلـ مني اركو مناوي، الذي يشكل لأحد أهم فصائل حركة جيش تحرير السودان. وبينما استعصم الاستاذـ عبد الواحد محمد النور، زعيم فصيل آخر في ذات الحركة بالرفض لاتفاقية ابوجا، ومن ثم رفضه لما بذل من جهود لبدء التفاوض تحت اي مسمى او مبادرة. فها هوـ عبد الواحد محمد النور، يصف مفاوضات الدوحة الحالية بين المؤتمر الوطني وحركة العدل والمساواة، جناح د. خليل ابراهيم: بأنها محاولة لتوحيد إسلاميي السودان في السلطة وفي حركات دارفور، بينما جاء تعليق حركة مناوي: بأنها محاولة لإعادة بعث المشروع الحضاري. ذلك المشروع الذي كان الاسلاميون يطلقونه على مشروعهم للانفراد والهيمنة بالسلطة في بواكير انقلاب 30 يونيو 1989م.
*بالنتيجة نصل الى أن جهود الدوحة ومهما كانت دوافعها فإنها في النهاية تضيف سطراً جديداً في سجل ضخم اسمه (إدمان النقص) ولأن التجزئة التي ظل يمارسها المؤتمر الوطني قد نجحت حتى الان في بقائه في الحكم في وضع شبه مطلق؛ فإنه دون شك لن يحيد عن هذا النهج الذي يضمن له باستمرار مواصلة برامجه وأهدافه. فطالما ظل الآخرون يتجاوبون مع خطته التجزيئية فلا بأس من مواصلتها. وسنسمع عما قريب عن اتفاقية الدوحة، او طرابلس، او ربما انجمينا، حسب تقلبات الظرف الاقليمي. وسيتم عمل كرنفال احتفالي باتفاقية تحمل اسم عاصمة التوقيع، وفي ذات اللحظات سيكتشف الجميع أن بضاعة جديدة يتم الترويج لها مؤقتاً، ثم ما ينفك الصبح عندما يسفر عن حركات رافضة للدوحة او _ اي اسم اخر- ثم عن معارك جديدة، ثم عن نقصان في الاتفاقية ويستمر الموَّال..
*ان الحل الشامل والناجع والنهائي للأزمات السودانية المتطاولة يكمن في كلمة السر الغائبة حتى الآن (الحريات) ففي مناخ حر ومعافى وديمقراطي يمكن حل كل المعضلات. وذلك ببساطة شديدة أن مناخا حرا وديمقراطيا يوفر بيئة صالحة لتوليد الأفكار الجديدة ،ولمقارعة الحجة بالحجة، ولمشاركة واسعة من أكبر قدر ممكن من السودانيين، بمختلف تعددياتهم.. وعندما يشارك الجميع في إدارة شأن بلادهم فإن الحل سيأتي دون أدنى شك. واذا عجز السودانيون في مناخ مشاركة كامل وواسع يستوعب الجميع عن ايجاد الحلول لمعضلات وطنهم؛ فإنهم في هذه الحالة يستحقون فعلاً أن يعاد استعمارهم ووضع بلادهم تحت الوصاية الدولية. فالمجتمع الدولي مثل البيت الكبير/ يتولى تربية القصر من الأنباء والبنات!!